أخبار وتقاريرالقدس والأقصى

تصعيد في اقتحامات الأقصى خلال الأعياد اليهودية.. أكثر من 11 ألف مستوطن وطقوس علنية

شهد المسجد الأقصى المبارك، على مدى ثلاثة أسابيع بالتزامن مع موسم الأعياد اليهودية، تصعيدًا لافتًا في اقتحامات المستوطنين، التي تجاوزت الدخول عبر المسارات التي فرضها الاحتلال منذ عام 2003، لتشمل صلوات وطقوسًا جماعية وترانيم ورقصًا، إلى جانب إدخال أدوات وقرابين مرتبطة بالأعياد اليهودية.

وفي المقابل، شددت سلطات الاحتلال القيود المفروضة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد، وأبعدت مئات المصلين عنه، في ظل حضور مكثف لقوات الاحتلال داخل المسجد ومحيطه.

وبحسب معطيات محافظة القدس، تجاوز عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى خلال موسم الأعياد، الممتد من منتصف سبتمبر/أيلول وحتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول، 11 ألفًا و300 مستوطن، بالتزامن مع تصاعد أداء الطقوس الدينية داخل باحاته.

اقتحامات منظمة تحت حماية الاحتلال

تُنظم اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، الذي تتولى إدارته دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، تحت حماية شرطة الاحتلال.

وبدأت هذه الاقتحامات بصورة منتظمة عام 2003 عبر باب المغاربة، الذي استولى الاحتلال على مفاتيحه عقب احتلال القدس عام 1967، وتُنفذ عادة على فترتين قبل الظهر وبعده، من الأحد إلى الخميس.

ووفق رصد مركز معلومات وادي حلوة الحقوقي في القدس، يسلك معظم المستوطنين مسارًا يبدأ من باب المغاربة، في أقصى جنوب السور الغربي، ويمر عبر الأروقة الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية، وصولًا إلى باب السلسلة في منتصف الجدار الغربي.

كما تسلك أعداد محدودة مسارًا أقصر بين باب المغاربة وباب السلسلة، بما يتيح إدخال أعداد أكبر خلال فترة الاقتحام.

وتستمر الاقتحامات لنحو ست ساعات ونصف، عبر مجموعات متتالية يتراوح عدد أفراد المجموعة الواحدة بين 70 و120 مقتحمًا، مع السماح بوجود أربع مجموعات في الوقت نفسه داخل المسجد وفي مناطق مختلفة منه.

أكثر من 11 ألف مستوطن خلال موسم الأعياد

تزامنت الاقتحامات مع ثلاثة أعياد يهودية رئيسية، هي رأس السنة العبرية ويوم الغفران وعيد العرش، الذي سجل العدد الأكبر من المقتحمين.

وخلال يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول، اقتحم 593 مستوطنًا المسجد الأقصى في رأس السنة العبرية.

وفي يومي 21 و22 سبتمبر/أيلول، اقتحم 1678 مستوطنًا المسجد خلال عيد الغفران “كيبور”.

أما عيد العرش، الذي بدأ في 26 سبتمبر/أيلول ويستمر حتى 2 أكتوبر/تشرين الأول، فسجل التصعيد الأكبر، إذ بلغ عدد المقتحمين خلاله 9123 مستوطنًا، مقارنة بـ7119 مستوطنًا خلال العيد نفسه العام الماضي.

وبذلك تجاوز إجمالي المقتحمين خلال موسم الأعياد، حتى مساء الخميس، 11 ألفًا و300 مستوطن، وفق بيانات محافظة القدس.

صلوات وطقوس وقرابين داخل الأقصى

ولم تقتصر الممارسات على التجول في باحات المسجد، إذ شهدت الاقتحامات أداء صلوات وطقوس دينية بصورة علنية وجماعية، بمشاركة وزراء وحاخامات ومسؤولين إسرائيليين، بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وموشيه فيغلن زعيم حزب “الهوية”، والحاخام يهودا غليك.

ووثق مركز معلومات وادي حلوة ومحافظة القدس أداء صلوات وطقوس علنية منذ دخول المستوطنين إلى المسجد، بعدما كانت هذه الممارسات تتركز بصورة أكبر في المنطقة الشرقية.

كما شهدت الباحات حلقات للرقص والغناء والترانيم، وظهر مستوطنون يحملون كتبًا وأوراق صلاة، ويرتدون ملابس دينية وقمصانًا تحمل صورًا وشعارات مرتبطة بما يسمى “الهيكل”.

وامتدت الممارسات إلى إدخال القرابين النباتية المرتبطة بطقوس عيد العرش، وهي الإتروج وسعفة النخيل وغصن الآس الأخضر وأغصان الصفصاف، حيث وُضعت هذه الأدوات على حجارة المسجد في المنطقة الشرقية إلى جانب كتب وأوراق الصلاة.

كما أُدخل “التفلين”، وهي صناديق صغيرة خاصة بالصلاة تُربط على اليد أو الرأس، فيما استُخدم البوق “الشوفار” خلال رأس السنة العبرية.

وفي المقابل، فرض الاحتلال قيودًا على دخول المسلمين إلى المسجد، وصدرت تعليمات لبعض المصلين بعدم العودة إلى الأقصى عقب صلاة الفجر قبل الساعة الثالثة والنصف عصرًا، بالتزامن مع انتهاء فترة الاقتحامات المسائية.

المنطقة الشرقية تتحول إلى موقع للطقوس

برزت المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى بصورة خاصة خلال التطورات الأخيرة، إذ يرى مركز معلومات وادي حلوة أن الممارسات التي تشهدها تتجاوز المرور العابر ضمن مسار الاقتحام، وتتجه نحو تكريس وجود ديني ثابت داخل المسجد.

وبحسب المركز، امتدت الصلوات والجلوس من المنطقة الشرقية إلى طول مسار الاقتحام والمصاطب وبعض المناطق المشجرة، وصولًا إلى محيط مصلى باب الرحمة.

وشهدت المنطقة الشرقية صلوات وطقوسًا جماعية للمستوطنين، مع المكوث فيها لفترات طويلة وأداء السجود والصلوات العلنية.

كما أقيمت على مصاطب المسجد حلقات ودروس توراتية، في مشهد يتجاوز أداء الشعائر إلى تكريس حضور ديني يهودي داخل المسجد.

إجراءات تمتد إلى محيط المسجد

وامتدت الإجراءات إلى محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، حيث شهدت المنطقة صلوات جماعية للمستوطنين عند أبواب المسجد وفي محيطه، مع تركز أعداد كبيرة منهم في منطقة باب السلسلة ومحيط حائط البراق.

كما أقيمت مراسم “بركة الكهنة” في ساحة حائط البراق، بمشاركة أكثر من 50 ألف مستوطن، بالتزامن مع انتشار واسع لقوات الاحتلال عند أبواب المسجد ومداخل البلدة القديمة.

وفرضت قوات الاحتلال سواتر حديدية وحواجز، ومنعت فلسطينيين من الوجود أو الوقوف في عدد من النقاط المحيطة بالمسجد الأقصى.

أكثر من 900 فلسطيني مُنعوا من دخول الأقصى

وفي مقابل تصاعد أعداد المستوطنين، اتسعت القيود المفروضة على الفلسطينيين.

ومنذ بداية عام 2026، تجاوز عدد المصلين الفلسطينيين الذين مُنعوا من دخول المسجد الأقصى 900 شخص، معظمهم من الشباب والشخصيات المؤثرة والمواظبة على الصلاة في المسجد.

كما لاحقت سلطات الاحتلال مصلين عُرفوا بالتكبير داخل الأقصى، وفرضت عليهم قرارات إبعاد وعقوبات.

وتعود إحدى خلفيات هذا الفراغ البشري إلى حظر الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر منذ عام 2015، بعدما كانت تنظم رحلات بالحافلات وتنقل آلاف المصلين إلى المسجد الأقصى.

وخلال موسم الأعياد الأخير، شددت قوات الاحتلال إجراءاتها عند مداخل المسجد والبلدة القديمة، ومنعت فئات عمرية مختلفة من الوصول إلى الأقصى، كما فرضت على من سُمح لهم بالدخول أماكن محددة للجلوس داخل المصليات المسقوفة، في وقت بقيت فيه أجزاء أخرى من المسجد مفتوحة أمام المستوطنين.

وتأتي هذه الإجراءات ضمن سياق أوسع من التصعيد في القدس، إذ وثقت محافظة القدس خلال الربع الثالث من عام 2026 اقتحام 27 ألفًا و830 مستوطنًا للمسجد الأقصى، إلى جانب 357 حالة اعتقال و73 قرار إبعاد، معظمها عن المسجد، و139 عملية هدم وتجريف، فضلًا عن 140 اعتداء نفذه مستوطنون.

تضييق على الفلسطينيين مقابل تسهيل اقتحامات المستوطنين

وتزامن هذه الإجراءات يعكس تغيرًا واضحًا في المشهد داخل المسجد خلال موسم الأعياد، إذ فُرضت قيود على دخول الفلسطينيين، مقابل تسهيل منظم لدخول مجموعات المستوطنين.

ففي الوقت الذي مُنعت فيه فئات من المصلين من الوصول، وحددت أماكن جلوس آخرين، أُبقيت مساحات واسعة من المسجد متاحة للمقتحمين، الذين أدوا صلوات وترانيم وطقوسًا جماعية، وأدخلوا أدوات وقرابين مرتبطة بأعيادهم.

وبحسب محافظة القدس، لم يقتصر التصعيد على زيادة أعداد المقتحمين، بل شمل توسيع نطاق الممارسات الدينية داخل الأقصى، بما في ذلك الصلوات الجماعية والسجود والنفخ في “الشوفار”، وإدخال كتب الصلاة والأدوات والقرابين، بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست وحاخامات وقيادات من جماعات “الهيكل”.

غياب التغطية الفلسطينية من داخل المسجد

ومن الجوانب التي رصدها التقرير خلال اقتحامات هذا العام، غياب الصورة الفلسطينية من داخل المسجد الأقصى.

فقد مُنع صحفيون وناشطون من دخول المسجد، كما أُبعد موظفون من دائرة الأوقاف الإسلامية، ما أدى إلى تراجع الحضور الفلسطيني في توثيق ما يجري داخل المكان.

وبذلك أصبحت صور الاقتحامات والطقوس تُنشر في الغالب من جانب المستوطنين أو الجهات المرتبطة بهم، في حين غابت التغطية الفلسطينية المباشرة من داخل المسجد.

دعوات إسلامية للتحرك

وعلى المستوى العربي والإسلامي، اقتصرت ردود الفعل التي رصدها التقرير بدرجة كبيرة على بيانات الاستنكار والتنديد.

ودعت مؤسسة القدس الدولية إلى اعتبار الجمعة “يوم غضب ونصرة للمسجد الأقصى” داخل فلسطين وخارجها، وحثت أهالي القدس والضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948 على تكثيف شد الرحال إلى المسجد.

كما دعت المؤسسة الزعماء العرب والمسلمين إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه المسجد الأقصى، ودعم صمود الفلسطينيين المرابطين في فلسطين.

ووجهت المؤسسة دعوة خاصة إلى الأردن لاتخاذ إجراءات عملية ومؤثرة في مواجهة ما تعتبره مساعي الاحتلال إلى تقويض الوضع التاريخي القائم في المسجد الأقصى، وإقصاء دائرة الأوقاف الإسلامية وإنهاء الدور الأردني في إدارة شؤونه.

تصعيد يتجاوز أعداد المقتحمين

وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن التصعيد في المسجد الأقصى لا يرتبط فقط بأعداد المستوطنين الذين يدخلون باحاته، وإنما أيضًا بطبيعة الممارسات التي ترافق هذه الاقتحامات.

فخلال موسم الأعياد الحالي، تزامنت زيادة أعداد المقتحمين مع أداء صلوات وطقوس جماعية وعلنية، وإدخال أدوات وقرابين دينية، وإقامة حلقات توراتية، والمكوث في المنطقة الشرقية ومناطق أخرى من المسجد، في وقت فُرضت فيه قيود متزايدة على المصلين الفلسطينيين ومُنع المئات منهم من الوصول إليه.

ويأتي ذلك بالتوازي مع تشديد القيود على الحضور الفلسطيني داخل المسجد، ما جعل موسم الأعياد الأخير يشهد كثافة لافتة في أعداد المقتحمين وطبيعة الممارسات التي رافقت وجودهم في باحات الأقصى.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى