أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرعرب ودولي

النهب الاستعماري.. هل تستعيد عائلة الحاج عمر تال “كنز سيغو” من فرنسا؟

كشف تقرير لصحيفة “لوموند” عن نضال طويل يخوضه أحفاد وورثة الشيخ الحاج عمر تال لاستعادة ما تصفه العائلة بأنه جزء من تراثه الذي نُهب خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ولا سيما مخطوطات ومجوهرات ومقتنيات ثمينة من “كنز سيغو” الموجود حاليا في عدد من المؤسسات الثقافية الفرنسية.

وأوضحت الصحيفة -في تقرير بقلم كمبا كان- أن هذا المسعى يأتي في مرحلة جديدة بعد اعتماد فرنسا في أبريل/نيسان الماضي، قانونا إطاريا بشأن إعادة الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال فترة الاستعمار، مما أعاد الأمل إلى العائلة السنغالية في استرجاع جزء من إرثها التاريخي.

وتعود القضية إلى عام 1890، عندما دخل الجنرال الفرنسي لويس أرشينار مدينة سيغو في مالي خلال الحملة الفرنسية على السودان، واستولى على مقر إقامة أحمدو تال نجل الحاج عمر تال، ونهب ما عُرف لاحقا بـ”كنز سيغو”.

وشملت الغنائم نحو 491 مخطوطة، جرى إرسالها إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، إلى جانب مجوهرات وحافظات للقرآن وقطع ثمينة نُقل بعضها إلى متاحف فرنسية أخرى.

كنز سيغو
وتُعد هذه المجموعة ذات قيمة تاريخية استثنائية، لأنها لا تضم مؤلفات دينية فحسب، بل وثائق وأعمالا في التاريخ والفلك والنحو والشعر، بينها نسخة نادرة من “تاريخ السودان”، بما يعكس مستوى الثقافة الإسلامية وحركة الأفكار والمعارف في غرب أفريقيا خلال تلك الفترة.

وتكتسب هذه المقتنيات أهمية إضافية لارتباطها بالحاج عمر تال، أحد أبرز العلماء والزعماء الدينيين والعسكريين في غرب أفريقيا خلال القرن التاسع عشر، فهو الذي أسس إمبراطورية إسلامية واسعة امتدت في أوجها عبر أجزاء من السنغال ومالي وموريتانيا وغامبيا وغينيا، كما ارتبط بالطرق الصوفية، ولا سيما الطريقة التيجانية، وقام برحلات متعددة إلى مكة والأزهر وإمبراطورية صكتو.

وترى عائلة عمر تال أن المخطوطات الموجودة في فرنسا لا تمثل مجرد قطع أثرية، بل تساعد على إعادة تقديم صورة الحاج عمر تال بوصفه عالما ومؤلفا ومفكرا، وليس فقط باعتباره قائدا خاض حروبا دينية وعسكرية، وهي الصورة التي يقول ورثته إنها اختزلته في العنف وأغفلت جانبه الفكري والروحي.

وتعود مطالب الاستعادة إلى ثمانينيات القرن الماضي، ولم تقتصر على الممتلكات المادية، فقد أُسر أرشينار أيضا حفيد الحاج عمر تال، عبد الله تال، وكان يبلغ من العمر عشر سنوات، وأُرسل قسرا إلى فرنسا، حيث التحق بمدرسة سان سير العسكرية، قبل أن يتوفى في سن العشرين.

إعادة سيف الحاج عمر تال
وفي عام 1995 تمكنت العائلة من إعادة رفاته إلى السنغال في مراسم رسمية فرنسية، في خطوة اعتُبرت آنذاك جزءا من استعادة الذاكرة والكرامة التاريخية للعائلة.

وخلال العقود التالية، كثف ورثة الحاج عمر تال جهودهم لاستعادة تراث الأسرة، من خلال البحث في أرشيفات ومخازن المؤسسات الفرنسية وتنظيم معارض للتعريف بالمقتنيات.

وقد شهد عام 2019 خطوة مهمة عندما أعادت فرنسا إلى السنغال سيف الحاج عمر تال الذي كان قد نُهب عام 1890، في مراسم حضرها الرئيس السنغالي السابق ماكي سال وعدد من كبار المسؤولين الدينيين.

وتأمل العائلة أن يفتح قانون الاسترداد الفرنسي الجديد الباب أمام إعادة المخطوطات والمجوهرات وغيرها من المقتنيات، إلا أن الإجراءات الرسمية لا تزال تتطلب تحرك الدولة السنغالية، باعتبارها الجهة المخولة بتقديم طلب الاستعادة إلى فرنسا.

ويؤكد السفير السنغالي في باريس أن بلاده ستتقدم بطلب رسمي بمجرد الانتهاء من إعداد جرد شامل للمقتنيات الموزعة بين المكتبة الوطنية الفرنسية ومتحف كي برانلي ومتحف لوهافر ومتحف الجيش في باريس.

إعادة قراءة التاريخ الاستعماري
وفي السنغال، تعمل العائلة في الوقت نفسه على توفير البنية اللازمة لاستقبال هذه المقتنيات، من خلال مشروع لإنشاء متحف ومكتبة، إلى جانب بناء مسجد كبير مخصص للحاج عمر تال في دكار.

كما يجري بحث إمكانية تنظيم معرض شامل في مقر اليونسكو بباريس عام 2027 لجرد التراث المرتبط بالحاج عمر تال والموزع حاليا بين المؤسسات الفرنسية، وهي مبادرة تحظى بدعم الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي.

وتضع قضية “كنز سيغو” ملف استعادة الممتلكات الأفريقية المنهوبة خلال الاستعمار أمام اختبار جديد، إذ لم تعد المطالب تقتصر على استعادة قطع فنية أو أثرية، وإنما باتت مرتبطة أيضا باستعادة الذاكرة والهوية وإعادة قراءة التاريخ الاستعماري من وجهة نظر المجتمعات التي فقدت جزءا من تراثها.

وفي انتظار استكمال الجرد وتقديم الطلب الرسمي، تظل مخطوطات سيغو في فرنسا، حيث تخضع للحفظ والرقمنة وتظل متاحة للباحثين، لكنّ السؤال الأساسي يبقى، هل تتحول الاعترافات الفرنسية الجديدة بشأن الممتلكات المنهوبة إلى إعادة فعلية لهذا التراث إلى موطنه الأصلي؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى