أخبار عاجلةدين ودنيا

الزيارة فن وذوق وآداب.. حين يكون الحضور جميلًا والأثر أجمل

ليلى غليون

ذوقيات كثيرة قد نغفل أو نتغافل عنها في سلوكياتنا ومعاملاتنا مع بعضنا البعض، والتي هي من صميم وأبجديات قيمنا الإسلامية والتي قد تؤدي لخلق حالة من النفور بيت أفراد المجتمع، الذي من المفترض أن تسوده أجواء التفاهم والمحبة والانسجام.

والتزاور بين الناس من الأسس التي تعمق الصلة بين الناس وتولد بينهم الشحنات الإيجابية، فتتآلف القلوب، ويلتقي الأحباب والأصحاب والأقارب بأجواء تغمرها الأخوة ونسائم المحبة. فالزيارة من أجمل صور التواصل بين الناس، فهي تقرب القلوب، وتقوي صلة الرحم، وتمنح الإنسان شعورًا بأنه محاط بأشخاص يهتمون به.

ولكن ما نراه اليوم من سلبيات في واقع حياتنا اليومية وعلى كافة الأصعدة، نجد حتى ذوقيات وآداب الزيارة لم تسلم من هذه السلبيات، فمن الزيارات من يدخل أصحابها القلوب قبل أن يدخلوا البيوت، ينتظرهم أهل البيت بشوق، ويفرحون بوجودهم، ويشعرون بالحزن عند مغادرتهم، لتترك زيارتهم أثرًا جميلًا في نفوسهم، بينما زيارات أخرى تتحول إلى مصدر إزعاج وتعب وإحراج، تجعل أهل البيت ينظرون إلى الساعة مرة ومرات، ينتظرون بل يتمنون لحظة انتهائها، ليس لأنهم لا يحبون ضيفهم أو ضيوفهم، بل لأن بعض التصرفات من هؤلاء الضيوف تشوه جمال الزيارة من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وحتى تكون الزيارة ناجحة، مريحة، وتؤتي أكلها، هناك ذوقيات وآداب ينبغي الالتزام بها:

قبل الزيارة… الاستئذان أولًا
إن أكثر ما يمكن أن يضع أهل البيت في إحراج شديد، الزيارة المفاجئة التي لا علم لهم بها، والتي قد تكون في أوقات غير مناسبة، فليس كل وقت مناسبًا للزيارة، فقد يكون صاحب البيت (أو صاحبته) غير متواجد في البيت، أو مشغول في هذه الساعة، أو مريض، أو البيت غير مهيأ للزيارة، أو أي ظرف من الظروف، مما يوقع المضيف “وكذلك الضيف” في حرج وضغط نفسي كان بالإمكان تلافيه لو كان هناك تنسيق مسبق للزيارة والاستئذان، فمن أبسط حقوق أهل البيت أن نخبرهم بزيارتنا، وأن نتأكد أن الوقت مناسب لهم. لا تقل… أنا… أنا… فحتى التفاصيل الصغيرة في الزيارة تعكس حسن التربية وجمال الأخلاق.

من الآداب التي قد يغفل البعض عنها عندما يذهب أحدهم لزيارة أحد، فيطرق الباب ويسمع من الداخل صوتًا يقول: من؟ فيقول: أنا… دون أن يعرف على نفسه، ولكن من هو ” أنا”؟ فقد لا يعرف صاحب البيت من يقف خلف الباب، ولذلك من الأدب أن يذكر الزائر اسمه بوضوح… أنا فلان… وينتظر الإذن بالدخول، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب، فعن جابر رضي الله عنه قال: استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “من هذا” فقلت: “أنا” فقال: “أنا أنا” كأنه كره هذه الإجابة.

أثناء الزيارة… احترام خصوصية البيت
خصوصية البيت تبدأ من عتبة الباب، فمن الأمور التي قد تزعج أهل البيت أن يتصرف الضيف وكأنه في بيته، وهذه الصورة نجدها عند بعض النساء، فما أن تجلس الضيفة في المكان الذي استقبلتها فيه المضيفة حتى تبدأ بالتجوال بعينيها في كل شيء في المكان تتفحصه بدقة، وأحيانًا أخرى تستعمل راحة يدها لتمررها على الحاجيات لتتفحص هل عليها غبار أم لا.. هل هي مرتبة… هل هي نظيفة… وقد تقوم من مكانها وتدخل إلى غرف البيت دون إذن وتفتح الخزائن تنظر في الأدراج، وأشياء أخرى خاصة وتسأل عن الممتلكات، أو تسأل عن أمور شخصية وتحول الزيارة إلى تحقيق تريد معرفة أدق تفاصيل حياتهم، أو تعلق على تفاصيل المنزل وغيرها من الأمور التي لا تليق ولا تمنحها الحق في التدخل في شؤونها، والمضيفة تعتصر شفتيها حرجًا وانزعاجًا وأصحاب البيت منزعجون من هذا التصرف ومحرجون ماذا يقولون لها!!

الهاتف أيضَا له آداب
هل من المعقول أن يذهب أحدهم لزيارة أحد، ثم يقضي معظم وقته منشغلًا بهاتفه؟ يتصفح مواقع التواصل، يتابع الرسائل، يرد على كل إشعار، يجلس مع مضيفه حاضرًا بجسده، ولكنه لا يعيره أي اهتمام، فأي زيارة هذه التي يقضيها مع الهاتف؟! هل قطع الطريق لبيت صديقه أو قريبه لكي يراه ويجلس معه ويتحدث معه، أم ليجلس مع هاتفه؟

الأطفال أثناء الزيارة
عادة ما يصطحب الوالدان أطفالهما أثناء زيارة قريب او صديق، خاصة إذا كانوا صغارًا ولا يوجد في البيت من يرعاهم، ولكن هؤلاء الأطفال، ما أن تطأ أقدامهم البيت حتى يبدأوا بالعبث واللعب فيه وكأنه ساحة لعب، فيعبثون في حاجياته، ناهيك عن صراخهم ومشاجراتهم، كل هذا على مرأى ومسمع والديهم الذين لا يحركان ساكنًا لوقف هذا العبث، بينما صاحبة البيت تختنق غيظًا من هذا التصرف ولا تنبس ببنت شفة منعًا للإحراج أو خوفًا على ” زعل” ضيوفها.

