ركلات (14)

حامد اغبارية
1- إحدى وسائل الوهم الدعائية التي تستخدمها القائمة الموحدة، برئاسة عضو الكنيست منصور عباس، لتسويق نهج الشراكة في الائتلاف القادم (وحسب تقديري لا يهم أي ائتلاف… حتى لو كان مع نتنياهو الذي تقول لافتاتهم الانتخابية الضخمة إنهم يريدون إسقاطه!!)، هو أنها في الائتلاف السابق كان يمكن أن تحقق الكثير لولا سقوط الحكومة.
الآن لنراجع المسألة من بداياتها خطوة بخطوة، لنرى إن كان هذا الزعم حقا أم غير ذلك.
2- في اتفاقية الائتلاف مع حكومة بنط- لبيد، حصلت القائمة الموحدة على رئاسة لجنة الداخلية، وعلى نيابة رئاسة الكنيست، وعلى رئاسة لجنة شؤون المجتمع العربي، وعضوية اللجنة الثلاثية (المكونة من بنط ولبيد وعباس) لمعالجة القضايا الطارئة للمجتمع العربي، وعلى قرار بتعديل قانون كمينتس خلال 120 يوما من تشكيل الائتلاف، والاعتراف بثلاث قرى غير معترف بها في النقب (هي خشم زنة، ورخمة وعبدة) خلال 45 يوما من تشكيل الائتلاف، وإقرار خطة لتنظيم قضية القرى غير المعترف بها في النقب خلال 9 أشهر، ورفع عدد الشقق السكنية المسوقة في المجتمع العربي إلى 10 آلاف شقة سنويا، وخطة خمسية بميزانية 30 مليار شيكل لتطوير المجتمع العربي (تعليم، بنى تحتية، بناء وغيره)، وخطة خمسية لمعالجة العنف والجريمة يخصص لها مبلع 2.5 مليار شيكل، وميزانية بمبلغ 100مليون شيكل سنويا (لخمس سنوات) لتشجيع المبادرات في السلطات المحلية العربية.
هذا تقريبا ملخص ما حصلت عليه الموحدة في اتفاقية الائتلاف مع بنط – لبيد.
3- يومها، عقب لبيد (مدافعا عن نفسه أمام خصومه السياسيين وأمام الشارع)، وقال إن هذه الاتفاقية جاءت لتحسين أوضاع المجتمع العربي، دون أحلام غير مسؤولة، ودون أبعاد قومية. فقط تربية وتعليم وبنى تحتية، وتطبيق للقانون…
4- فلا التعليم تحسن، ولا البنى التحتية تحسنت، ولا القانون طُبّق…
5- يقول قادة الموحدة إن سنة واحدة لم تكف لتحقيق المراد.
6- عاشت الحكومة (التي وُلدت ميتة) سنة ونصف السنة. وفي اتفاقية الائتلاف بنود كان يجب أن تنفذ خلال 45 يوما، وأخرى خلال 120 يوما، وثالثة خلال 9 أشهر. يعني خلال أقل من سنة، فهي لم تكن بحاجة إلى أربع سنوات بطبيعة الحال. ورغم ذلك لم ينفذ منها شيء.
7- في قضية الاعتراف بالقرى الثلاث، كان في الحقيقة اعترافا على الورق فقط، ولم يتحقق الأمر على أرض الواقع، لأن اتفاقية الائتلاف نفسها وضعت تقييدات ومعوّقات وشروطا تعجيزية. حتى أن السيد إبراهيم حجازي، رئيس الإدارة العامة في الحركة الإسلامية الجنوبية أقر بذلك في إحدى المقابلات التلفزيونية، على الرغم من أن الموحدة- يومها- طنطنت في “الإنجاز” وجعلته من الفتوحات الربانية.
8- ما الذي حدث في الحقيقة؟
9- كان الاعتراف بالقرى الثلاث في حقيقته يتضمن تجميع سكان تلك القرى في مكان واحد داخل مساحة ضيقة تكون تابعة لإحدى القرى السبع في المنطقة. وكان واضحا أن سكان تلك القرى سيرفضون ذلك، لأن القبول بالنسبة لهم معناه الانتحار، وفقدان آلاف الدونمات من أراضيهم.
10- وكانت أييلت شاكيد، وزيرة الداخلية يومها، والتي يُفترض أن تدافع عن الاتفاقية وتعمل على تنفيذها، قد أعلنت أن الحديث يجري عن تنظيم قضية القرى غير المعترف بها في النقب، بمعنى نقل سكان القرى وحشرهم داخل منطقة ضيقة، وبذلك تستعيد الدولة الأراضي لملكيتها. ألم تكن الموحدة تعرف هذا وتدركه؟
11- مقابل مسرحية الاعتراف (الذي لم ينفذ على الحقيقة، وما يزال معلقا إلى الآن) أقرت حكومة بنط-لبيد تنفيذ مكثف لأوامر الهدم في النقب، في المناطق التي لا تشملها الاتفاقية الائتلافية، وهذا يشمل أصحاب البيوت الذين أعلنوا رفضهم للخطة. وكان في الأفق تخطيط لإقامة مدينة بدوية جديدة (على غرار رهط) يُنقل إليها سكان القرى غير المعترف بها (هذه الخطة لم تخرج إلى حيز التنفيذ، لكنها ما زالت قائمة وجاهزة للتنفيذ عندما يحين الوقت المناسب). وكانت أييلت شاكيد قد اشترطت توقيع 70% من سكان القرى غير المعترف بها على قبولهم السكن في المدينة، ما يتعني تخليهم عن أراضيهم، وتنازلهم عن جميع القضايا التي قدمت للقضاء لبحث قضية الملكية، وذلك خلال 7 سنوات، وإلا فإن الخطة لن تنفذ؟!! ولو استمرت الحكومة أربع سنوات، ما كان أسهل من التسويف والتمطيط واختراع المعوقات حتى تمر السنوات السبع.
12- في المقابل عملت أييلت شاكيد، وزيرة الداخلية على إقرار خطة حكومية تقضي ببناء أربع مستوطنات يهودية في النقب، هي “بوابة عراد”، و “كسيف”، و “حانون”، و “نيتسان”. إضافة إلى مشروع لخمس مستوطنات أخرى على طول شارع 25 (بئر السبع- ديمونا). وقد أُقرت الخطة (يا للعجب!!) في حكومة نتنياهو الحالية (مطلع 2026)!! هذا حتى يدرك من له رأس فوق كتفيه أنه يتعامل مع مشروع وليس مع حكومات متنافسة متناحرة على الشاشات…
13- أقرت حكومة بنط- لبيد – عباس قرارا سابقا بتجميد تنفيذ هدم البيوت المأهولة غير المرخصة، وتجميد الغرامات ضد البيوت المأهولة في البلدات العربية (والدرزية)، وكان هذا التجميد قد أقر عمليا في حكومة نتنياهو- جانتس، وتبنته حكومة بنط- لبيد، التي بدلا من ذلك أعملت معاول الهدم المكثف في القرى العربية وخاصة في النقب. هذا هو “التعديل” الذي أدخل على قانون كمنيتس! وهو تعديل لم يحدث، إذ بقي القانون كما هو دون تغيير. وبدلا من ذلك استبدل تعديل القانون بتفاهمات شفوية وقرارات سياسية لحستها الحكومة ولم تنفذ منها شيئا.
14- لم يكن الأمر يحتاج إلى 4 سنوات حكومية حتى تخرج الموحدة وتقول لنا إنها نجحت في تحقيق ما توهِم الجمهور بتحقيقه من خلال الائتلاف، بل كان عليها أن تخرج للجمهور وتقول له بصراحة: لقد خدعونا! والآن بدأنا نفهم مع من نتعامل. لكنها بدلا من ذلك ما تزال تسوق نفس الفكرة على نفس الجمهور مع نفس المؤسسة…
15- وتذكَّر دائما: مشكلتنا ليست في الميزانيات، التي يجب أن تصل أصلا لعناوينها دون حاجة إلى اتفاقيات ائتلافية، ودون حاجة لمسرحيات الصراخ من على منبر الكنيست. هذا لو كنا في دولة حقيقية! وتذكَّر أيضا: ثمانية عقود من المطالبات، وفي كل مرة يقولون لك: نطالب… ونسعى إلى… وسوف نهدم الهيكل فوق الرؤوس إذا لم…!! فمتى سينتهي عصر المطالب والسعي إلى تحقيقها، وننتقل إلى عصر البناء؟
16- لن ينتهي عصر المطالبات، ولن ننتقل إلى عصر البناء… حتى لو مرت ثمانية عقود أخرى، أو ثمانية قرون…!! فالكنيست وهمٌ بالنسبة لنا وسيبقى وهمًا… والشيء الوحيد الذي يتغير هو نشوء أجيال جديدة، يسوّق لها ذات الوهم، وقيادات كنيستية تشرح للجيل الجديد كيف يمكنها أن تعيش في الوهم..
