مقال في “فايننشال تايمز”: ترامب وشي زعيمان في الزمان الخطأ ولا يصلحان للعالم

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالًا للمعلق جدعون رتشمان، قال فيه إن العالم يحتاج إلى قادة مستنيرين وأصحاب رؤية بعيدة المدى، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ يمثلان “الرجلين الخطأ في الزمن الخطأ”.
واستشهد رتشمان بتصريحات السياسي الفرنسي غيوم لاكرو، الذي قال في نهاية الأسبوع الماضي إنه خرج من اجتماعات وإحاطات مع الرئيس الفرنسي وأجهزة الاستخبارات والأمن وهو يشعر بـ”دوار” جراء خطورة الوضع في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وما وصفه بـ”الجنون العدواني” الذي يدفع العالم نحو الفوضى.
وأشار إلى أن هذا القلق لا يقتصر على فرنسا، إذ تصاعدت خلال الأسابيع الماضية تحذيرات في عواصم أوروبية من مخاطر الحرب، فيما تتزايد التحذيرات في وادي السيليكون بشأن الذكاء الاصطناعي، وتتفاقم أزمة الطاقة، بينما تشير أسواق السندات إلى احتمال نشوء أزمة ديون.
ورأى رتشمان أن اجتماع ترامب وشي المرتقب في وقت لاحق من الأسبوع يمكن، من الناحية النظرية، أن يشكل فرصة لمعالجة ملفات كبرى تشمل الحروب والطاقة والذكاء الاصطناعي والتجارة وتايوان، لكنه استبعد تحقيق تقدم حقيقي، في ظل انعدام الثقة العميق بين واشنطن وبكين ومحدودية قدرة الزعيمين على تجاوز خلافاتهما.
وقال الكاتب إن الصراع التجاري يمثل أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار التقارب الحذر بين الولايات المتحدة والصين دون التوصل إلى تعاون فعلي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وأشار إلى أن بكين، عندما ردت على الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب في 2 نيسان/أبريل 2025، لم تلقَ في البداية اهتمامًا كبيرًا من واشنطن، فيما وصف وزير الخزانة الأمريكي آنذاك سكوت بيسنت الخطوة الصينية بأنها أشبه بلعب “البوكر بورقتين من فئة الاثنين”.
لكن القيود الصينية على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية أظهرت، بحسب رتشمان، تأثيرًا كبيرًا، بعدما بدأت قطاعات صناعية أمريكية رئيسية تواجه صعوبات في غضون أسابيع.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، وقعت الولايات المتحدة والصين هدنة تجارية في كوريا الجنوبية، إلا أن تبادل الاتهامات بشأن التجارة عمّق انعدام الثقة، وأصبح الجانبان أكثر حذرًا من أي تعاون قد يتحول مستقبلًا إلى نقطة ضعف يمكن استغلالها ضدهما.
وأضاف رتشمان أن انعدام الثقة يقلص فرص التعاون الأمريكي الصيني في مواجهة تهديدات تتجاوز الحدود الوطنية، مثل مخاطر الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ.
وأوضح أن شركات أمريكية كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي تدفع باتجاه نهج مشترك بين واشنطن وبكين لتنظيم هذه التكنولوجيا، فيما قال بيسنت إن البلدين اتفقا مؤخرًا على إجراء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي، لكنه أشار إلى أن التنافس بينهما سيحد من نطاقه.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة تتفوق على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنه يريد الحفاظ على هذا التفوق، بينما تشك بكين في الدعوات الأمريكية إلى التعاون، وترى فيها محاولة لتثبيت التفوق الأمريكي في هذه التكنولوجيا.
وأشار الكاتب إلى أن وسائل الإعلام الصينية الرسمية ركزت مؤخرًا على المخاطر التي يمكن أن يمثلها الذكاء الاصطناعي لاستمرار حكم الحزب الشيوعي، في حين يميل ترامب إلى رفض المخاوف التي لا تتوافق مع رؤيته، واصفًا تهديدات الذكاء الاصطناعي بأنها “خدعة”، وهو الوصف الذي استخدمه أيضًا تجاه تغير المناخ.
وفي المقابل، أعطى ترامب الأولوية للنفط والغاز بهدف تحقيق ما يسميه “الهيمنة الأمريكية على الطاقة”، كما تفاخر بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، بينما سمحت هذه السياسة للصين، بحسب رتشمان، بتعزيز موقعها في صناعات الطاقة المتجددة، مثل البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية.
وأشار رتشمان إلى أن الولايات المتحدة والصين تواجهان في الوقت نفسه تداعيات أزمة إمدادات الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن الصين سبق أن شاركت في جهود للوساطة في المنطقة، كما أنها مستورد رئيسي للنفط من الشرق الأوسط.
لكنه رأى أن فرص تدخل شي في الصراع تبقى محدودة، حتى في حال رغبت واشنطن في الحصول على مساعدة صينية لإنهائه، وهو أمر يستبعده الكاتب.
أما بشأن الحرب في أوكرانيا، فأشار إلى أن نطاق التعاون الأمريكي الصيني لا يزال محدودًا، في ظل استمرار الدور الصيني في دعم الاقتصاد الروسي.
وحذر رتشمان من أن الصين، بدلًا من لعب دور الوسيط، قد تشكل مصدرًا لخطر تصعيد أكبر في حال قرر شي غزو تايوان أو فرض حصار عليها. وأضاف أن تراجع ترامب عن التأكيد على استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب دفاعًا عن تايوان، مقارنة بموقف الرئيس السابق جو بايدن، قد يزيد من حسابات بكين بشأن التحرك.
وفي المقابل، قال إن صعوبة الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة وروسيا ضد دول أضعف قد تدفع شي إلى الحذر والتركيز بدلًا من ذلك على زيادة الضغط السياسي على تايوان.
ولفت رتشمان إلى أن ترامب وشي يشتركان في حب مظاهر البذخ والاحتفالات، متوقعًا أن يطغى ذلك على أجواء لقائهما المرتقب في واشنطن، دون أن يعني بالضرورة إجراء نقاش جاد بشأن القضايا الكبرى التي تواجه العالم.
وقارن الكاتب ذلك بقمة ريكيافيك عام 1986 بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، والتي ناقش خلالها الطرفان خلافات نووية حادة ومهّدا لمسار أسهم لاحقًا في إنهاء الحرب الباردة.
وختم رتشمان بأن الولايات المتحدة والصين تمثلان قوتين متنافستين، معتبرًا أن ترامب وشي يشتركان في عدد من السمات التي تعيق التعامل مع الأزمات، مثل النرجسية والقومية وضيق الأفق، في وقت يحتاج فيه العالم إلى قادة يمتلكون رؤية بعيدة المدى.