لقد كان الأولى بالأم أو الأب أن يعلما الأبناء احترام المكان وعدم العبث بالممتلكات أو الدخول واللعب بالغرف، فالأطفال بحاجة إلى التوجيه، والزيارة فرصة لتعليمهم الأدب واحترام بيوت الآخرين. وأنا بدوري أوجه سؤالي لكل أم: هل تسمحين لأطفالك اللعب والعبث بهذه الصورة في منزلك؟ أنا متأكدة من الجواب، إنك لا تسمحين، فإن كنت لا تقبلين ولا تسمحين بذلك في بيتك، فمن باب أولى أن لا تقبليه في بيوت الآخرين، ونصيحتي لكل أم إذا اضطرت لاصطحاب أطفالها لزيارة أحد، إذا لم تجد من تستأمنه عليهم إثناء غيابها، على الأقل أن لا تطل الزيارة، بل تكون قصيرة وبلا إزعاج أو حرج. وحتى لو كانت الزيارة بدون أطفال، فإن من آدابها أن يعرف الضيف متى يغادر، فقد يكون عزيزًا ومحبوبًا عند صاحب البيت، ولكن إطالة الجلوس قد تجعل من المحبة حرجًا، والضيف الذكي يلاحظ الوقت كما يلاحظ الظروف ويعرف متى يجب أن تنتهي الزيارة.

زيارة المريض… عبادة ورحمة وأخلاق
زيارة المريض من الأمور الواجبة، فيها تسلية للمريض، وتخفيف لآلامه، وترويح عن نفسه، كما أن فيها بعض العزاء والمواساة لأهله وإشعارهم أن القلوب والمشاعر معهم، تحس بآلامهم ومصابهم وأنهم ليسوا وحدهم. ولكن أن تصبح زيارة المريض سببًا لزيادة آلامه وإزعاجًا لأهله، فهذا مرفوض.
فهناك من يطيل زيارة المريض الذي في كثير من الأحيان بحاجة أن يكون لوحده، أو برفقة أحد من خاصته لأمور خاصة بمرضه، كأن لا يستطيع قضاء حاجته مثلًا إلا عبر أجهزة أو أكياس يتحرج أن يراه أحد، أو غيرها من الأمور الخاصة.

وهناك من يقوم بالتدخين أثناء زيارته للمريض، ليتأذى المريض ومن حوله من دخانه المنفوث، فيزيد من مرضه وألمه، ومضايقة أهله، وهناك من يتكلم بصوت عال فيزعج المريض الذي هو بأمس الحاجة إلى الراحة، وهناك من يقوم بدور المحقق مع المريض يسأله عن مرضه ودوائه وفحوصاته ومكوثه في المستشفى، أو يتكلم بكلام يخيف المريض ويزيد من قلقه، فيذكر أمامه قصصًا عن أمراض وحالات خطيرة تشبه الحالة التي يمر بها، وغيرها من الأسئلة التي ترهق نفسيته أو يجد فيها حرجًا، ليجيب عنها خجلًا أو تكلفًا، والأشد من ذلك عدم مراعاة خصوصيته، كأن يقوم بتصويره أو نشر أخباره أو أخذ صور للزيارة دون إذنه، فإذا كانت الزيارة العادية تحتاج إلى ذوق وفن، فإن زيارة المريض تحتاج إلى رحمة وحساسية، لأننا لا نزور مريضًا متعبًا فقط، بل نزور إنسانًا بحاجة إلى كلمة طيبة ترفعه أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر، بحاجة إلى من يشعر به، ويطمئنه، ويدعو له.

من أجمل لغات المحبة… الهدية عند الزيارة
“تهادوا تحابوا” أنها وصية نبوية لتعم الألفة قلوب الناس، فإذا ذهبت لزيارة أحد، احمل معك قلبًا طيبًا وهدية جميلة، وليس المقصود هدية غالية أو فاخرة، وإنما قد تكون شيئًا بسيطًا، ولكنها تحمل من معاني المحبة والألفة الشيء الكثير، فقد تكون باقة من الزهور، أو شيء من الحلوى، أو كتابًا أو أي شيء يفرح صاحب البيت ويشعره بمحبته، وبالمقابل، لا ينبغي أن نجعل الهدية مقياسًا للمحبة، أو أن نُشعر الضيف أنه مقصر إذا لم يحضر معه شيئًا، أو أن نتحدث عن سعر الهدية وقيمتها. فيا ليتنا نحب بعضنا بإخلاص وصدق، بهدية وبغير هدية، أو مهما كانت قيمة الهدية، فالهدية الحقيقية ليست في ثمنها، بل بالمعنى الذي تحمله.

وفي النهاية، فالإنسان الراقي لا يعرف فقط كيف يدخل البيوت، بل يعرف كيف يحافظ على حرماتها، وكيف يحترم أهلها، وكيف يغادرها تاركًا وراءه شيئًا جميلًا.

فكن ضيفًا إذا حضر أحبوه، وإذا غادر اشتاقوا إليه… لا ضيفًا يتمنى أهل البيت مغادرته… واجعل زيارتك خفيفة على القلوب، جميلة في حضورها، طيبة في أثرها، وحلوة في ذكراها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى