هل عقوبات بريطانيا على إسرائيل مجرد إدانة بلا ضغط؟

أحمد سليمان
بريطانيا وعشر دول أوروبية تفرض عقوبات على إسرائيل، وتعتبر أن ما يجري في الضفة الغربية المحتلة يندرج ضمن التطهير العرقي. كما خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتصريح مشابه، قائلًا إنه “لا حماس في الضفة الغربية”، في إشارة إلى أن ما يجري فيها لا يمكن تبريره بذريعة محاربة حماس، التي شنت إسرائيل حربها على غزة بحجة القضاء عليها.
فيخرج نتنياهو ليرد عليه بأن يهوديًا قُتل في الضفة الغربية في اليوم السابق، في إشارة إلى العملية التي وقعت، محاولًا تمرير سردية توحي بأن كل من يُستهدف في الضفة الغربية ينتمي، حكمًا، إلى حماس! وهذا يعكس استخفافًا وتعاليًا يتقنهما نتنياهو في الالتفاف على عقول المستمعين وتوجيه النقاش بعيدًا عن جوهر ما يجري على الأرض.
ففي عالم تحكمه موازين القوة، تصبح اللغة أداة لطمس الحقيقة بدلًا من كشفها، وتتحول الدبلوماسية إلى مسرحية عبثية يتبادل فيها الأقوياء أدوار البطولة الوهمية لتبرير العنف الممنهج.
ومن المؤكد أن هذه العقوبات لا ترقى، حتى الآن، إلى مستوى التأثير الفعلي في السياسات الإسرائيلية. فإذا نظرنا إلى الواقع على الأرض، نجد أن الاستيطان مستمر، وبناء البؤر الاستيطانية يمضي قدمًا، وسرقة مواشي الفلسطينيين لم تتوقف، كما لم تتوقف الاعتداءات التي تتم تحت حماية الجيش الإسرائيلي، الذي يصفه بعض الخطاب الرسمي الإسرائيلي بأنه “الأكثر إنسانية على الكوكب”. إذن، فإن كل ما يجري من استنكار وفرض للعقوبات، وهو أمر يمكن الترحيب به من حيث المبدأ، يبقى دون تأثير فعلي يغير الواقع على الأرض.
إن هذه العقوبات الناعمة ليست، في جوهرها، سوى محاولة لـ “تطهير الضمير الغربي”، فهي تمنح صانعي القرار شعورًا بأنهم أدوا واجبهم الأخلاقي أمام شعوبهم، بينما تترك الضحية تواجه مصيرها وحيدة. فالتنديد الذي لا يرافقه فعل رادع يظل عاجزًا عن إحداث التغيير، وقد يتحول، في نهاية المطاف، إلى غطاء سياسي لاستمرار الواقع القائم.
وما زالت دول غربية عديدة تتعامل مع هذه الحقيقة بقدر كبير من العجز عن المواجهة، مواجهة آلة الإعلام الإسرائيلية، ومواجهة شبكة المصالح والتحالفات التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، التي استخدمت حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن مرارًا عندما تعلق الأمر بإسرائيل. وهذا العجز الدولي ليس عجزًا قانونيًا، بقدر ما هو نتيجة لغياب التوافق السياسي وتغليب المصالح.
كما أن أجهزة الاستخبارات في هذه الدول تعتمد بدرجات مختلفة على التعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية، التي تمثل شريكًا أمنيًا مهمًا للعديد من الدول الغربية في المنطقة. وهذه العلاقة تكشف، بدورها، عن مفارقة تاريخية لافتة، إذ إن بعض القوى التي كانت حليفة للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفييتي خلال الحرب في أفغانستان، تحولت لاحقًا إلى خصم وعدو في الخطاب والسياسات الغربية بعد انتهاء تلك المرحلة وتغير المصالح والأولويات.
ولذلك نرى أن من أوائل الدول التي رفعت صوتها بشأن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، واتخذت مواقف أكثر حدة تجاه ما يجري في غزة والضفة الغربية المحتلة، دولًا لا تتحرك بالضرورة ضمن الاصطفافات الجيوسياسية الغربية التقليدية، مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا وأيرلندا، وغيرها من الدول التي تمتلك تأثيرًا أقل في موازين القوى الدولية.
إن الدول، في نهاية المطاف، مؤسسات يقودها أشخاص، وما ينطبق على الأشخاص من حيث تأثير المصالح والحسابات السياسية ينطبق، بدرجات مختلفة، على الدول أيضًا؛ تقودها مصالحها، وتراعي موازين القوى، وقد تخضع لضغوط الحلفاء، ولو كان ذلك أحيانًا على حساب ما ترفعه من شعارات ومبادئ.
فالأخلاق في قاموس الإمبراطوريات المهيمنة ليست دائمًا قيمًا مطلقة، بل قد تتحول إلى سلع تُعرض في مزاد المصالح؛ تُرفع حين تخدم الهيمنة، وتُداس وتُنسى حين تتعارض معها.
وختامًا، يبقى السؤال: هل تتحول المواقف الغربية المتزايدة انتقادًا لإسرائيل إلى أدوات ضغط حقيقية، أم ستبقى في حدود الخطاب السياسي الذي لا يغير شيئًا جوهريًا في موازين القوى على الأرض؟
لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال بيقين كامل، لكن التجربة التاريخية وطبيعة النظام الدولي وموازين القوى التي تحكم العلاقات بين الدول تجعل من الصعب تجاهل الطابع السلبي الغالب على هذه المواقف، ما لم تنتقل من مستوى الإدانة والخطاب السياسي إلى إجراءات قادرة على إحداث أثر ملموس في الواقع.
