أخبار رئيسية إضافيةمقالات

تراجع مكانة الناصرة السياسية والاقتصادية.. من المسؤول؟!

ساهر غزاوي

 لا نبالغ إن قلنا إن معظم أهل مدينة الناصرة ومعهم الأهل من سكان القرى المجاورة لم يعودوا يخشون كثيرًا “أزمة السير” في شوارع الناصرة التي كانت في مرحلة ما هي الميزة الأبرز للمدينة، كما لم يعد يشغلهم كثيرًا البحث عن طرق فرعية في الحارات والأزقة الضيقة لتجنب الاختناقات المرورية في الشارع الرئيس الذي يمتد من منطقة “الخانوق” شمالًا إلى منطقة “أم واصف” جنوبًا، إلا من فوضى يفتعلها بعض السائقين بركن سياراتهم في منتصف الشارع وفي أماكن غير قانونية، وهذا قليلًا ما يحدث في ظل الخشية من تحرير مخالفات السير الشرطية، وبالمناسبة هذا عامل إيجابي ومساعد، ويا ليت الشرطة تقوم بواجبها ولا تتقاعس بمكافحة الجريمة المنظمة والعنف كما “تُبدع” بتحرير المخالفات بحجة تطبيق قوانين السير.

ربما تعود الأسباب المذكورة أعلاه إلى المشاريع التي نفذتها إدارة البلدية الحالية التي تقول إنها منذ تسملها البلدية قبل عشر سنوات وحتى اليوم (2013-2023) عملت على وضع حد للاختناقات المرورية، وربما لا تعود. لكن تبقى هذه الصورة منقوصة وغير مكتملة الجوانب حين نسلط الضوء على جوانب أخرى أكثر أهمية من ادّعاء إدارة البلدية الحالية المذكور، وأهمها، تراجع مكانة ومركزية الناصرة كمدينة كانت تشغل مكانة كبيرة في أوساط النُخب والجماهير العربية في طول البلاد وعرضها، لا سيّما والناصرة تعتبر العصب الرئيس لمجتمعنا الفلسطيني في الداخل وتعتبر مركزا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ومركزا حضريا في المنطقة.

شكَّلت مدينة الناصرة على مدار مراحل تاريخية مختلفة أهمية بالغة لمركزيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية كذلك، كونها مدينة البشارة وقد اكتسبت شهرتها بعد ميلاد النبي عيسى عليه السلام من ناحية ومن ناحية أخرى تضم مساجد ومقامات إسلامية جعلها تجمع بين الوجهين (الإسلامي والمسيحي)، وكون المدينة تجمع الكثيرين من أبناء شعبنا ممن انتقلوا إليها عبر السنين بكثافة مختلفة بين الفنية والأخرى لأسباب كثيرة وعديدة، وكانت الناصرة بمثابة بوتقة لصهر الأفراد في مجتمع واحد، إلى جانب أنها كانت مجمعًا للهجرة الثقافية والعلمية من القرى المحيطة بها وذلك لتوفر العمل نسبيًا للمثقفين فيها. أما الهجرة الكبرى فحدثت بعد سنة 1948 وإنشاء الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين، أصبحت الناصرة هي المدينة العربية الوحيدة، لذلك استقطبت الكثيرين وجذبت العديد من الزائرين إليها لقضاء الحاجات المختلفة والمتنوعة، بحسب ما تذكره الكاتبة النصراوية سهام فاهوم في كتابها (تحديات تغيرات وتحولات في تاريخ الناصرة: العلاقات الإسلامية المسيحية).

في الإطار، تذكر المصادر التاريخية أن الناصرة كانت تشكل أهمية بالغة بالنسبة للقائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، فبعد كسره لجيوش الصليبيين في معركة حطين، جاء إلى الناصرة وطرد الفرنج منها، ولكنه لم يمس كنائسها بأذى ولم يهدم بيوتها، فقد أصدر أمرًا سنة 1192 بإقامة كهنة وشماسة من الوطنيين في الناصرة، وهذا الأمر لم يكن مألوفا في ذلك الوقت. ومع نهاية القرن التاسع عشر، حصلت الناصرة- في الفترة العثمانية- على مكانة قانونيّة كمدينة (1877)، وعملت كمدينة مركزية أَمّها سكان المنطقة لتأمين حاجاتهم اليومية وللحصول على خدمات الصحة والتعليم وغيرها.

إنّ المسؤولية عن تراجع مكانة الناصرة ومركزيتها السياسية اليوم تتحمل الإدارة الحالية جزءا ليس باليسير منها، فمن ناحية المركزية السياسية فقد انتهجت الإدارة الحالية سياسة سادها حالة من الفتور والتي وصلت في أحيان كثيرة إلى حد القطيعة والتباعد بينها وبين معظم الحراكات والنشاطات السياسية على الصعيدين المحلي والقطري، تحت ذرائع ومسوغات غير منطقية وبعيدة كل البعد عن الهمّ الجماعي العام وقضايانا المصيرية. مع أهمية الإشارة هنا إلى أن توافد آلاف الجماهير العربية إلى الناصرة للمشاركة في المظاهرات القطرية الجبارة كانت تنعش الحركة الاقتصادية والشرائية التي تصب في صالح الكثير من المحال التجارية في المدينة، وهذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى تفصيل أكثر، ولعل ذلك يكون في موضع آخر.

لذا، لم يعد يجد نفعًا التغني بأن الناصرة (عاصمة الجماهير العربية) و (القلعة الوطنية)، فقد استحقت مدينة سخنين هذا اللقب بجدارة وغدت بحق القلعة الوطنية الشامخة التي تفتح منذ سنوات أبوابها بسخاء وتستقبل بكل رحابة صدر النشاطات والفعاليات السياسية القطرية المشتبكة مع قضايانا الوطنية وهمنا الجماعي الفلسطيني.

أمّا من ناحية مركزية الناصرة الاقتصادية، فبالرغم من مرور عشر سنوات على تسلم الإدارة الحالية لزمام الأمور في بلدية الناصرة، إلا أنها لا تتحمل وحدها المسؤولية الكاملة لهذا التراجع، مع أنه كان بالإمكان العمل على تغيير الوضع الاقتصادي إلى الأفضل قدر الإمكان خلال تلك السنوات، لكن الجزء الأكبر من المسؤولية تتحمله سياسة الإدارة السابقة التي تحت أسماء مشاريع التطوير وغيرها ساهمت في تدمير الحركة الاقتصادية والتجارية حتى صارت تبدو المحال والمراكز التجارية “شبه خالية” ليس في الأيام العادية فقط، إنما عشية الأعياد والمناسبات الإسلامية والمسيحية طوال العام.

لقد كان سوق الناصرة يعجّ بالحياة ويأتيه الناس من معظم القرى المحيطة ويشهد إلى جانب المحال والمراكز التجارية في مركز المدينة حركة اقتصادية وتجارية نشطة، وقد استغرق فترة زمنية طويلة العمل على مشروع “الناصرة 2000” الذي تم تسويقه في حينه على أنه مشروع تطوير وتعزيز للتنمية الاقتصادية في الناصرة، جعل الزبائن المعتادين يملّون من انتظار عودة السوق، وجعل التجار يخسرون الكثير، بالإضافة إلى أن عائلات كثيرة من السوق هجرت وخرجت منه وباعت بيوتها أو تركتها فارغة، بالإضافة إلى أنه لم تعد هناك إمكانية لدخول سيارة إلى السوق، أو لبناء بيت جديد، كما أن مواقف السيارات شبه معدومة في محيطه، وهذا يعود دون أدنى شك إلى سياسة إدارة البلدية السابقة التي راكمت عبر سنوات طويلة هذا التراجع دون أن تعمل إدارة البلدية الحالية على تغييره إلى الآن.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى