حصار غزة .. آثار مدمرة على الحياة والاقتصاد

لا يُقاس حصار غزة بعدد الشاحنات التي تدخل في يوم واحد، ولا بعدد ساعات الكهرباء التي تعود إلى حيّ ما. يُقاس حين تصبح أبسط ضرورات الحياة مشروطة بموافقة قوة الاحتلال، وحين يتحول البحر والحدود والجو إلى جدران تحاصر أكثر من مليوني إنسان. وهذا هو جوهر عبارة تأثيرات حصار غزة مقارنة بذلك، المقارنة لا ينبغي أن تخفف خصوصية غزة، بل أن تكشف حجم نظام السيطرة المفروض عليها وما يتركه من آثار متراكمة في كل بيت.
منذ فرض الاحتلال الإسرائيلي حصاره المشدد على القطاع عام 2006، لم يكن الأمر مجرد قيود أمنية كما يروّج الخطاب الإسرائيلي. كان نظامًا واسعًا للتحكم في حركة الأشخاص والبضائع والوقود والمواد الخام والصادرات والعلاج والسفر. ومع حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر 2023، انتقل الحصار من خنق مزمن للاقتصاد والمجتمع إلى استخدام التجويع والحرمان من الخدمات الأساسية كأدوات ضغط وتدمير جماعي.

مقارنة آثار حصار غزة: أزمة مصممة للاستمرار
تختلف غزة عن كثير من مناطق النزاع لأن الحصار ليس تدبيرًا طارئًا مرتبطًا بمعركة محددة أو فترة قصيرة. إنه بنية سياسية واقتصادية استمرت سنوات طويلة، ثم ترافقت مع جولات قصف متكررة دمّرت ما بقي من قدرة السكان على الصمود. فالمنشأة التي تُهدم لا تُعاد بناؤها بسهولة حين تُمنع مواد البناء أو تُقيّد، والمريض الذي يفقد موعد علاجه لا يستطيع تعويض الوقت الذي ضاع عند الحاجز.
في الحصارات التقليدية، قد تبقى للدولة المحاصرة منافذ سيادية أو قدرة على إدارة مواردها الخارجية. أما غزة، فمنافذها البرية الرئيسية وفضاؤها الجوي ومياهها الإقليمية تخضع للسيطرة الإسرائيلية، بينما ظل معبر رفح، في فترات مختلفة، مقيدًا بفعل ترتيبات سياسية وأمنية لا يملك الغزيون قرارها. لذلك لا يتعلق الأمر بندرة عابرة، بل بحرمان السكان من حقهم في تقرير شروط حياتهم الاقتصادية والإنسانية.
تظهر المقارنة أيضًا أن الاحتلال لا يستهدف سلعة واحدة. القيود تطال الغذاء، لكنها تطال كذلك البذور وقطع الغيار وأجهزة الاتصالات والمواد الطبية والوقود. وحين تتعطل هذه السلسلة، لا تتوقف المشكلة عند رفوف المتاجر. تتعطل المخابز ومحطات ضخ المياه والمستشفيات وسيارات الإسعاف وشبكات الصرف الصحي. هذا الاتساع هو ما يجعل أثر الحصار أشبه بشبكة من الأزمات المتداخلة، لا بحدث منفصل يمكن احتواؤه بإدخال مساعدات محدودة.
من اقتصاد منتج إلى اقتصاد انتظار
قبل الحصار، امتلك قطاع غزة قطاعات زراعية وصناعية وتجارية مرتبطة بأسواق الضفة الغربية والخارج. القيود على التصدير والاستيراد والتنقل أضعفت هذه الروابط تدريجيًا، ودفعت آلاف العمال وأصحاب الورش والمزارعين إلى فقدان مصادر دخلهم. لم يكن المطلوب فقط إفقار العائلات، بل إضعاف قدرة المجتمع على إنتاج غذائه ووظائفه واحتياجاته بنفسه.
هذا الفارق مهم عند مقارنة غزة بأزمات الفقر العادية. الفقر الناتج من سوء إدارة اقتصادية يمكن، نظريًا، التعامل معه بسياسات تشغيل واستثمار وإصلاح. أما في غزة، فإن أي خطة للنمو تصطدم بالتحكم الخارجي في المعابر والطاقة والمواد الخام والتجارة. قد تحصل أسرة على مساعدة غذائية، لكن المساعدة لا تعيد للمزارع أرضه التي لا يستطيع الوصول إليها بأمان، ولا تعيد للصياد مساحة بحرية حُرم منها، ولا تعيد للعامل مصنعه الذي دُمّر أو توقف بسبب غياب الوقود.

ومع اتساع الدمار خلال الحرب، صار الحديث عن التعافي الاقتصادي مرتبطًا أولًا بوقف العدوان ورفع الحصار وفتح المعابر بصورة مستقرة. لا يمكن لمجتمع أن يبني اقتصادًا حقيقيًا بينما تُهدم المدارس والمصانع والمستشفيات، ويُهجّر سكانه مرارًا بين مناطق يقال إنها آمنة ثم تتعرض للقصف.
الغذاء ليس ملف إغاثة فقط
في سياقات إنسانية كثيرة، يكون إدخال الغذاء كافيًا نسبيًا لتخفيف المجاعة. أما غزة فتحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: وصول آمن ومستدام للغذاء، ومياه صالحة للشرب، ووقود لتشغيل الأفران والمضخات، وقدرة للعائلات على شراء ما تحتاجه. لذلك فإن تقليص المساعدات إلى أرقام شاحنات قد يخفي الحقيقة الأشد قسوة: هل تصل المواد إلى الناس فعلًا؟ هل تكفي؟ هل تتكرر بانتظام؟ وهل يستطيع الناس البقاء في المكان الذي تصل إليه المساعدات؟
استخدام التجويع في هذا السياق لا ينفصل عن التهجير والقصف. فالعائلة التي تُجبر على النزوح تفقد مطبخها ومخزونها ووسائل دخلها وشبكات الدعم القريبة منها. وحتى حين تجد طعامًا، تواجه غالبًا نقص المياه والدواء والخصوصية والمأوى. لهذا لا ينبغي التعامل مع الجوع في غزة بوصفه نتيجة جانبية للحرب، بل كأثر مباشر لسياسة الحصار ومنع الإمدادات وتدمير مقومات البقاء.
الصحة والتعليم: آثار تتجاوز لحظة القصف
المستشفى المحاصر لا يعمل بمنطق المستشفى في الظروف الطبيعية. يحتاج إلى كهرباء ثابتة، وقود، أدوية، مستلزمات تعقيم، أجهزة، طواقم قادرة على الوصول، وسيارات إسعاف تتحرك من دون أن تتحول إلى أهداف. عندما تنقص واحدة من هذه العناصر تتراجع القدرة على علاج الجرحى، لكن الخسارة تمتد إلى مرضى الكلى والسرطان والحوامل والأطفال ومن يحتاجون إلى رعاية مزمنة.
المقارنة مع مناطق عانت كوارث طبيعية توضح فارقًا حاسمًا. الكارثة الطبيعية قد تدمر مستشفى، لكن الاستجابة المعتادة تسعى إلى فتح ممرات الإغاثة وإرسال فرق الإنقاذ. في غزة، يصبح إدخال المعدات الطبية نفسها موضع تأخير وتفتيش ومنع، فيما تستمر الهجمات التي تزيد أعداد المحتاجين للعلاج. هذه ليست بيئة إنقاذ عادية، بل بيئة تُستنزف فيها القدرة الطبية بصورة متعمدة ومتواصلة.
أما التعليم، فخسارته لا تظهر في تقرير يومي عن عدد المدارس المدمرة فقط. الطفل الذي ينقطع عن المدرسة ويُهجّر ويعيش تحت القصف يفقد الإحساس بالاستقرار والمساحة الآمنة والنمو الطبيعي. والجامعي الذي تتوقف جامعته يفقد مسارًا مهنيًا كاملًا. إعادة فتح الصفوف لاحقًا ضرورة، لكن معالجة سنوات الفاقد التعليمي والنفسي تتطلب حماية مستمرة وموارد وحرية حركة، لا خيامًا مؤقتة وحدها.
لماذا لا تكفي المقارنات السطحية؟
تُستخدم المقارنات أحيانًا لنزع السياق عن غزة، كأن يقال إن شعوبًا كثيرة عانت الحصار، أو إن الحروب في أماكن أخرى خلّفت دمارًا مماثلًا. المعاناة الإنسانية لا تحتاج إلى مسابقة كي تستحق التضامن، لكن المقارنة الجادة ترفض أيضًا مساواة غير دقيقة بين طرف يملك القوة العسكرية والسيطرة على الحدود، وسكان مدنيين محاصرين لا يملكون موانئ أو مطارات أو جيشًا يحميهم.
كما أن تشبيه غزة بحصار تاريخي ينفع فقط إذا ساعد على فهم المسؤولية القانونية والسياسية، لا إذا حوّل الفلسطينيين إلى أرقام أو استعارات. خصوصية غزة تكمن في اجتماع الاحتلال والحصار الطويل والاستيطان الاستعماري في الأرض الفلسطينية الأوسع، مع تكرار الهجمات العسكرية وفرض واقع يجعل الحياة اليومية رهينة قرار إسرائيلي.
هذا لا يعني أن غزة حالة معزولة عن العالم. بل إن مقارنتها بحصارات وتجارب استعمارية أخرى تبيّن كيف تعمل السيطرة الحديثة: ليس بالجنود وحدهم، بل بالتصاريح وقوائم الممنوعات والتحكم في السعرات والوقود والاتصالات. إنها سلطة تقرر من يدخل ومن يخرج، ومن يتلقى العلاج، ومتى يستطيع الطفل شرب الماء أو العودة إلى صفه.
رفع الحصار هو بداية الاستجابة لا نهايتها
الهدن المؤقتة وإدخال المساعدات العاجلة يمكن أن ينقذا أرواحًا، ولا يجوز التقليل من قيمتها. لكنهما لا يعالجان أصل الأزمة إذا بقيت إسرائيل قادرة على إغلاق المعابر أو خفض تدفق الوقود أو منع إعادة الإعمار. المطلوب ليس إدارة بؤس غزة بكفاءة أكبر، بل إنهاء النظام الذي ينتج هذا البؤس.
تحتاج غزة إلى وصول إنساني غير مشروط، وحماية للمدنيين، وإعادة بناء تحت إدارة فلسطينية، وحرية تنقل وعلاج وتجارة، ومحاسبة على الجرائم المرتكبة بحق سكانها. وهذه المطالب ليست امتيازات سياسية، بل شروط الحد الأدنى لحياة قابلة للاستمرار.
حين نقرأ أرقام الجوع والدمار والنزوح، يجب ألا نسمح لها بأن تُطبع في الوعي كأخبار متكررة. كل رقم يحمل اسمًا وبيتًا وذاكرة ومستقبلًا مهددًا. والواجب الأخلاقي والسياسي يبدأ بالإصرار على رؤية غزة كما هي: شعب محاصر يطالب بحقه في الحياة والحرية والكرامة، لا ملفًا إنسانيًا قابلًا للتأجيل.
