من فضائح الفتن
الشيخ رائد صلاح
الأساس في هذه الدنيا هو ربح الدين، ومن ربح دينه ربح مرضاة ربه، ومن ربح مرضاة ربه ربح دنياه كما يحب الله تعالى له ويرضى، وربح الصمود في أرضه وبيته وخدمة مجتمعه والتمسك بكل ثوابته والالتزام بها في كل أبعادها الإسلامية العروبية الفلسطينية، ومن ربح مرضاة ربه ربح آخرته وكان من الفائزين الرابحين، ولذلك، فقد صدق من قال: (حِفظُ الدين هو الربح). فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة فتنة، ثم قال أبو موسى رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده، ما لي وما لكم منها مخرج، إن أدركناها فيما عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم، إلا أن نخرج منها كما دخلناها ولا نُحْدِثُ فيها شيئًا).
فهي الفتن لا بد واقعة، والمطلوب النجاة منها، وبدء النجاة بعدم الانخراط فيها، وعدم الارتباط بها، وعدم ربط مصيرنا بها، بل المطلوب هو الحذر منها ومن منزلقاتها وآفاتها وأخطارها. ولأنها فتن، فلها فضائح قد تخفى على بعض الناس، ولكنها لا تخفى على الجميع! وإن من فضائحها أن يُستدرج المفتون إلى أكل المال الحرام، وإراقة دم أخيه، وعصيان ربه! وقد يقوده كل ذلك إلى الكفر بخالقه. وفي ذلك ورد تحذير شديد اللهجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحذّر من فتن كقطع الليل المظلم: {… فإن الرجل يكون في فئة الإسلام، فيأكل مال أخيه، ويسفك دمه، ويعصي ربه ويكفر بخالقه، وتجب له النار}، فهو خط الانحراف في الفتن؛ يبدأ من ذنب أكل المال الحرام الذي قد يكون مصدره صناديق مانحة عربية أو أوروبية أو أمريكية، ثم ينمو هذا الذنب في أجواء الفتن، ويتفاقم وينتقل من أكل المال الحرام إلى سفك الدم الحرام، ومن سفك الدم الحرام إلى الاستهانة بمعصية الله تعالى في كل شيء. وقد يقود كل ذلك، بعد ذلك، إلى الكفر بالخالق، وعندها ستكون العاقبة الحقيقية ليست مجرد لعاعات من الدنيا بل {… وتجب له النار}. ويا له من خسران مبين تضيع في مقابله كل الأرباح الموهومة، سواء كانت ربح مال، أو ربح منصب، أو ربح وجاهة، أو ربح أضواء إعلامية، أو ربح إعجاب وتصفيق وهتافات!!
وإن من فضائح الفتن، أنّ عِرض الأخ يهون على أخيه فيوغل في عِرضه تمزيقًا وتجريحًا وتشهيرًا موهمًا نفسه، وهو الغارق في الفتن، أن كل ما يقوم به هو طاعة لله تعالى. فعن الحسن: كان يقول في هذا الحديث: {يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا} كان يقول: يصبح محرِّمًا لدم أخيه وعرضه وماله ويمسي مستحلًّا له)! فيا لدنيا المفتونين ما أتعسها وما أشقاها وما أرخصها، فإن كل هدف في حيصات الفتن لو بلغ بالمفتون القمر على حساب استحلال عِرض أخيه، فهو هدف دون التراب والقصدير واللعاب! وأي هدف هذا الذي قد يدفع المفتون أن يستنجد ببوق إعلامي جاهلي كان قد افترى على أخيه، فيأخذ بافتراءات هذا البوق، ويصنع منها سهامًا حادة يرمي بها عِرض أخيه وهو يظن أنه قد أرجع الأندلس إلى نضارة حضارتها بهذا العمل المشين!!
وإن من فضائح الفتن أن يصبح همُّ المفتون أن يعيّر أخاه بلا حدود، لدرجة أنه قد يعيّره بصلاته، وقد يقول له مصرًا على قوله عن سبق إصرار: هي صلاة لم يُبتَغ بها وجه الله تعالى!! فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ستكون فتن يفارق الرجل فيها أباه وأخاه، تطير الفتنة في قلوب رجال منهم إلى يوم القيامة، حتى يُعيّر الرجل فيها بصلاته كما تعيّر الزانية بزناها} – رواه نعيم بن حماد والطبراني. فيا لضراوة الفتن إذا استحكمت! فقد تتحول إلى فتن موروثة إلى يوم القيامة، ينقلها جيل من جيل سابق إلى جيل لاحق بلا توقف. وقد تفرض هذه الفتن على المفتون أن يفارق أباه وأخاه وهو يظن، واهمًا، أن كل ذلك من باب التضحية في سبيل الله تعالى! وقد يندفع هذا المفتون اندفاعة متهورة لا حدود لتهورها؛ فيعيّر هذا بصلاته لأنه يطيل الصلاة، ويعيّر هذا بعلمه لأن علمه أوسع بكثير من علم المفتون، ويعيّر هذا بشهاداته لأن شهاداته أرقى منزلة وأكثر درجات من شهادات المفتون، ويعيّر هذا بمسؤوليته لأن مسؤوليته أثقل من مسؤولية المفتون، وهكذا قد يدخل المفتون في متاهة (حيص بيص)، ولا يعينه من الخروج منها إلا الله تعالى، على أن يستيقظ من رقدة غفلته، ويمسحَ زلاتِه بعَبَراته، ويزيلَ آثار العثَرات بآهات الندامات، ويعجّل بالركوب في قارب الدعاء والبكاء والحياء.
وإن من فضائح الفتن أن يسترخص المفتون نذالة الوشاية بأخيه، وكشف أسرار أخيه، وتقديمها لمحتل أو ظالم أو طاغية على طبق من جهالة! وفي ذلك قال عبد الله بن مسعود؛ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحذّر الصحابة رضي الله عنهم ومن سيأتي بعدهم من ويلات الفتن: {… قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: “ذلك أيام الهرج”، قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: “حين لا يأمَن الرجلُ جليسَه” قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: “إكفف نفسك ويدك، وادخل دارك…}. فهي الفتن كنار تلظّى تحرق كل ما يقع فيها وتأكله بلا رحمة، وقد تُحيله من جبل في موازين الدنيا الشكلية إلى حفنة رماد تملأ كفّ اليد بصعوبة.
وسلفًا أقول: إن موقفي من انتخابات الكنيست ليس سرًّا، وهو معروف للقريب والبعيد، والصديق والعدو، منذ أن أكرمني الله تعالى بالتحاقي بالحركة الإسلامية منذ خمسين عامًا. وكم تمنيت أن تبقى كل الحركة الإسلامية على موقفها الأساس الذي كانت عليه، والذي عزز ثقتي بها في تلك الأيام، ولكن حدث ما حدث ولا حول ولا قوة إلا بالله، فاختار البعض أن ينخرط في انتخابات الكنيست، وظل البعض على الموقف الأساس الذي كانت عليه الحركة الإسلامية، والذي عبّرت عنه في بياناتها أكثر من مرة، والذي كان يدعو أبناء مجتمعنا في الداخل الفلسطيني أن يختار الواحد موقفه من انتخابات الكنيست بما يتوافق مع فهمه العقائدي وحسه الوطني، مع رفض الحركة الإسلامية الثابت أن تنخرط في تلك الانتخابات. وقد كان ذلك واضحًا لكل المسؤولين في الحركة الإسلامية ولكل أبنائها. وها نحن الآن في نهاية عام 2026، وها هم أبناء الحركة الإسلامية بين مُقاطع لهذه الانتخابات أو مشارك فيها. ومن الطبيعي أن يجري نقاش بين هذين الموقفين عبر أدوات إعلامية متاحة، والذي كنت ولا زلت أتمناه، أن يبقى هذا النقاش خاليًا من لُغة تجريح أو مناكفات جاهلية أو وشاية عمياء -تلميحًا أو تصريحًا- فكلا أتباع هذين الموقفين سيقفون بين يدي الله تعالى، وسيُسأل كل منهم عن موقفه وأقواله وأعماله! وسلفًا أقول: اللهم سلّم، اللهم سلّم. وأنصح كلا أتباع هذين الموقفين أن يتزود كل منهم بهذا الدعاء: اللهم سلّم.
وإن من فضائح الفتن أنها قد تجر المفتون إلى حال صادم يغفل فيه عن كتاب الله وعن عقله. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله فتنة بين يدي الساعة قال: قلت: وفينا كتاب الله؟ قال: {وفيكم كتاب الله}، قال: قلت: ومعنا عقولنا؟ قال: {ومعكم عقولكم}، — رواه نعيم بن حماد في الفتن. فيا لها من نازلة أشد من كل نازلة أن تعرك الفتن المفتون وتدعه ضحية مستنزفة، كأنها في وادٍ وكتاب الله في وادٍ آخر، وكأنها هوى بلا عقل، وجسد بلا قلب، وبدن بلا روح، وكأنها سياسة بلا ثوابت إسلامية عروبية فلسطينية، وكأنها بلا ساق ولا هوية ولا انتماء في أبعادها الإسلامية العروبية الفلسطينية، وعندها سيكون المفتون أشقى الناس، لأن أشقى الناس هو الذي يسير بلا بوصلة ثوابته الإسلامية العروبية الفلسطينية، ويعيش بلا ضوابط تحفظه في حِمَى ساق وهوية وانتماء في أبعادها الإسلامية العروبية الفلسطينية.
وإن من فضائح الفتن أن تختل الموازين، وأن تُغيّب القيم، وأن تطيش الاعتبارات عبثًا كأنها غثاء كغثاء السيل. وما أصعب الحياة في مثل هذه الأجواء! لأن هذه الأجواء قد تكون ضبابية صعبة الرؤية، وقد تكون مظلمة عديمة الرؤية، وقد يظهر فيها النفاق على الملأ وقد تُرفع الأمانة وتُقبض الرحمة، وقد يجاهر فيها المفتون ويُتهم الأمين ويُؤتمن غير الأمين. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا، يظهر النفاق وتُرفع الأمانة وتُقبض الرحمة، ويُؤتمن غير الأمين، ويخوَّن من ائتُمن، أناخ بكم الشرف الجون} قالوا: وما الشرف الجون يا رسول الله؟ قال: {فتن كقطع الليل المظلم} — رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه. فأي طعم يبقى في الحياة إذا رُفعت منها الأمانة وقُبضت الرحمة وانقلبت فيها الموازين، وتسلّطت فيها الفتن على عقول الناس وقلوبهم، وضبطت حركة جوارحهم وألسنتهم، وتركتهم حيارى إذا سكتوا وإذا قالوا، وإذا قرروا، وإذا توقفوا، وإذا قعدوا وإذا ساروا؟!
وفي تلك الأجواء الفاتنة المفتونة والظالمة والمظلمة والخانقة والقاسية، حري بكل عاقل أن يتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {سباب المسلم فسوق وقتاله كفر} — رواه الإمام أحمد والشيخان، ورواه آخرون من الثقات.
وحريٌّ بكل حريص على دينه وآخرته أن يستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من كثّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عملَ قومٍ كان شريك من عمل به} — رواه أبو يعلى وقال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري”، وله شاهد عن أبي ذر رضي الله عنه في (الزهد) لابن المبارك غير مرفوع”. وفي روح معنى هذا الحديث النبوي الشريف قال المهلب: (… أن من كثّر سواد قوم في المعصية مُختارًا أنّ العقوبة تلزمه معهم). وحري بكل متّقٍ للشبهات أن يتزود بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هاجت من حوله أمواج الفتن: {مِن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عبدٌ أذهب آخرته بدنيا غيره}. وليعلم هذا المتّقي للشبهات وضجيج الفتن يعلو على كل صوت، أنه لن يضيره إذا ثبت وتعثر الآخرون حتى لو ظل وحيدًا. ولن ينفعه إذا دخل كل الناس إلى الجنة وظل خارجها، ينتظر شفاعة الشافعين بإذنٍ من الله تعالى؛ وحريّ بكل حُرٍّ أن يقف عند هذه اللوحة التشكيلية التي يرسم فيها الإمام الحسن حال المفتونين الراكضين وراء كل فتنة، والراقصين فرحًا بها والمصفقين تأييدًا لها، حيث يقول عن حال المفتونين: (والله لقد رأيناهم صورًا بلا عقول، أجسامًا بلا أحلام، فَراش نار، وذبان طمع، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز). فيا أيها الحُر، كن حُرًّا في الفتن، وكن أصيلًا في الفتن، وكن الجماعة في الفتن، حتى لو بقيت وحدك، واربأ بنفسك أن تكون قطعة من هذه اللوحة التشكيلية التي يصف فيها الإمام الحسن حال المفتونين. واربأ بنفسك أيها الحُر أن تستدرجك الفتن إلى فخاخها المدفونة بقليل من تراب الهوى الناعم، ومن تراب الأنا الخفي، ومن تراب حب الطلعة، والبحث عن البريق والبهرجة والزعيق، واسمع هذه الوصية وعضّ عليها بالنواجذ، وإن ساوموك على خلعها فلا تخلعها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: (أسعد الناس في الفتن كل خفي تقي، إن ظهر لم يُعرف وإن غاب لم يُفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع، لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغريق في البحر). فهي الفتن، وخطر موت الدين فيها أشد من خطر موت الإنسان في البحر، والويل لمن استدرجته فأذعن لها! فقد تقول له الفتن: انضم إلينا وسأجعل منك خطيبًا مصقعًا تلتف حولك الجماهير وتصفق لك وتغرقك بالإعجاب! وقد تقول له الفتن: أعلن لي الطاعة وكن من جنودي وسأوسّدك منصب (راكب موضع) يخطف الأبصار منصبه، وقد تنحني له رقاب المضبوعين، فاحذر أيها الحُر أن يخدعوك ويسلبوا منك تاج حريتك، ويضعوا حول معصميك قيود الفتن.
واسمع لصوت أبي هريرة رضي الله عنه الذي يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنها ستكون فتنة [أو فتن]، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فمن وجد منها ملجأً أو معاذًا فليستعذ به}.
لذلك أمِسك عليك أيها الحر لسانك وقلمك إلا في خير، واستحضر- إذا ماجت الفتن من حولك- قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إياكم والفتن، فإن اللسان فيها مثل وقع السيف} — رواه ابن ماجة. واعلم أخي أنك الفائز الرابح، وإن رجموك بتهم يمين متطرف أو خسران ونقصان، واستأنس بعد ذكر الله بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {العبادة في الهرج كهجرة إليّ}. وفي رواية: {العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ}، وفي رواية: {العمل في الهرج والفتنة كالهجرة إليّ} — حديث صحيح غريب. فلا تنتكس في الفتن، وكن عابدًا مخلصًا لله تعالى، وعاملًا ثابتًا، ومثبّتًا للثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية.
