عندما تصبح الرجولة مسؤولية

الشيخ محمود وتد- عضو حركة الدعوة والإصلاح
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وأصبح البعض يظن أن الرجولة صوتٌ مرتفع، وعضلاتٌ مفتولة، وسيارةٌ فاخرة، ومالٌ كثير، وقدرةٌ على السيطرة… نحتاج أن نتوقف قليلًا ونسأل: ما الرجولة؟ ومن هو الرجل؟ هل كل ذكرٍ رجل؟ وهل كل من بلغ سنًّا معينة صار رجلًا؟ وهل الرجولة أن تجعل الناس يخافون منك؟ أم أن الرجولة أن تجعل الناس يأمنونك؟
الإسلام جاء ليقول لنا: ليست الرجولة أن تكون كبير الجسد، وإنما أن تكون كبير المسؤولية. وليست الرجولة أن ينتصر الإنسان على الناس، وإنما أن ينتصر على نفسه. وليست الرجولة أن ترفع صوتك، وإنما أن ترفع الحق. وليست الرجولة أن تأخذ حقوقك فقط، وإنما أن تؤدي حقوق الآخرين.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (23سورة الأحزاب).
تأملوا الكلمة: (رجال). ثم بيّن الله صفتهم: ﴿صَدَقُوا﴾. فالرجولة في القرآن ليست شكلًا، وإنما صدقٌ وثباتٌ ووفاء. قد تقول: أنا رجل! فنسألك: هل تستطيع أن تتحمل مسؤولية قراراتك؟ هل تستطيع أن تقول: أخطأت؟ هل تستطيع أن تعتذر لمن ظلمته؟ هل تستطيع أن تقول لأصحابك: لا، هذا حرام؟ هل تستطيع أن تترك معصية وأنت قادر عليها؟ هل تستطيع أن تحافظ على صلاتك عندما لا يراقبك أحد؟ هل تستطيع أن تكون مستقيمًا عندما تكون الاستقامة مكلفة؟ هنا تبدأ الرجولة.
فالرجولة ليست أن تقول: “أنا حر، أفعل ما أشاء”. بل أن تقول: “أنا عبد لله، ولذلك أختار ما يرضيه”.
عمر بن الخطاب.. رجل صنعتْه المسؤولية
انظروا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كان قويًا، نعم. وكان شديدًا، نعم. لكن قوته لم تكن طيشًا، لأنه كان يرى أن القوة تكليف. وحين أصبح خليفة للمسلمين، لم يرَ الخلافة تاجًا فوق رأسه، بل أمانة ثقيلة على كتفيه. وكان يقول: لو عثرت بغلة في العراق، لخشيت أن يسألني الله عنها: لمَ لمْ تمهد لها الطريق؟ هذا هو معنى المسؤولية. ليست الرجولة أن تقول: “أنا المسؤول!” ثم تبحث عن المجد. الرجولة أن تقول: “أنا المسؤول، ولذلك سأُسأل أمام الله”.
أبو بكر.. الرجولة عند الأزمات
لما توفي رسول الله ﷺ واضطرب الناس، وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه موقفًا عظيمًا. كان حزينًا، وكانت الأمة مضطربة، لكن الرجل عندما تكون الأمة بحاجة إلى ثباته لا يجعل مشاعره تقوده. ثبت، وتكلم، وأعاد الناس إلى الحق.
وهنا درس لنا جميعًا: ليس الرجل من لا يخاف، وإنما الرجل من لا يجعل الخوف يمنعه من أداء واجبه.
قد تخاف. قد تتردد. قد تمر بوقت صعب. لكن لا تجعل خوفك عذرًا للهروب من المسؤولية. الرجولة أن تملك نفسك، هناك معركة يومية أخطر من كثير من المعارك وأفتك. إنها معركة الإنسان مع نفسه. غضبك… شهواتك… لسانك… نظراتك… أصدقاؤك… هاتفك… رغبتك في أن يصفق لك الناس… كلها اختبارات. ولهذا قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
فإذا أغضبك أحد، هل تستطيع أن تضبط نفسك؟ إذا استفزك شخص، هل تستطيع أن لا تظلمه؟ إذا استطعت أن تنتقم، هل تستطيع أن تعفو؟ إذا أخطأت، هل تستطيع أن تعترف؟ هنا تكمن القوة وتظهر معانيها الحقيقية. أما أن تكسر شيئًا، أو تجرح إنسانًا، أو تصرخ في وجه الناس، ثم تقول: “أنا رجل!” فهذا ليس قوة. هذا عجز عن إدارة النفس.
