أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (295) أوهام الكنيست في زمن التحولات الكبرى

ما بعد السابع من تشرين الأول: أحزابكم تلعب في الملعب القديم

حامد اغبارية

1)

منذ السابع من تشرين الأول 2023، لم تعد الدولة الإسرائيلية هي ذات الدولة التي كانت قبل ذلك التاريخ. وهذا يشمل كل المستويات: السياسية والعسكرية والشُرَطية والأمنية والاستخبارية والحزبية والشارع. وفي التالي فإنها باتت تتعامل بأدوات مختلفة وبسلوك مختلف وبنظرة مختلفة.

2)

إذا كانت الدولة الإسرائيلية بمؤسساتها المختلفة ومستوياتها المختلفة، قبل السابع من تشرين الأول، تتعامل معنا، كمجتمع فلسطيني في الداخل، وكشعب فلسطيني بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، ومع المحيط العربي بضوابط معينة تحكمها علاقات دولية ببُعد معيّن ومصالح معينة، فإنها الآن تتعامل مع كل شيء بنفس أسلوب عصابات “فتية التلال” في المستوطنات. فنحن أمام دولة أصيبت بلوثة من الجنون الدموي، فشدّت القوس حتى آخره، دون ضوابط، ودون التفات إلى مجتمع دولي، أو حتى دون اهتمام بمواقف الدول، التي كانت قبل ذلك الحدث المزلزل، الظهير القوي الذي يحميها من أعدائها ومن جنونها، ويقدم لها كل الوسائل والأدوات التي تحتاجها دون تحفظ.

3)

نحن أمام دولة نزعت عن وجهها كل الأقنعة، وباتت تتحدث بلغتها الحقيقية، التي لا تتقن غيرها. دولة أصبحت في موقعٍ أبعد من أقصى اليمين المتطرف. ونحن إلى هذه اللحظة، وبعد ثلاث سنوات من الانقلاب في المعادلة، ما زال ينتظرنا ما هو أكبر وأشد قسوة وظُلمة وظُلمًا وبطشًا وتنكيلًا وأذىً. ولعل حالة الجنون الحالية التي نراها الآن هي المرحلة الثالثة من حالات الجنون الأربع: جنون الصدمة، وجنون الإفاقة من الصدمة، وجنون الانتقام الأعمى، ثم أخيرا جنون هدم الهيكل.

4)

أما هنا، في مجتمعنا في الداخل، فما تزال عندنا رؤوس توقف معها الزمن منذ زمن طويل؛ تستخدم نفس الأدوات ونفس وسائل التفكير (التفكير!!)، ونفس الشعارات، ونفس “الاستراتيجية”، ونفس “التكتيك”، ثم تريد أن تحقق ما لم تحققه في السابق! وكأنها أصيبت بالعمى والصمم وفقدان الشعور، فهي لا ترى ولا تسمع ولا تشعر بما يدور حولها.

5)

تتابع جزءا من “حملة” الترويج للأحزاب العربية (العربية!!) السادرة في طريق الكنيست؛ تلك الحملة الممولة من صناديق صهيونية وأمريكية وأوروبية، كما في الحملات السابقة، فتصاب بالغثيان من الضحالة والسطحية، ومن عمى البصيرة، وحجم المأساة التي تعيشها تلك الأحزاب، والتي أدخلت مجتمعنا في جحيمها!!

أحزاب منفصلة عن الواقع تماما، ومتقوقعة داخل واقع افتراضي صنعته لنفسها، فقط، من أجل تحقيق إنجاز واحد، وهو ضمان البقاء في الكنيست أو الوصول إلى الكنيست. فهو الإنجاز الحقيقي الوحيد الذي نجحت في تحقيقه حتى الآن!

أحزاب لا تحسن التعامل مع الواقع الخطير الذي تعيشه المنطقة منذ السابع من تشرين الأول 2023، أو هي لا تريد أن تتعامل مع هذا الواقع، لأن التعامل معه يكشف هشاشتها، وضحالة قدراتها، وحقيقة نواياها وأجنداتها!

6)

في مشهد لا يليق بمن يسعى إلى خدمة مجتمعه، ولا يرتقي إلى مستوى الأحداث والتحولات والتحديات، يحاول رأس أحد الأحزاب تسويق نفسه وحزبه في الشارع اليهودي، في حالة انصهار شبه تام مع متطلبات الظهور في الإعلام العبري والتحدث بلغته، ولا أقصد هنا لغة الحديث وإنما لغة السلوك، من أجل أن يحظى بالقبول والشرعية لدى ذلك الشارع؛ شرعية لم يحظ بها سابقا عندما كانت الأوضاع “أفضل” مما هي عليه الآن، ولن يحظى بها لا اليوم ولا غدا.

7)

في إحدى المقابلات باللغة العبرية في وسيلة إعلام عبرية، وبلكنة عربية لا يحبها ذلك الشارع ولا يطيق سماعها، راح يتحدث عن الاندماج والمشاركة والهمّ الواحد للشارعيْن!! انتبه!! للشارعيْن!! فهو يريد أن يقنع قبيلَهُ بأنه هنا من أجل تمثيل الشارعيْن، وليس لتمثيل مجتمعه الذي أرسله إلى الكنيست ليدافع (هكذا يقولون!!) عن حقوقه المهضومة وقضاياه المنتهكة.

في تلك المقابلة أثار الرجل نقطتين تعكسان حجم الكارثة. الأولى لدى حديثه عن أحداث رمضان 2021 (أحداث هبة الكرامة)، قائلا إنه (وحزبه) نجحا في تحقيق الاندماج بعد تلك الأحداث وفي إصلاح العلاقات (بين الشارعيْن طبعا)!! كيف ذلك؟ متى حدث ذلك؟ أين حدث ذلك؟ من رأى ذلك؟ لا أحد يعرف. لكن ما نعرفه أنه منذ تلك الأحداث بدأت تظهر حالة الجنون التي وصلت ذُروتها عقب أحداث السابع من تشرين الأول. عشرات الشبان الذين اعتقلوا على خلفية الأحداث، وعوقبوا بأحكام بالسجن غير مسبوقة، بعضهم ما يزال في سجنه، ومنهم من ينتظر صدور الحكم بحقه، إضافة إلى عشرات حالات الاعتقال الإداري، والملاحقات السياسية التي وصلت حد عدّ الأنفاس، وليس فقط عدّ الكلمات على صفحات التواصل الاجتماعي!! فكيف حدث الاندماج، وما مدى صحّة هذا الادعاء الذي ليس عليه دليل على أرض الواقع؟!!

8)

أما الثانية فاستشهاده في تلك المقابلة بالمفتش العام السابق للشرطة الإسرائيلية، كوبي شبتاي، الذي قال إن “الوسط العربي تصرف بصورة مثالية” أثناء الأحدث!!

والنِّعِمْ والله!! مِنَّكْ ومِنُّه!!

أيدرك الرجل ما يقول؟! نعم يدرك. فهذا طريق اختاره عن وعي وإدراك وسبق إصرار!

أيدري المعنى الحقيقي “للتصرف بصورة مثالية” عندما يكون المتحدث من المؤسسة الرسمية؟!! نعم يدرك!

أيعلم المعنى الحقيقي لمقولة “العربي الجيد” التي تفوح رائحتها من مقولة شباتي تلك؟!!! نعم، يعلم ونُصّْ!

إلى أين يريد الرجل أن يصل؟! ما هي المحطة الأخيرة التي يريد الوصول إليها؟!! وهل تنظيمه الذي يمثله راض عن هذا النهج؟!! أظن أنه (أي التنظيم) في غاية الرضا، إذ لو كان الأمر غير ذلك، لرأينا وسمعنا وشعرنا!! فالحارة صغيرة، والكل يعرف الكل!

9)

الآن سنرى كيف سيتصرف ذلك الحزب، وسائر الأحزاب (العربية!!) الغارقة في مستنقع الكنيست، إزاء الأصوات القادمة من قادة الأحزاب الصهيونية (ائتلافا ومعارضة، يمينا ووسطا ويسارا) الذين يعبرون صباح مساء عن رفضهم لأي نوع من الشراكة مع المندلقين والمنزلقين!

سنرى ماذا يقولون لآيزنقوط، الذي قال قبل ثلاثة أيام ما يلي: بدون أغلبية يهودية (يقصد في الحكومة القادمة التي يحلم بتشكيلها!) سندعو الحريديم أن يفهموا حجم التحدّي، فإذا لم يفهموا فإننا نفضل إعادة الانتخابات.

هذا الكلام له معنى واحد فقط: أيها الحريديم، أنقذونا من إمكانية أن نضطر، ولو ظاهريا، ولو بلعنا الشفرات والمناجل، للتحالف مع حزب عربي على شكل شراكة في الائتلاف أو توصية أو دعم من الخارج!

إنه يفضل إعادة الانتخابات وتكليف خزينة دولته (دولته هو!! هل تفهمون؟) ملايين الدولارات على أن يتحالف معكم أو يشعر، مجرد شعور، أو يفكر مجرّد تفكير أنه بحاجة إليكم!!

10)

وسنرى كيف ستتصرفون مع شريككم السابق، نفطالي بنط، الذي اضطُّر قبل سنوات إلى ابتلاع كل المناجل، وهو يقول قبل أيام: لن أشارك في حكومة مع حزب آخر لا يقبل دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية، ولا يقبل قيم وثيقة الاستقلال وواجب الخدمة العسكرية- الوطنية- المدنية، مع التركيز على الخدمة العسكرية!! من لا يكون شريكا في الواجبات لن يحصل على ميزانيات للمدارس.

في ظاهره يبدو الكلام موجها للأحزاب الدينية اليهودية الحريدية، ولكنه في حقيقته موجه للجميع، وهذا يشمل المندلقين “الطائشين في كأس شوربة”!

فإن كنتم تقبلون إسرائيل دولة يهودية، وليبرالية منفتحة (عالآخر) بما في ذلك الانفتاح على الشذوذ الجنسي، وتقبلون بقيم وثيقة الاستقلال التي وقّع عليها الذين سبقوكم في شراكة الشارعيْن، وتقبلون بأداء الخدمة العسكرية أو المدنية أو الوطنية (ويفضَّل العسكرية طبعا)، فسوف تحصلون على ميزانيات للمدارس والشوارع والحُفر، مثل الميزانيات التي “حصلتم” عليها “هذيك المرة”! فهنيئا لكم الإنجاز، وهنيئا لكم الشراكة وخدمة الشارعيْن، وهنيئا لكم مكانكم في صفحات التاريخ التي ستذكركم يومًا ما ذِكرًا لا يُشبهُه ذِكر!

11)

وسنرى كيف ستتصرفون عندما يصبح لكم في الكنيست زملاء أسوأ من سموطرتش وبن غفير، من أمثال حزب “إسرائيل يهودية كاملة وقوية”، الذي أسسه باروخ مارزل وميخائيل بن آري، والذي سمح له الشاباك برئاسة رجل نتنياهو، (ديفيد زيني) ومسجِّلة الأحزاب بخوض الانتخابات القادمة! كيف سيكون الموقف مع أيتام مئير كهانا، الذين سيصبح بن غفير وسموطرتش يساريّيْن مقارنة معهم.

أنتم تعرفون (وتحرِفون) أن الدولة الإسرائيلية تسير- بسرعة البرق- من تطرف إلى تطرف أكبر منه، لكنكم لا تريدون رؤية الحقيقة، ذلك أنكم إذا أفقتم من غفلتكم فسوف تخسرون كل شيء! كل شيء!!

12)

ربما تكون وربما لا تكون!

ربما تكون انتخابات للكنيست القادم، وهناك احتمال كبير ألا تكون، لأن سيولة الأحداث وتداعياتها لا تبشر بخير، والمنطقة كلها على شفا انفجار كبير.

وسواء عُقدت تلك الانتخابات أو لم تُعقد، وسواء كان عدم عقدها بتخطيط من نتنياهو وحاشيته، من خلال اختلاق أزمة خارجية جديدة، أو كان عدم عقدها بسبب خروج الأمور في المنطقة عن السيطرة، فإن النتيجة الوحيدة المضمونة هي أن أحزاب الكنيست العربية ستبقى تدور في دائرة السراب، ولن ينالها سوى الخسران والفشل الذريع. وهذا مشهد يثير الشفقة. غير أن الإشفاق ليس عليها، وإنما على تلك الشريحة الكبيرة من مجتمعنا التي تُصدّق في كل مرة نفس الكذبة، وذات الحكاية الخيالية رغم أنها تحفظ تفاصيلها وأحداثها وأسماء أبطالها ونهايتها ظهرا عن قلب.

شريحة كهذه تحتاج إلى علاج عاجل في غرفة العلاج المكثف قبل أن تُغرغر…..

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى