أخبار عاجلةمقالاتومضات

ترامب وكلابه إلى مزابل التاريخ

الشيخ كمال خطيب

إن الله تبارك وتعالى مالك الملك وخالق الخلق، إنه ربّ هذا الكون ومليكه، وقد جعل لهذا الكون ناموسًا ونظامًا بديعًا يسير عليه وفق مشيئته وتقديره سبحانه. وإننا لن نجد في هذا الكون ما هو شاذّ أو خارج عن الإرادة والمشيئة والتقدير الإلهي، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [2 سورة الفرقان]، {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [8 سورة الرعد].

وإن هذا الكون وبكلّ ما فيه من سنن ونواميس وقوانين، فإنها تجري على كل من خلق الله تعالى، وربنا سبحانه لا يحابي فيها أحدًا ولا يجامل أي من خلقه.

وقد جعل الله قانون وناموس تعاقب الليل والنهار {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [27 آل عمران]، ودوران الشمس والقمر، {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [5 سورة الرحمن]، {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [38 سورة يس]. وهناك قانون وناموس نزول المطر {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} [43 سورة النور].

وهناك قانون وناموس أن النار تَحرق وأن الماء يُغرق، وأن القلّة تغلب الكثرة، والقوّة تغلب الضعف، والتنظيم يغلب الفوضى، والوحدة تغلب الفُرقة والتمزّق، وهناك قانون التداول {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [140 سورة آل عمران].

وإذا كان سبحانه جعل لهذا الكون قوانين ونواميس، فإنه سبحانه لم يخلق هذا الكون عبثًا ولا خلق الإنسان بلا هدف، وإنما خلق الله الإنسان وسخّر له ما في السماوات والأرض {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } [113 سورة المؤمنون]، من أجل أن يعبد الإنسان الله تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [115 سورة المؤمنون]، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [56 سورة الذاريات]. إنها إذن الغاية التي خلق الله الإنسان لأجلها بأن يعبد الله سبحانه وأن يكون وسيلة هداية لغيره، ولأجل ذلك أُنزلت الكتب وبُعث الرسل لهداية البشر، وأن يعرف الناس خالقهم ليقوم الناس بالقسط والعدل يحكمهم شرع الله ويبنون علاقاتهم على هدي تعاليم الكتب وهدي الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعًا.

عندما النار لا تَحرق وعندما البحر لا يُغرق

إذن هناك قوانين وسنن ونواميس تحكم هذا الكون، وهناك غاية لأجلها خلق الله هذا الكون وجعل الإنسان خليفته فيه {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة} [30 سورة البقرة]. ويحصل خلال دورة الحياة أن يكون من بين الناس من يتحولون من عبادة الرحمن وطاعته إلى عبادة الشيطان ووسوسته، بل يتجنّد هؤلاء لمحاربة من يسعون لتعبيد الناس لرب العالمين وحرف بوصلة الناس عن الغاية التي لأجلها خلقهم الله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [56 سورة الذاريات]، بل وتشويه ومسخ فطرتهم. وخلال هذا يحصل تصادم بين الغاية التي لأجلها خلق الإنسان وبين النواميس والقوانين والسنن الكونية التي خلقها الله كذلك، وعادة ما يستخدمها الظلمة والطواغيت والمستبدّون لتعبيد الناس لهم بدل عبوديتهم لربّ العالمين. وإذا جرت هذه القوانين على ما هي عليه بأن تنتصر الكثرة على القلّة والقوة على الضعف، فهذا يعني أن المعركة محسومة لصالح هؤلاء الطواغيت، وهذا يعني تعطيل الغاية التي لأجلها خلق الله الخلق وهي عبادته سبحانه.

عند حصول ذلك التصادم، مثلًا بين قانون الكثرة التي تغلب القلّة، والقوّة التي تغلب الضعف، والنار التي تَحرق، والبحر الذي يُغرق، فعند حصول ذلك التصادم بين هذه القوانين وبين الغاية التي لأجلها خلق الله الإنسان، فإنه سبحانه خالق هذه القوانين والنواميس يتدخّل فيغيّر هذه النواميس بل، ويبطلها بل ويجعلها تسير على عكس ما خلقها الله عليه.

فمنذ أن خلق الله تعالى النار، فإنه أودع فيها خاصيّة الإحراق، فالنار تحرق كل شيء بأمر ربّها، ولكن التاريخ بل والقرآن الكريم قد سجّل بآيات خالدات أنه وعندما حصل تصادم بين قانون النار التي تحرق وبين الغاية التي لأجلها خلق الله الإنسان وأرسل خليله إبراهيم ليقوم بها ويدعو الناس إليها، ولما أراد طاغية جبّار متألّه اسمه النمرود أن يحول بين الناس وبين عبادة الله تعالى مستغلًا ومسخرًا قانون النار لتحرق، وإذا بخالق النار وخاصيّتها يتدخل ليس فقط بعدم فاعلية خاصيتها وتعطيلها، فلم تحرق إبراهيم، بل بعكس ذلك، بأن جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، فلكأن الله تعالى خالق النار قد خاطبها يقول لها: يا نار لا تحرقي إبراهيم، {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَقُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَوَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [68-70 سورة الأنبياء]، هم قالوا حرّقوه بالنار، والله قال: لا تحرقيه يا نار بل كوني بردًا وسلامًا عليه، فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم.

وكذلك منذ أن خلق الله الماء فإنه أودع فيها خاصيّة الإنسياب والسيلان، لكن التاريخ، بل والقرآن الكريم قد سجّل بآيات خالدات أنه وعندما حصل تصادم بين قانون الماء الذي ينساب فيُغرق وبين الغاية التي لأجلها خلق الإنسان وهي عبادة الله، وقد أرسل الله موسى ليحرّر الإنسان من عبودية فرعون إلى عبادة الله ربّ العالمين. وحينما ظنّ فرعون أن بمقدوره أن يلحق ويدفع بموسى نحو البحر وهناك حتمًا سيقتله، أو أنه سيغرق، وإذا بالله خالق الماء وخالق خاصيّة الإنسياب فيه، يتدخّل لينزع هذه الخاصيّة منه، بل ليكون عكسها بأن ينشق البحر ويصبح الماء صلبًا كأنه الطود والجبل وكأنه الصخر المنحوت، وليس أنه مسار واحد، بل اثنا عشر فرقًا وطريقًا ومسارًا بعدد قبائل بني إسرائيل {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [63 سورة الشعراء]، والأعظم من ذلك، أن الله الذي أمر البحر أن ينفلق وأمر الماء أن يصبح صلبًا، ما لبث أن أمر البحر وأمر الماء أن يعود إلى خاصيّته، فانساب وأغرق فرعون ومن معه {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ} [65-66 سورة الشعراء].

ولقد جمع الشاعر حال ما كان عليه إبراهيم وموسى من التسليم لأمر الله بحيث أمر الله النار فلا تحرق وأمر الماء فلا يُغرق بقوله:

فوحقّه لأسلّمن لأمره في      كلّ نازلة وضيق خناق
موسى وإبراهيم لما سلّما     سلِما من الإغراق والإحراق

