رسالة صحفي لزملائه الأمريكيين.. لا تنحنوا لترمب ولا تمنحوه السيناريو الذي يريده

قالت مجلة جامعة كولومبيا للصحافة إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تتحدى علنا أمرا قضائيا فدراليا يقضي بإعادة حق دخول البيت الأبيض لصحفيي شبكة “سي إن إن” وقناة “إم إس ناو” وموقع “بوليتيكو”. ودعا الكاتب في المجلة جيم بارثولوميو الصحفيين المعتمدين لدى الرئاسة إلى التماسك وعدم التراجع أمام ضغوط ترمب.
وأوضح بارثولوميو، في مقال نشرته المجلة، أن المشهد الذي رافق زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن الخميس الماضي لخّص حجم الأزمة. فبينما كان ترمب يستقبل ضيفه في البيت الأبيض كان صحفيون أمريكيون يُمنعون من الوصول إلى البوابات.
صحفيون أمام البوابات
ونقل الكاتب عن مراسلة “سي إن إن” بيتسي كلاين قولها إنها رُدت عن البوابة 3 مرات ذلك الصباح. أما مراسلة “إم إس ناو” لورا بارون لوبيز فقالت إن عناصر الخدمة السرية صادروا بطاقتها بعدما أضاء جهاز التحقق باللون الأحمر عند إدخال رمزها السري.
وكانت الصحفيتان ضمن مجموعة من صحفيي المؤسسات الثلاث التي قرر ترمب طردها من البيت الأبيض قبل أيام. غير أن القاضي تيموثي كيلي من المحكمة الجزئية الفدرالية في واشنطن أصدر فجر الخميس الماضي أمرا يلغي الحظر ويلزم الإدارة بإعادة حق الدخول لمدة 14 يوما ريثما ينظر في الدعوى.
ولم تتمكن كلاين وبارون لوبيز من الدخول إلا عند الظهر. وعلقت مذيعة “سي إن إن” دانا باش على ذلك بالقول إن وسائل الإعلام الرسمية الصينية كانت داخل المكتب البيضاوي في حين بقيت الصحافة الأمريكية الحرة خارجه حتى لحظات قليلة.
تحدٍّ متواصل للقضاء
وأشار المقال إلى أن الإدارة واصلت تجاهل الحكم في الأيام التالية. فمساء الخميس منع صحفيو “سي إن إن” و”إم إس ناو” من حضور عشاء رسمي. ويوم السبت استُبعدت “سي إن إن” من رحلة الطائرة الرئاسية إلى ولاية تينيسي رغم أنها كانت مكلفة بمهام التغطية المشتركة.
وحين سألته مراسلة “إم إس ناو” أكايلا غاردنر إن كان لا يريد أسئلة صعبة طلب منها ترمب أن تلتزم الصمت. ثم كتب على منصته “تروث سوشيال” أن “الأخبار الكاذبة” لا ينبغي أن يُسمح لها بدخول البيت الأبيض.
ويرأى بارثولوميو أن هذه التصرفات تندرج ضمن نمط مألوف في تعامل الإدارة مع الصحافة يقوم على اختبار الحد الذي يمكن أن تبلغه النزعة التسلطية دون أن تواجه ردعا.
تضامن لم يصمد طويلا
وفي مواجهة الحظر علقت الشبكات التلفزيونية المشاركة في التغطية المشتركة وهي “سي إن إن” و”إيه بي سي” و”سي بي إس” و”إن بي سي” و”فوكس نيوز” عملها حتى يعاد زملاؤها. ووصفت سوزي بانيكاريم الكاتبة في المجلة هذه الخطوة بأنها مظهر لافت ومشجع للتضامن المهني.
ويرى الكاتب أن حجب التغطية كان من أنجع الأدوات في وجه ترمب منذ ولايته الأولى عام 2017. والدليل أن الرئيس اشتكى بعد 6 أيام من إعلان الحظر من أن الشبكتين امتنعتا عن تغطية وصول الرئيس الصيني الذي وصفه بأنه من أجمل الأحداث منذ سنوات.
ولفت بارثولوميو إلى أن الصين تحتل المرتبة 178 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود. وعد ذلك مفارقة من مفارقات ما وصفه بالظاهرة الترمبية إذ تعادل متعة ترمب في مهاجمة الصحافة حاجته الملحة إلى تغطيتها.
لكن مسؤولي الشبكات بدؤوا يشعرون بالحرج من هذا الترتيب بحلول يوم الجمعة. ويبدو أن التغطية المشتركة ستستأنف على أن تقرر الشبكات الأخرى في كل حالة على حدة ما إذا كانت ستحل محل “سي إن إن”.
ونقل المقال عن صحيفة نيويورك تايمز أن استئناف التغطية يمنح ترمب عمليا سيطرة أكبر على قائمة المؤسسات المسموح لها بالاقتراب من فعالياته. واعتبر الكاتب ذلك خطأ جسيما داعيا الصحفيين إلى مواصلة الإضراب حتى يتراجع الرئيس.
ذرائع تنهار أمام المحكمة
وتحدث بارثولوميو عن مفارقة أخرى تتمثل في شغف ترمب بالصراع مع عجزه عن التفكير الإستراتيجي لكسب المعارك التي يخوضها. واستشهد بدعواه ضد هيئة الإذاعة البريطانية بسبب وثائقي لم يعرض في الولايات المتحدة أصلا.
كما أشار إلى دعوى التشهير التي رفعها ترمب ضد صحيفة وول ستريت جورنال بشأن رسالة يقال إنه أرسلها إلى جيفري إبستين عام 2003. وقد رفضت المحكمة الدعوى ورأى القاضي دارين غايلز أنها بعيدة كل البعد عن إثبات سوء النية.
وفي 22 سبتمبر/أيلول الجاري بعث المكتب الصحفي في البيت الأبيض رسالة إلى “بوليتيكو” يبرر فيها سحب اعتمادها. واتهم الموقع بنشر أكاذيب تتعلق بالأمن القومي وبنشر معلومات حساسة أو سرية مستشهدا بـ6 قصص صحفية.
غير أن الصحفي أوليفر دارسي كشف في نشرة “ستاتس” الإعلامية أن مصدر إحدى تلك القصص كان إحاطة غير منسوبة قدّمها جيه دي فانس نائب الرئيس. كما أفادت وول ستريت جورنال بأن ترمب اتخذ قرار الحظر بدافع نزوة بعدما عرضت عليه مساعدته المقربة ناتالي هارب مقاطع تلفزيونية تنتقد إدارته.
ووصف محامي المؤسسات المحظورة تيد بوتروس، مبررات البيت الأبيض بأنها ذريعة جرى اختلاقها بعد وقوع الفعل. وحتى القاضي كيلي الذي عيّنه ترمب نفسه أبدى شكوكه في أن حماية الأمن القومي هي الدافع الحقيقي للقرار. وقال إن سحب الاعتمادات انتهك على الأرجح حقوق الصحفيين الدستورية في الإجراءات القانونية الواجبة.
ما هو أخطر من الطرد
وشبّه بوتروس القضية بمحاولة ترمب في ولايته الأولى إقصاء مراسل “سي إن إن” جيم أكوستا لكنها أكبر منها بـ78 مرة لأن 78 صحفيا سُحبت اعتماداتهم هذه المرة.
ورغم خطورة طرد المؤسسات الثلاث يرى بارثولوميو أنه ليس أشد ما تتعرض له حرية الصحافة. فالإدارة تتوسع في استدعاء الصحفيين قضائيا لكشف مصادرهم المجهولة. كما تستخدم لجنة الاتصالات الفدرالية سلطتها التنظيمية للضغط على المحطات والتأثير في سياساتها التحريرية.
وأضاف أن الإدارة أضعفت الإعلام العام وأقصت الصحفيين المعتمدين لدى وزارة الحرب وأطاحت بقيادة صحيفة “ستارز آند سترايبس” العسكرية. كما طالت حملات الترحيل عددا متزايدا من الصحفيين. ويرى الكاتب أن هذه الممارسات وإن افتقرت إلى رمزية مشهد الصحفيين عند البوابات يجب أن تثير القلق بالقدر نفسه.
سياسة الإلهاء
وتساءل الكاتب إن كان كل ذلك مجرد وسيلة إلهاء يلجأ إليها رئيس يفقد شعبيته بسرعة ويخوض حربا عقيمة على إيران وسط غلاء متصاعد وقلق المرشحين الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية.
ورأى أن حكم ترمب كله يمكن فهمه بوصفه حكما بالإلهاء. فمنذ ترشحه عام 2016 واعدا بتحسين حياة “الأمريكيين المنسيين” ظل يخترع خصما تلو الآخر ليغطي فراغ مشروعه السياسي من أي مضمون، وبقيت الصحافة في نظره عدوا مضمونا.
واستعان بارثولوميو برأي رئيس تحرير مجلة “غرانتا” الأدبية توماس ميني الذي كتب هذا الصيف أن جاذبية ترمب تنبع من قدرته على محاكاة الفعل والتأثير في بلد لا يجد بديلا حقيقيا للنظام السياسي والاقتصادي القائم.
وختم الكاتب بأن هذه الفكرة تفسر إدمان ترمب على كسر الأعراف بوصفه استعراضا. وأكد أن التحدي أمام الصحافة، كما كان طوال عهده، هو التحلي بالشجاعة وعدم الانحناء ورفض منح الرئيس السيناريو الذي يريده.