يوسف عليه السلام.. رجولة أمام الشهوة
من أعظم المواقف التي تعلمنا معنى الرجولة موقف يوسف عليه السلام. شاب، وفي مقتبل العمر، أمام فتنة قوية، والأبواب مغلقة. وكان يستطيع أن يقول: لن يراني أحد. لكن الرجل الحقيقي لا يسأل: هل يراني الناس؟ بل يسأل: هل يراني الله؟ وهنا كانت العبارة العظيمة: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ كلمتان، لكنّ خلفهما رجلًا كاملًا. كان يستطيع أن يستسلم، لكنه اختار الله.
رجل في بيته
إذا تزوجت يومًا، تذكر أن الزواج ليس ميدانًا لإثبات من الأقوى. زوجتك ليست خصمًا. وأولادك ليسوا جمهورًا لتستعرض أمامهم قوتك. قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
فالرجل الحقيقي هو الذي يكون بيته مكانًا للأمان. إذا عاد إلى بيته، شعر أهله بالطمأنينة. لا بالخوف. ليس الرجل من يجعل زوجته تحسب ألف حساب قبل أن تتحدث. ولا من يجعل أبناءه يختبئون عندما يسمعون صوته. الرجل رجلٌ في أخلاقه قبل أن يكون رجلًا في جسده. الرجولة أن تكون سندًا. رجل على والديه. ستكبر. وسيتقدم بك العمر. وسيأتي يوم يصبح فيه والدك كبيرًا في السن. وأمك تحتاج إلى من يخدمها. وأسرتك تحتاج إلى من يحمل عنها. وسيأتي يوم يقول فيه أبناؤك: أبي، نحتاجك. وهنا ستعرف معنى الرجولة.
ليست الرجولة أن تبحث دائمًا عمن يخدمك. بل أن تصبح أنت شخصًا يستطيع الآخرون الاعتماد عليه. أن تقول إذا ضاقت الدنيا على أهلك: أنا موجود. إذا احتاجك والدك: إذا احتاجتك أمك: إذا احتاجتك زوجتك: إذا احتاجك أولادك: تقول: أنا موجود. هذه الكلمة الصغيرة: أنا موجود. قد تكون عند الله أعظم من ألف كلمة عن الرجولة. الرجولة ليست في تقليد الآخرين فلا تسمح للعالم أن يكتب لك تعريف الرجولة. لا تجعل مواقع التواصل تقول لك: الرجل يجب أن يكون هكذا! ولا تجعل أصحابك يقررون لك ماذا تفعل. ولا تجعل الموضة، أو الشهرة، أو التقليعات، أو ضغط الأصدقاء، تصنع شخصيتك.
الرجل يعرف من هو، يعرف دينه، ويعرف قيّمه، ويعرف حدوده، ويعرف إلى أين يريد أن يصل. وقد يقف وحده إذا كان الجميع يسيرون في الاتجاه الخطأ. ليس عيبًا أن تكون مختلفًا عن أصحابك إذا كنت على الحق.
وأخيرًا..
كم مجتمعنا وأسرنا وشوارعنا ومدارسنا بحاجة إلى رجال حقيقيين. ولنذكر أنفسنا دائمًا: الرجولة ليست أن تكون أقوى من غيرك… الرجولة أن تكون أقوى من شهواتك. وليست أن تفرض رأيك… بل أن تتحمل مسؤولية رأيك. وليست أن يأخذ الناس حذَرهم منك… بل أن يأمن الناس جانبك. وليست أن تقول: أنا رجل. بل أن يأتي يوم يقول فيه الناس عنك: هذا رجل. رجلٌ إذا تكلم صدق. وإذا وعد وفى. وإذا حمل الأمانة لم يخن. وإذا جاءت الشدة ثبت. وإذا جاءت الفتنة استعصم بالله. وإذا احتاجه أهله كان أول الحاضرين. وإذا وقف بين يدي الله، وقف بقلبٍ يقول: يا رب، حاولت أن أكون الرجل الذي تحبه. اللهم اصنع من شبابنا رجالًا صالحين، لا تهزهم الفتن، ولا تستهويهم الشهوات، ولا تقودهم الأهواء. اللهم ارزقهم قوةً في الحق، ورحمةً في التعامل، وحكمةً في المواقف، وعفةً عند الفتن، وبرًا بالوالدين، وإحسانًا إلى الأهل، وثباتًا على الدين. اللهم اجعلهم رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
