خطابان متباينان في إيران.. إلى من يجب أن يستمع العالم؟

بينما يصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اللحظة الراهنة بأنها “أفضل وقت للتوصل إلى اتفاق”، يتمسك الحرس الثوري بإبقاء مضيق هرمز مغلقا حتى تقبل الولايات المتحدة شروط طهران. وبين خطاب يقدم الحوار طريقا لإنهاء الحرب، وآخر يضع السيطرة على المضيق في قلب المواجهة، يواجه العالم سؤالا أساسيا: أي الموقفين يعبّر عن القرار الإيراني الحقيقي؟
تكشف أحدث التصريحات الإيرانية تباينا واضحا في اللغة والأولويات، لكنها لا تُثبت بالضرورة وجود قرارين متناقضين. فالرئيس والحرس يلتقيان عند اشتراط تنفيذ واشنطن التزاماتها، لكنهما يختلفان في تقديم الطريق إلى ذلك: بزشكيان يضع الحوار في المقدمة، بينما يضع الحرس القوة والسيطرة الميدانية على المضيق في الصدارة.
أفضل وقت للاتفاق
قال بزشكيان -في أحدث تصريحاته- إن الظروف الحالية توفر فرصة مناسبة للتوصل إلى اتفاق، مستندا إلى ما وصفه بحالة التماسك والقوة والوحدة داخل البلاد.
وأضاف أن إيران تستطيع في هذه الظروف متابعة حقوقها ومطالبها عبر الحوار، مؤكدا أن القضايا القائمة “لا تُحل بالحرب وحدها”، وأن حكومته تحاول التحرك باتجاه السلام وفقا للبنود الواردة في مذكرة التفاهم السابقة.
ولم يطرح بزشكيان التفاوض بوصفه تراجعا عن المطالب الإيرانية، بل ربطه بالمعاملة بالمثل، قائلا إن طهران ستتقدم بقدر ما يتقدم الطرف الآخر، ولن تقبل فرض الإملاءات عليها.
وفي حديث آخر، دافع الرئيس الإيراني عن مذكرة التفاهم رافضا الدعوات الداخلية إلى استمرار القتال. وقال إن إسرائيل تريد استمرار الحرب، متسائلا عن جدوى مواصلة المسار العسكري إذا كان بإمكان إيران تحصيل حقوقها من خلال الحوار.
وبحسب روايته، تضمنت التفاهمات رفع الحصار واستعادة أموال إيرانية وتخفيف بعض العقوبات، مقابل السماح للسفن بالمرور عبر مضيق هرمز وفقا للقواعد التي تضعها إيران.
لكن بزشكيان أوضح أن التزام طهران مرتبط بالتزام الطرف الآخر، قائلا إنه عندما تنفذ الولايات المتحدة تعهداتها فإن إيران ستنفذ ما عليها، وعندما تتوقف واشنطن عن التنفيذ فلن تبقى طهران ملزمة بالاستمرار.
لا فتح قبل قبول الشروط
في المقابل، يتمسك الحرس الثوري بخطاب أكثر صرامة بشأن المضيق. وقال المتحدث باسمه حسين محبي -في أحدث موقف للحرس- إن مضيق هرمز “سيُفتح بالتأكيد عندما تقبل الولايات المتحدة شروط إيران”.
وشدد محبي على أن فتح المضيق غير مرتبط بالمفاوضات الإيرانية العُمانية، في إشارة إلى أن التوصل إلى اتفاق بشأن مسارات الملاحة الجديدة لن يكون كافيا وحده لاستئناف الحركة الطبيعية للسفن.
وسبق للحرس أن أعلن أن المضيق لا يمكن إعادة فتحه ما دامت التهديدات الأمريكية والتدخلات في حركة الملاحة مستمرة، مؤكدا أن قواته البحرية تسيطر عليه ولن تسمح لقوة قادمة من خارج المنطقة بالتدخل في إدارته.
كما حذر الدول التي تساعد الولايات المتحدة من مواجهة “ردٍّ قاسٍ” إذا لم تغير سلوكها، معتبرا أن استمرار التهديدات والتدخلات الأمريكية يجعل الوضع في المضيق أكثر صعوبة وتعقيدا.
ويمثّل موقف الحرس رفضا لفتح المضيق وفق التصور الأمريكي القائم على استعادة الملاحة أولا، ثم اتخاذ واشنطن خطوات مقابلة لذلك. وتريد طهران -وفقا للتصريحات الإيرانية- ترتيبا مختلفا أو تنفيذا متزامنا، يضمن عدم تخليها عن أهم أوراق الضغط قبل الحصول على المقابل.
شروط تتجاوز الملاحة
لا تقتصر الشروط الإيرانية على الجوانب البحرية. فقد طالب محمد باقر ذو القدر -عندما كان أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي- الولايات المتحدة بوقف التهديدات والهجمات، وإنهاء الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتعويض إيران عن أضرار الحرب.
كما ربط فتح المضيق بوقف الهجمات على إيران وحلفائها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، مما يجعل ملف الملاحة جزءا من تسوية سياسية وأمنية أوسع، وليس مجرد اتفاق فني على خطوط عبور السفن.
وجاءت تصريحات ذو القدر قبل استقالته -أمس الأحد- من أمانة المجلس وتعيينه مستشارا سياسيا للمرشد الإيراني. وعُين أمس محسن رضائي أمينا جديدا للمجلس الأعلى للأمن القومي، كما عينه المرشد ممثلا له في المجلس.
وبذلك، لا ينحصر الخلاف في فتح المضيق أو إبقائه مغلقا، بل يمتد إلى ترتيب خطوات تنفيذ الاتفاق، أي هل تفتح إيران الممر أولا مقابل وعود أمريكية لاحقة، أم تنفذ واشنطن مطالب طهران قبل إعادة الملاحة، أم يجري التنفيذ بصورة متزامنة؟
أين يقف عراقجي؟
يعكس أحدث تصريح لوزير الخارجية عباس عراقجي مساحة مشتركة بين خطابيْ الرئاسة والحرس. فقد أعلن -أمس الأحد- أن إيران لا تُجري مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، ولن تبدأها ما دامت واشنطن تخرق مذكرة التفاهم المؤقتة الموقعة في يونيو/حزيران الماضي.
وأوضح أن الرسائل لا تزال تنتقل عبر الوسطاء، وأن الاتفاق الإيراني العماني بشأن مضيق هرمز وصل إلى مراحله النهائية، لكنه لن يؤدي بمفرده إلى فتح الممر البحري.
وبحسب عراقجي، فإن الاتفاق مع عُمان سيحدد مسارات الملاحة الجديدة التي ستُستخدم بعد تنفيذ الولايات المتحدة الشروط الأخرى وصدور قرار إعادة فتح المضيق.
ويفصل هذا الموقف بين مسارين، أي مفاوضات تقنية وقانونية مع عمان بشأن مرور السفن وطريقة تنظيم الحركة، ومسار سياسي أوسع يتعلق بالحرب والحصار والعقوبات والتعويضات.
تباين أم توزيع للأدوار؟
رغم اختلاف النبرة، لا يقول بزشكيان إن إيران ستفتح المضيق من دون مقابل، كما لا يقول الحرس إن باب الاتفاق مغلق نهائيا. فالرئيس يدعو إلى اتفاق على أساس المعاملة بالمثل، والحرس يعلن أن المضيق سيفتح عندما تقبل واشنطن شروط طهران.
ولذلك، يتركز التباين في ترتيب الأولويات وطريقة مخاطبة الخارج. يقدم بزشكيان الاتفاق بوصفه وسيلة لتحويل ما تعتبره طهران مكاسب ميدانية إلى تسوية تنهي الحرب، بينما يسعى الحرس إلى منع واشنطن من تفسير الاستعداد للحوار بوصفه استعدادا لتقديم تنازلات مسبقة.
ومع ذلك، تكشف حدة السجال الداخلي وجود اختلاف بشأن توقيت الاتفاق وكلفته السياسية، ومدى الثقة في الولايات المتحدة، وحدود التنازل الممكن في إدارة مضيق هرمز. ويتعرض بزشكيان لانتقادات من تيارات تعتبر التفاوض تفريطا في مكاسب الحرب، في حين يحذر الرئيس من أن الدعوة المستمرة إلى القتال تخدم هدف إسرائيل في إطالة أمد المواجهة.
من يملك الكلمة الأخيرة؟
وفقا للمادة 176 من الدستور الإيراني، يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يحدد السياسات الدفاعية والأمنية وينسق الأنشطة السياسية والعسكرية والاقتصادية المرتبطة بالأمن القومي.
ويضم المجلس رؤساء السلطات وقادة القوات المسلحة أي الجيش والحرس، ووزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات والدفاع وممثلين عن المرشد، لكن قراراته لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المرشد.
كما تمنح المادة 110 المرشد القيادة العليا للقوات المسلحة وصلاحية إعلان الحرب والسلام وتعبئة القوات. وبذلك، لا يملك بزشكيان منفردا قرار التسوية، كما لا يستطيع الحرس وحده تقرير استمرار الحرب أو رفض الاتفاق النهائي.
ويضيف تعيين محسن رضائي -وهو القائد الأسبق للحرس- أمينا لمجلس الأمن القومي وممثلا للمرشد فيه ثقلا عسكريا واضحا إلى مركز صناعة القرار الأمني. لكنه لا ينقل القرار إلى الحرس وحده، إذ يبقى المجلس مؤسسة جماعية يرأسها بزشكيان، وتحتاج قراراتها إلى موافقة المرشد.
