أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرعرب ودولي

هل تدفع هجمات الحوثيين السعودية والإمارات إلى تجاوز خلافاتهما وإحياء التعاون مجددا؟

تدفع التهديدات الأمنية المتصاعدة في منطقة الخليج، وما تفرضه من تحديات على أمن الدول واستقرار اقتصاداتها، نحو إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الإقليمية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنسيق الجهود لمواجهة هجمات جماعة أنصار الله الحوثي واحتواء التوترات المرتبطة بإيران.

وفي ظل سعي السعودية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وحشد الدعم الإقليمي والدولي لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، تبرز مؤشرات على تحرك سعودي-إماراتي لتجاوز الخلافات السابقة، رغم استمرار التباينات بين البلدين بشأن عدد من الملفات الإقليمية.

ونشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أشارت فيه إلى أن السعودية تبحث عن مسار لإصلاح علاقاتها المتأزمة مع الإمارات، بالتزامن مع محاولاتها مواجهة تصاعد هجمات الحوثيين.

ويأتي هذا التقارب بين القوتين الخليجيتين في وقت تحصل فيه الرياض على مزيد من الدعم من شركاء دوليين، بينهم فرنسا وبريطانيا وتركيا وباكستان ومصر، في مواجهة أحدث حملة هجمات يشنها الحوثيون، بينما تمتنع واشنطن، الحليف التقليدي للمملكة، عن الانضمام إلى القتال.

وفي أحدث مؤشرات التقارب بين الرياض وأبوظبي، التقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد، شقيق ولي العهد محمد بن سلمان، رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي يوم 18 تشرين الأول/ أكتوبر، في أحدث اتصال رفيع المستوى بين الجانبين.

وسبق هذا اللقاء اجتماع جمع نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، شقيق الشيخ محمد بن زايد، بالأمير محمد بن سلمان في الرياض الشهر الماضي، في أول لقاء رسمي بين العائلتين الحاكمتين في الخليج منذ خلافهما بشأن اليمن في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

وفي إطار التحركات الدبلوماسية الموازية، سافر الأمير خالد، برفقة ممثلين بارزين من تركيا وباكستان، إلى إيران لإجراء محادثات أمس الاثنين، في أحدث مسعى لتهدئة التوترات في المنطقة. كما واصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لقاءاته مع نظيره الإماراتي الأسبوع الماضي، حيث بحث الجانبان أفضل السبل “للمساهمة في خفض التصعيد” و”منع تفاقم التوترات”، وفقا لما أعلنته المملكة.

وتعكس هذه الاتصالات إدراكا مشتركا لحجم التهديدات الأمنية، إذ نقلت الصحيفة عن المحلل الإماراتي عبد الخالق عبدالله قوله إن البلدين يدركان أن الحوثيين يمثلون “خطرا داهما على أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج”.

من جانبه، قال محمد بحرون، مدير مركز “بحوث” في دبي، إن الجهود الحالية تركز على احتواء تداعيات الأزمة والتركيز على الأهداف الاستراتيجية المشتركة، معتبرا أنها قد تمثل محاولة جادة لإحياء مفهوم “الأمن الجماعي” الذي تضرر بشدة خلال العدوان الإيراني.

وأضاف بحرون أن هذا التوجه قد لا ينعكس بالضرورة من خلال “الانضمام مجددا” إلى التحالف اليمني، بل ربما عبر تفعيل درع شبه الجزيرة الخليجي للدفاع عن السعودية، في إشارة إلى القوة العسكرية الإقليمية المشتركة التي سبق نشرها خلال حروب الخليج.

وتزامنت هذه التحركات مع تراجع حدة الخطاب المتبادل بين شخصيات من البلدين، بعدما هيمنت التصريحات الحادة على وسائل التواصل الاجتماعي منذ بداية العام، في مؤشر على اتجاه نحو تخفيف التوتر وإعادة فتح قنوات الحوار بين الرياض وأبوظبي.

وفي تقديره لحدود هذا التقارب، قال إياد الرفاعي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، إن السعودية والإمارات قد تتوصلان إلى اتفاق بشأن كيفية مواجهة الحوثيين في اليمن، نظرا إلى إدراكهما وجود تهديد مشترك مصدره إيران ووكلاؤها، لكنه أشار إلى أن التباين في تقدير التهديدات بين البلدين لا يزال كبيرا، مضيفا: “نحن ننظر إلى جانب تكتيكي لا استراتيجي أو واسع النطاق”.

وتتزامن هذه المساعي مع تصاعد الضغوط الأمنية على السعودية، التي تسعى إلى الحصول على مساعدات لحماية أجوائها وبنيتها التحتية النفطية، بعد هجمات حوثية عنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصا، وأجبرت مطار العاصمة الدولي على الإغلاق، واستهدفت منشآت الطاقة.

ولا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الجانب الأمني، إذ يهدد تصاعد التوتر في منطقة الخليج بتقويض ثقة المستثمرين في اقتصادات الدول المعتمدة على النفط والتصدير، والتي لا تزال تواجه القيود الإيرانية على الملاحة عبر مضيق هرمز، فضلا عن هجمات الحوثيين على ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها المملكة، واصل الحوثيون تكثيف الضغط عليها خلال الأيام القليلة الماضية، ما أجبر الرياض على إلغاء مؤتمرها الاستثماري الرئيسي المعروف باسم “دافوس الصحراء”.

وفي سياق الدعوات إلى احتواء الانقسامات الخليجية، وجه حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نداء نادرا للوحدة بين دول المنطقة الأسبوع الماضي، عبر رسالة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي إلى “أبناء الخليج”، استحضر فيها الروابط التاريخية المشتركة، وحث مواطني المنطقة على تجاوز الانقسامات على منصات التواصل الاجتماعي.

وتخشى الرياض وأبوظبي من تنامي نفوذ حليف لإيران في شبه الجزيرة العربية، غير أن مسار علاقاتهما لا يزال متأثرا بالخلافات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، ولا سيما بشأن اليمن.

فقد شاركت الإمارات إلى جانب السعودية في اليمن منذ عام 2015، حيث نشرت قواتها ودربت فصائل مناهضة للحوثيين في جنوب البلاد. لكن أبوظبي سحبت معظم قواتها عام 2019، ما أسهم في توتر العلاقات مع حليفتها العسكرية السابقة، السعودية.

وازدادت الخلافات حدة أواخر العام الماضي، عندما سيطر فصيل يمني انفصالي مدعوم من الإمارات على أراض في محافظات متاخمة للسعودية، الأمر الذي أثار قلق الرياض.

وردت المملكة بقصف شحنة أسلحة إماراتية في ميناء يمني، واتهمت الإمارات بدعم هجوم الفصيل اليمني، قبل أن يُطلب من أبوظبي الانسحاب من اليمن بعد ذلك بوقت قصير.

وفي توصيفه لمسار العلاقات بين البلدين، وصف المحلل الإماراتي عبد الله عامي عامي 2025 و2026 بأنهما “أصعب فترة” في العلاقات السعودية-الإماراتية، مشيرا إلى أن الخلافات المتعلقة باليمن، وخصوصا جنوبه، دفعت العلاقات إلى أدنى مستوياتها. لكنه أضاف أن البلدين يدخلان حاليا “مرحلة جديدة” تركز على الحوار بين الرياض وأبوظبي.

وأوضح عامي أن خلافات أخرى لا تزال قائمة بين الجانبين، تشمل سياسة النفط والحرب في السودان، مشيرا إلى أن الإمارات ليست مستعدة لإعادة استثمار مواردها في اليمن.

وأضاف أن هناك اعتقادا راسخا في أبوظبي وعواصم أخرى بأنه لا يوجد حل عسكري للمعضلة اليمنية.

وفي ظل هذه الخلافات، قد تتمكن السعودية من الحصول على مساعدات دفاعية من شركائها، لكن عددا قليلا منهم يبدو مستعدا للانجرار إلى حرب أهلية مستمرة منذ 12 عاما. وفي هذا السياق، قال كريستيان أولريشسن، زميل شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر بجامعة رايس، إن احتمال إرسال أعداد كبيرة من القوات البرية لمواجهة خصم متشدد ومتحصن في المعركة، ضمن تضاريس صعبة، ليس أمرا جذابا.

وعلى الرغم من رفض واشنطن شن ضربات جوية على الحوثيين، أعلنت تركيا وباكستان عرض مساعدات دفاعية على السعودية، بعد توقيعهما اتفاقية دفاعية معها في مكة خلال آب/أغسطس، وإن لم تتضح طبيعة هذه المساعدات بصورة محددة.