عندما يتدخل خالق الطبيعة وقوانينها

وليس أن هذه معجزات وكرامات للأنبياء فقط، بل إنها إرادة الله تعالى إذ تتدخل حينما يتصادم قانون الطبيعة الذي يستخدمه الإنسان مع غاية الله لهداية الناس، وهذا ما كان مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما كان في فتوحات بلاد فارس، وما خرج سعد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى، لكن ماذا يفعل سعد حين وصل نهر دجلة وقد وجد النهر في حالة مدّ وجريان عظيم، وقد وجد أن الفرس قد هدموا الجسور وحرقوا المراكب. وقف سعد يستعرض الوضع الاستراتيجي الذي كان عليه ويستمع إلى رأي أصحابه ثم كان قراره بالعبور وقد أيقن أن الأمر بيد الله وأن دجلة نهر خلقه الله وأجرى ماءه، وهو وجيشه ما خرجوا إلا لتكون كلمة الله هي العليا، فهيّأ جنده ودعا الله وبكى في دعائه، ثم قال لجنوده قولوا: “نستعين بالله، نتوكل على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال بصوت عال: والله لينصرنّ الله وليظهرنّ الله دينه وليهزمنّ الله عدوّه” ثم عبر وأمرهم بالعبور. يقول أصحاب سعد: “فعبرنا النهر تعوم بنا خيولنا وخرجت تنفض أعرافها من الماء، ووالله الذي بعث محمدًا بالحق لقد عبرنا دجلة وما ابتلّ لنا خفّ ولا حافر”.

فكما أن للكثرة طبيعة، وللماء طبيعة، وللنار طبيعة، وللمال طبيعة، وللقوّة طبيعة، وتترك آثارها حين تتدخل ويحسب لها حسابها، فمثلها وأكثر منها فإن للإيمان طبيعة وللتقوى طبيعة وللصدق طبيعة وللعدل طبيعة ولها طبائع وآثار حين تكون ويحسب لها حساباتها، بها تنضبط موازين هذا الكون.

وما كان مع سعد بن أبي وقاص وجيشه، فإنه كان مع سيّده وحبيبه محمد ﷺ. إنه رسول الله يوم بدر وكان المسلمون قلّة والكفار كثرة، وكان المسلمون ضعفاء وكان الكفار أقوياء عددًا وعدّة والرسول ﷺ ينظر إلى هذه المعطيات أمامه، فلو أنه ﷺ ترك المسلمون لحظهّم وترك لقوانين الطبيعة أن تكون وحدها الفاعلة فتغلب الكثرة القلّة وينتصر الأقوياء على الضعفاء، فهذا معناه أن قريش التي خرجت بقدّها وقديدها ستنتصر، وهذا معناه أن ينطفئ هذا النور وأن الطبيعة هي صاحبة القرار والكلمة الفصل فلا تقوم بعد اليوم للإسلام قائمة. لكن رسول الله ﷺ قام ورفع يديه إلى الذي خلق هذا القانون “أن الكثرة تغلب القلّة” وهو سبحانه قادر أن يبطل هذا القانون، قام ليدعو ربه الذي ما خرج إلا من أجله وفي سبيله، وهو يعلم أن القوّة له وأن النصر من عنده وأن الأسباب كلّها بيده، فقال: “اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخيلها وخيلائها وفخرها تحادك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة”. وقال في رواية أخرى: “اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض”. عندها كان تدخّل خالق الطبيعة ومقدّر أسبابها لينزع من قانون الكثرة معناه، بل ليكون عكسه، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [123 آل عمران]. نعم إن للطبيعة قوانين أودعها الله فيها وأن الله قادر على أن ينزعها منها متى شاء سبحانه، {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [249 سورة البقرة].

ومنذ أن خلق الله الشمس فإن لها ناموسًا وقانونًا خلقه الله سبحانه بأن تطلع من المشرق وتغرب من المغرب، ولها مسار لا يختلف وضع حساباته الله سبحانه {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [5 سورة الرحمن]، {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [38 سورة يس]، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [33 سورة الأنبياء].

لكن هذه الشمس وحين كاد أن يحصل تصادم بين ناموسها وجريانها وبين هداية الناس، تلك المهمة التي حملها يومًا يوشع بن نون الذي جدّه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، حين أراد فتح بيت المقدس وكانت معركة يوم جمعة وكاد أن يدخل السبت، فنظر يوشع بن نون إلى الشمس وخاطبها قائلًا: يا شمس أنت مأمورة وأنا مأمور، ثم قال: اللهم احبسها عليّ فحبسها الله، أي قال لها قفي فوقفت الشمس ولم تكمل مسارها الذي هي عليه منذ خلقها الله، حتى انتهت المعركة ثم أكملت مسارها وغابت. وقد ورد هذا ليس في حديث أهل الكتاب، وإنما في أحاديث رسول الله ﷺ: “إن الشمس لم تُحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس”.

إن الكون كلّه خلقه الله بيده، وجعل له نواميس وقوانين هو يتحكّم بها سبحانه، وإن الله أراد للإنسان خليفته في هذه الأرض أن يعبده ويسير على نهجه وفطرته التي خلقه الله عليها {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [30 سورة الروم]. فحينما تتعارض وتتصادم غاية الله من هداية البشر مع بعض نواميس الله، فإنه سبحانه يغيّر هذه النواميس من أجل الغاية الأعظم، هداية الناس وعبادة الله سبحانه.

نباح الكلاب ومزابل التاريخ

وإننا نعيش في الزمان الذي بات فيه الباطل يعربد ويصول ويجول ويعلن فيها الحرب السافرة على الله وعلى دينه، بل وعلى فطرة الإنسان يراد تشويهها. إنها الحرب على الإسلام دين محمد ﷺ الذي به ختم الله رسالات الأنبياء، والذي قال الله أنه لن يقبل من البشرية إلا هذا الدين {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [19 سورة آل عمران]، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [85 سورة آل عمران].

ولأن الباطل في هذا الزمان قد سُخّرت له قوانين الطبيعة، فهم أقوياء ونحن ضعفاء، وهم كثيرون ونحن قلّة، وهم متقدّمون علميًا ونحن مع الأسف نلتقط فتاتهم، ولأنهم وخلال هذا يسخّرون كل هذه الإمكانات لحرب الإسلام، ولأنهم لن ينتظرونا ولن يسمحوا بإعطائنا فرصة أن نكون مثلهم فنحوز ما يحوزون، بل إنهم يعلنونها حربًا دينية سافرة على أمتنا وديننا، فما علينا في مثل هذا الظرف إلا بالأخذ بالأسباب كل الأسباب ثم بالوحدة والتكاتف {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [102 سورة آل عمران]، إلا أن نستعين بالله تعالى ونتوجّه إليه بتوبتنا وعودتنا الحقيقية لدينه واستغاثتنا به وهو ربّ تلك القوانين والنواميس، كما استغاث به إبراهيم في النار، واستغاث به موسى في البحر، واستغاث به محمد يوم بدر وفي الغار، واستغاث به يوشع بن نون لحبس الشمس.

نعم إن توبة صادقة، والتزامًا منا بديننا، وإقلاعًا عن ذنوبنا، وأن تكون غايتنا دين الله وليس شعارات قومية أو وطنية فارغة، فإنه كفيل ربنا سبحانه أن يكرمنا وأن يغيّر حالنا وينصرنا على من عادانا.

لقد حدث وكانت واقعة بين الملك المغولي المسلم ظهير الدين بابر التيموري لما قابل جيوش الهندوس وكان معه عشرون ألفًا بينما الهندوس مئتا ألف، وكان ظهير الدين يقيم على المعاصي ويعاقر الخمر، وعند اللقاء الحاسم أدرك أن قانون القوّة والكثرة هو صاحب الكلمة الفصل فتنتصر القوّة على الضعف والكثرة على القلّة، فرفع يديه إلى السماء وكانت دعوة مخلصة لله، قال فيها: “اللهم إني أحرّم الخمر على نفسي فلا أقربها بعد اليوم”. فعلم الله صدق توبته فقلب الموازين والحسابات وانتصر المسلمون على الهندوس وانتصرت القلّة على الكثرة.

إن اللجوء إلى ربّ الأرباب خالق الأسباب حالة تتكرر في تاريخ الأمّة حين تبتعد عن نهج ربها فيتكالب عليها أعداؤها لتدرك عندها ضرورة الوقوف على بابه واللجوء إليه، وإن قصّة ابنة هولاكو مع شيخ الإسلام فيها من العظة ما فيها.

فيروى أن ابنة هولاكو إمبراطور المغول، وبينما كانت تتجول في بغداد بعد أن دمّرها المغول وأوقعوا فيها النكبة والمجازر، فكان أن سمعت باسم يتردد على ألسنة الكثيرين، إنه شيخ الإسلام ابن تيمية، فأمرت أن يُؤتى به مقيّدًا إلى مجلسها. فلما أُتي به قالت له: عرفت أنك عالم من علماء المسلمين، بل إنك أعلمهم؟ قال: نعم، قالت: إن الله الذي تؤمنون به ونكفر نحن به فإنه يحبّنا ولا يحبّكم، وإنه سلّطنا عليكم وخذلكم ونصرنا عليكم، وربكم هو الذي قال: {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ} [13 سورة آل عمران] فقد شاء أن ينصرنا ويخذلكم.

نظر إليها ابن تيمية وقال: أتعرفين راعي الغنم؟ قالت: ومن لا يعرفه؟ قال: أليست الغنم غنمه؟ قالت: بلى، قال: أليس للراعي كلاب تذهب معه إلى المراعي والجبال؟ قالت: بلى، قال: ما عمل ووظيفة الكلاب؟ قالت: أن تحرس الغنم وتعيد إلى القطيع الغنم الشاردة والقاصية حتى لا تأكلها الذئاب، قال ابن تيمية: إن مثلنا ومثلكم كمثل الراعي والكلب والغنم، فالله سبحانه وله المثل الأعلى، هو الراعي وهو صاحب الغنم ونحن المسلمون غنمه وأنتم كلابه، فلما تفرقنا وشردنا بعد أن شبعنا وأترفنا، فإنه قد سلّطكم لتنبحوا علينا وتنهشونا حتى نرجع إليه، فإذا رجعنا إليه فإنه سيكفّ أذاكم عنا مثلما يكفّ الراعي كلبه عن الغنم لما ينتهره يقول له: اخص، فيلوي ذنبه ويجلس جانبًا.

ما أكثرها الكلاب التي تنبح علينا نحن المسلمين في هذا الزمان، بل إنها تمزّق لحمنا وتنهش عرضنا وتسلب أرضنا، ولعلّ الله يكون قد سلّطهم علينا ليكون ذلك سببًا في عودتنا وتمسّكنا بديننا وهويتنا. إننا إن فعلنا ذلك وقد فعلنا والحمد لله، فإننا على يقين أن نباح ترامب وكلابه وعكاكيزه وحلفائه سينتهي وسيهزّ ذنبه ويختفي في زوايا بل مزابل التاريخ.

وإذا كان ترامب يوقّع بغرور وعنجهية وبقلمه الأسود المذهّب الشهير قرارات ظالمة يظنّ أن بها سيغيّر ويرسم مصير الكون، فإنه إله وربّ الكون قد سبق وكتب وقدّر وقضى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [21 سورة المجادلة]، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَوَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [171-173 سورة الصافات]، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا} [28 سورة الفتح].

النمرود قرر أن يحرق إبراهيم في النار، فنجّى الله إبراهيم وأهلك النمرود، وفرعون أراد أن يقتل موسى، فنجّى الله موسى وأغرق فرعون. وترامب يريد أن يحارب ديننا ويضيّع حقنا في القدس والأقصى وحقّ أهلنا في غزة، فسيهلكه الله وسيظلّ الأقصى مسجدنا وحدنا ويظلّ شعبنا في غزة شامخًا صابرًا ثابتًا حتى يأتي الله بالفرج أو أمر من عنده.

إننا واثقون ومطمئنون أن يد الله تعمل وأن نواميس الله تجري، وأن مكر الله أكبر من مكرهم، وأن إرادة الله ستتدخل لتقلب الموازين، وأن الأرض تتهيأ لأمر عظيم، وإن غدًا لناظره قريب.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى