المشترك بين الشيخ كمال الخطيب والصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص

الإعلامي أحمد حازم
اسم “كمال” يعني في اللغة العربية التمام والشمول واكتمال الشيء دون نقصان، ويرمز إلى حسن الخلق وجمال الصفات، كما يعني أداء العمل بأحسن صورة. أما اسم “خطيب”، فهو اسم لأسرة عربية عُرف أجدادها بالخطابة العامة، ولا سيما خطب صلاة الجمعة. كما أن اسم “خطيب” من أجمل الأسماء العربية في قاموس اللغة، ويحمل معنى رائعًا كما كان شائعًا قديمًا، وله أثر بالغ في حامله، فيجعله شخصية متميزة ولامعة وذات قيمة كبيرة بين الناس. ومن ثم، فإن صاحب هذا الاسم يتصف بالتسامح والكرم والشهامة، وهو متفهم للأمور، حكيم، عقلاني، وحريص في كل شيء.
وهذا كله ينطبق على فضيلة الشيخ كمال الخطيب؛ لأن الرجال مواقف، والموقف الوطني الواضح، سواء كان لسياسي أو رجل دين أو أي شخصية اجتماعية، هو الذي يميزه عن غيره في المجتمع.
والشيخ كمال الخطيب، رئيس لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا، هو أحد هؤلاء المتميزين بمواقفهم في مجتمعنا سياسيًا ودينيًا واجتماعيًا. فهذا الشيخ قال بكل شجاعة لإسرائيل: “نحن أبناء الأمة العربية والشعب الفلسطيني، وأبناء الداخل تحديدًا، سنظل نقول لا، وألف مليون لا، لن يكون المسجد إلا الأقصى، ولن يكون حائطه الغربي إلا حائط البراق، وليس المبكى”.
وقد صدر بحق هذا الشيخ مؤخرًا حكم يقضي بخدمة الجمهور مدة تسعة أشهر، بعد إدانته بتهمة “التحريض على الإرهاب والعنف”، على خلفية منشورات نشرها عبر “فيسبوك” وخطبة ألقاها خلال أحداث هبة الكرامة في أيار/مايو 2021 وما أعقبها. صحيح أن هذا الحكم يبقى أخف وطأة من السجن، لكنه، بشكل عام، يُعد حكمًا جائرًا؛ لأن الحكم العادل هو البراءة، ومن أجل ذلك سيستأنف طاقم الدفاع الحكم.
قرار المحكمة هو، في الحقيقة، ضربة موجعة للنيابة، لأن هيئة الدفاع نجحت في إفشال طلب النيابة بفرض عقوبة السجن الفعلي على الشيخ كمال لمدة لا تقل عن ثلاثين شهرًا، معتبرة أن الهدف من ذلك كان “تجريم الخطاب الوطني”. وفي المقابل، تمسكت هيئة الدفاع بموقفها الرافض لأي عقوبة سالبة للحرية، وطالبت بعدم الزج بالشيخ في السجن. وكما قال المحامي حسن جبارين، فقد نجحت هيئة الدفاع في تفنيد بنود لائحة الاتهام، وأكدت أن المنشورات التي حوكم على خلفيتها الشيخ كمال “تندرج في إطار الخطاب الوطني المشروع لجماهيرنا، ولا سيما في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك”.
يبدو بشكل واضح أن قضاة المحكمة الذين أصدروا هذا القرار يجهلون تاريخ هذا الرجل، أو يتجاهلونه. فهم يجهلون أن الشيخ كمال يخدم الجمهور منذ مطلع شبابه، منذ عام 1980، وهذا يعني أنه يخدم شعبه منذ ستة وأربعين عامًا. وفي الوقت الذي “يتبجح” فيه بعض القادة بخدمة الشعب عن طريق الدخول في ائتلاف حكومي، كان هؤلاء في رياض الأطفال، أو في الصف الأول أو الثاني، عندما كان الشيخ كمال لا يترك فرصة إلا ويستغلها لخدمة شعبه والدفاع عنه.
والحكم الذي صدر بحق الشيخ كمال ليس أول حكم ظالم بحقه، فقد سبق أن تعرض لعدة أحكام جائرة، ولا سيما فيما يتعلق بالمسجد الأقصى. فقد منعته سلطات الاحتلال من دخول الأقصى مدة نصف سنة، وجرى تجديد هذا المنع في وقت كانت المحكمة تشهد فيه مواصلة المداولات في التهم الموجهة إليه منذ عام 2021، بزعم التحريض على العنف.
ولم يكن تزامن المشهدين صدفة. فقد أوضح الشيخ كمال الخطيب، في تصريح له حول هذه المستجدات، للجهات الإسرائيلية المعنية قائلًا: “إن كان الإبعاد عن الأقصى ستة أشهر، أو كان استمرار المحكمة منذ خمس سنوات، فلن يثنيني ذلك، ولن يغير من موقفي وقناعاتي مهما كان الثمن، حتى ألقى الله سبحانه وتعالى”.
مواقف الشيخ كمال ثابتة لا يتزحزح عنها قيد أنملة، فهي مواقف المؤمن بوطنه وعقيدته. ومواقف الشيخ كمال تمثل صورة من مواقف الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص في التمسك بالثوابت والمبدأ. فقد كان هذا الصحابي يحب أمه كثيرًا، ويلبي كل طلباتها، لأنها كانت غالية على قلبه، لكنها ظلت مؤمنة بالوثنية بعد أن آمن هو بالإسلام. وقالت له إنها ستمتنع عن الطعام حتى يعود إلى عبادة أصنام اللات والعزى، فكان جوابه الخالد: “لو أن لك مائة روح تخرج الواحدة تلو الأخرى، ما تركت ما أنا عليه، والله أحب إليَّ من حبي لك”.
وإذا كان التاريخ قد تحدث عن ثبات مواقف الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، فإننا نرى التاريخ نفسه يتحدث عن مواقف للشيخ كمال تشبهها في الثبات؛ قوة في الصمود، وقوة في المنطق، حتى ولو كان السيف على الرقبة.
شيخنا الفاضل، إنها كلمة حق يجب أن تُقال: إنك المعلم في شرح موقفك، وأنت تدافع عنه لتجعله مقدسًا، فارضًا احترامه على من لا يؤمن به، وتاركًا له الخيار ليصحح موقفه، وأنت تفند حججه كلمة كلمة، وفقرة فقرة، وعبرة عبرة، والعبرة لمن يعتبر. ولو كان لدى قادة أمة المليار مسلم الموقف نفسه الذي يتبناه الشيخ كمال في التمسك بالمبدأ وعدم التنازل، لما وصلت هذه الأمة إلى ما وصلت إليه من خذلان. وسيبقى الشيخ كمال نموذجًا لرجل الموقف الذي يُحتذى به، في زمن قلَّ فيه أمثاله.
أدام الله الشيخ كمال ليبقى ذخرًا لشعبه وأمته، ورددوا معي قوله: “نحن إلى الفرج أقرب، فأبشروا”.