وفي هذا الإطار، كانت باكستان قد نشرت بالفعل طائرات مقاتلة ومعدات دفاع جوي أخرى في السعودية خلال نيسان/أبريل، بموجب اتفاقية دفاع ثنائية قائمة، عندما كانت إيران تشن هجمات على المملكة.

أما تركيا، فلم يصادق برلمانها بعد على اتفاق مكة، ما يعني أنها لا تستطيع نشر قوات بموجبه، لكنها أعلنت عرض تقديم مساعدات فنية للسعودية.

وبالتوازي مع ذلك، أعلنت بريطانيا الأسبوع الماضي، بوصفها أحدث حليف يعلن عن مساعدات دفاعية، إرسال طائرات مقاتلة للمساعدة في حماية المدن السعودية والبنية التحتية. كما تعهدت فرنسا بتقديم مساعدة عسكرية لحماية منشآت الطاقة السعودية، من دون تحديد تفاصيلها.

وامتد التنسيق إلى المستوى الدبلوماسي، إذ اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يوم الجمعة مع نظرائهم الأوروبيين من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، في إطار الجهود الرامية إلى التعامل مع الأزمة.

وفي ما يتعلق بالموقف المصري، تعهد عبد الفتاح السيسي بإرسال قوات للدفاع عن السعودية “إذا طلب ذلك”، رغم تأجيل تصويت البرلمان الذي كان متوقعا أن يوافق على نشر القوات حتى هذا الأسبوع، من دون تفسير، وأكد السيسي أن أي دور عسكري مصري سيكون دفاعيا، و”لن يشمل الهجوم على اليمن”.

وفي قراءته لحسابات القاهرة، قال مايكل وحيد حنا، رئيس البرنامج الأمريكي في مجموعة الأزمات الدولية ببروكسل، إن قرار إرسال القوات يمثل خطوة كبيرة لمصر، لأنه يمس خطا أحمر طال أمده، مشيرا إلى أن القاهرة تتحفظ بشدة على نشر قواتها في الخارج.

وتستند هذه التحفظات إلى تجربة تاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة المصرية، تعود إلى عام 1962، عندما أُرسل الجيش المصري إلى اليمن لدعم الضباط الجمهوريين الذين أطاحوا بالنظام الملكي، وقد تورطت القوات المصرية لمدة خمس سنوات في حرب أهلية ضد الملكيين المدعومين من السعودية، وتكبدت خسائر فادحة في الأرواح.

وعلى خلفية تلك التجربة، رفضت القاهرة الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن عام 2015.

ومع ذلك، قال السيسي هذا الشهر إن مصر مدينة لدول الخليج بالدعم المالي الذي قدمته لها عام 2013، عقب الانقلاب الذي أطاح بحكم الرئيس الشهيد محمد مرسي.

وتشكل المصالح الاقتصادية عاملا إضافيا في حسابات القاهرة، إذ تعد السعودية مستثمرا مهما في الاقتصاد المصري المثقل بالديون، وتدعم احتياطيات البنك المركزي المصري بودائع تبلغ قيمتها 10.3 مليار دولار. كما تمثل التحويلات المالية لما لا يقل عن 1.25 مليون عامل مصري في السعودية موردا حيويا لتوافر العملات الأجنبية.

ولا تقتصر المصالح المصرية على الجانب الاقتصادي، إذ تسعى القاهرة أيضا إلى ضمان حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب، حيث يهاجم الحوثيون السفن، ما يؤدي إلى انخفاض إيرادات قناة السويس المصرية.

وفي سياق التباينات الإقليمية، أثارت القاهرة غضب الإمارات في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، عندما سعت إلى التوسط لوقف الحرب. ورأت أبوظبي أن هذا الموقف يساوي بينها وبين طهران، التي أمطرتها بالصواريخ والطائرات المسيرة.

ولاحتواء التوتر مع الإمارات، نشرت مصر سربا من الطائرات المقاتلة في الأراضي الإماراتية في وقت سابق من العام الجاري، لكن لم تتوافر معلومات عن طبيعة دوره منذ الإعلان عن وجوده في أيار/مايو.

وفي هذا الصدد، قال إتش إيه هيلير، الزميل المشارك الكبير في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إن القاهرة تتوخى الحذر الشديد، لكنه أضاف أنه لا يعتقد أن المسؤولين المصريين يرون أن بإمكانهم تجاهل هذه المشكلة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى