العقل والتفكر: تكريم إلهي ومسؤولية تربوية

د. إيهاب الشيخ خليل
كرّم الله الإنسان بعقله وجعل التفكير طريقًا إلى المعرفة والإيمان معًا… ولقد ذكر في القرآن الكريم النداء إلى العقل والتدبر والتفكّر وكأن الإنسان لا يبلغ حقيقة وجوده حين يكتفي بالنظر إلى الأشياء إنما عندما يسأل عن معناها ويتأمل ما وراء ظاهرها!! فالوعي في جوهره انتقال من الرؤية للبصر!! ومن السمع للفهم!! ومن المعرفة للتمييز، لذلك لا ينبغي أن نتردد أو نخاف من أسئلة أولادنا، خاصة أن السؤال الصادق لن يكون خصمًا للإيمان بقدر ما يكون طريقًا إليه! فالعقل الذي يتساءل بحثًا عن الحقيقة خير من عقل يردد ما يسمعه دون أن يعرف لماذا يؤمن به!! قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وفي هذا تكريم ومسؤولية للعقل لأنَّ الإنسان منح العقل ليزن ويميز ويبحث!!!
حين تصبح القيم بوصلة:
إنَّ بناء العقل وحده لا يكفي فقد يكون الإنسان شديد الذكاء ضعيف الضمير وقد يعرف الصواب ثم يختار نقيضه ولهذا يحتاج الوعي إلى قلب تربّى على الرحمة… وضمير يعرف المسؤولية… وقيم تمنح المعرفة معناها… ويلتقي البعد التربوي بالبعد الديني فغاية التربية ليست أن نصنع إنسانًا ناجحًا فحسب وإنما أن نصنع إنسانًا صالحًا يعرف أن نجاحه لا يكتمل إذا كان على حساب الآخرين… فحريته تنتهي حين تبدأ كرامة غيره وكما نعلم ونؤمن في ذلك، فالقوة الحقيقية تكون في القدرة على ضبط النفس حين يستطيع الإنسان أن يؤذي ولا يفعل ذلكّ!!
معرفة الذات:
يبدأ الوعي من معرفة الإنسان لنفسه فالذي لا يعرف ذاته يسهل أن يصنع الآخرون له صورة عنها فيصبح أسيرًا لمدحهم وخائفًا من رفضهم… ويقيس قيمته بعدد من يعجبون به!!! والتربية تقول للناشئ: إن قيمتك لا يمنحك إياها الناس ولا تسلبها منك كلماتهم لأن الإنسان مكرَّم قبل أن يصفق له أحد… قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ومن أدرك معنى هذا التكريم لم يحتاج إلى أن يهين غيره ليشعر بقيمته ولم يبع مبادئه ليحصل على قبول الآخرين…
من الرقابة الخارجية إلى الحارس الداخلي:
وفي عصر أصبحت فيه الشاشة شريكًا في تربية أبنائنا لم يعد ممكنًا أن نبني الوعي بالمنع وحده!! فالأفكار والصور والأخبار تدخل إليهم من أبواب كثيرة وكما نعرف ونعلم ذلك… والتحدي الحقيقي ليس أن نغلق كل الأبواب ونتكتف بل نبني في داخل الإنسان حارسًا يسأله قبل أن يصدق… ويقلد… ويحكم: هل هذا حق؟ هل هذا خير؟ هل ينسجم مع قيمي؟ وهل أقبل أن أتحمل مسؤوليته أمام نفسي وأمام الناس وأمام الله؟ فالرقابة التي تأتي من الخارج تنتهي بغياب الرقيب… أما الوعي فهو رقابة تولد في الداخل ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه التربية لأبنائنا أن تجعلهم صالحين أمام أعيننا… وتمنحهم مناعة أخلاقية تجعلهم قادرين على اختيار الصواب حين لا يراهم أحد!
وتبدأ من ذلك “فلسفة بناء الجيل الواعي”: فالوعي ليس أن نحشو العقول بالأجوبة بقدر ايقاظ الأسئلة فيها… ونساعد أبناءنا على اكتشاف ذواتهم في ضوء الحق والخير وتقوم تربيهم على الشجاعة في الاعتراف به وتصحيحه… فالطفل الذي نقرر عنه كل شيء يطيعنا اليوم ويقف عاجزًا حين يغيب صوتنا!! أما الطفل الذي نعلمه كيف يفكر؟ وكيف يختار؟ وكيف يعود إلى ضميره وقيمه؟ فإنه يحمل معه شيئًا منا حتى حين نغيب عنه! لذلك نجد أن التربية في معناها الأعمق: أن نربي أبناءنا حتى يأتي اليوم الذي لا يحتاجون فيه إلى وجودنا كي يختاروا الخير لأننا أيقظنا الرقيب في دواخلهم.
قصة قصيرة للجيل الحرج الحارس الذي في الداخل
كان عمر في السادسة عشرة حين وصلته الصورة…
أرسلها أحد أصدقائه في مجموعة الصف… وكتب تحتها: “انشرها بسرعة قبل أن يحذفها صاحبها”!!
انهالت الوجوه الضاحكة والتعليقات… وبدأت الصورة تنتقل من هاتف إلى آخر…
كانت لطالب يعرفه عمر جيدًا! لم تكن الصورة مخلة لكنها التقطت في لحظة محرجة… وكان واضحًا أن نشرها سيجعله موضع سخرية المدرسة كلها!…
وضع عمر إصبعه على زر الإرسال…
كان يستطيع خلال ثانية واحدة أن يرسلها إلى مجموعتين أخريين… ولن يعرف أحد أنه فعل ذلك…
كتب له صديقه: “ماذا تنتظر؟ أرسلها!…
ابتسم عمر في البداية ثم توقف…
لم يكن أبوه بجانبه… ولم تكن أمه تعرف ما الذي يحدث!! ولم يكن المعلم يراقب هاتفه…
كان وحده تمامًا!!…
وهنا شعر بشيء غريب: لأول مرة أدرك أن أصعب الامتحانات ليست تلك التي يجلس فيها المعلم أمامك!! بل تلك التي لا يراك فيها أحد…
نظر إلى الصورة مرة أخرى، وسأل نفسه: “لو كنت أنا مكانه: هل أقبل أن يضحك الجميع عليّ؟”…
ثم خطر له سؤال آخر: “هل أفعلها فقط حتى أكون مثلهم؟ ومن أكون أنا فعلًا حين لا يراني أحد؟”…
تذكر قولًا كان يسمعه كثيرًا ولم يفهمه من قبل: “عامل الناس كما تحب أن يعاملوك”
حذف الصورة…
كتب له صديقه فورًا: “يعني ما أرسلتها؟”
قال عمر: “لا”
جاءه الرد ساخرًا: “شو القصة؟ صرت شيخ فجأة؟”
نظر عمر إلى الجملة… وشعر للحظة أنه يريد أن يبرر موقفه… ثم كتب: “لا… بس ما بدي أضحك اليوم على شيء ممكن أبكي عليه بكرة لو صار معي”…
مرت دقائق… ثم وصلت إليه رسالة خاصة من صاحب الصورة… فتحها مترددًا…
كتب زميله: “شفت الصورة؟”
أجاب عمر: “آه”
ظهرت علامة أن الطرف الآخر يكتب… ثم اختفت… وعادت بعد لحظات….
“كنت قلق من وصولها لكل المدرسة… كل ما أشوف حدا ماسك تلفونه بحس إنه بضحك عليّ”!.
توقف عمر عند الجملة…
ثم وصلت رسالة أخرى:
“عرفت إنك ما نشرتها… شكرًا لك…
ظل عمر ممسكًا بالهاتف دون أن يكتب شيئًا… لم تعد الصورة أمامه مجرد لقطة مضحكة كما بدت قبل دقائق… أصبح يرى خلفها إنسانًا يجلس في مكان ما… يراقب هاتفه بخوف ويتساءل كم شخصًا يضحك عليه الآن…
كتب أخيرًا: “ولا يهمك… وأنا حذفتها”!.
جاءه الرد: “شكرًا يا عمر… عنجد”.
أغلق عمر هاتفه ولم يشعر أنه فعل بطولة، لكنه شعر بشيء أكبر من ذلك! فهم أن ضغطة صغيرة على شاشة قد لا تعني له أكثر من لحظة ضحك… لكنها قد تبقى في قلب شخص آخر طويلًا….
وفي تلك الليلة فتح مذكراته الخاصة وكتب:
اليوم اخترت أن أكون أنا… لا نسخة من ضحكاتهم.
وفهم معنى لم تعلمه له الكتب: أن الضمير هو أن تختار الصواب حين يكون الخطأ سهلًا وحين لا يراك أحد إلا الله.
وبعد أسابيع وصلته إشاعة عن أحد زملائه… وكتب له صديقه:
“وصلتك؟ ابعثها للشباب”.
قرأ عمر الرسالة، ثم كتب:
لا… ما بدي أكون سبب بجرح حدا
وأغلق هاتفه بهدوء
هذه المرة لم يحتج إلى وقت طويل ليتخذ قراره فقد أصبح في داخله حارس يعرف متى يقول: لا!!.
