أخبار رئيسيةدين ودنيامقالات

هم القوم لا يشقى جليسهم

ليست كل المجالس سواء، ولا كل الصحبة سواء، ولا كل إنسان تجلس إليه يترك في قلبك الأثر نفسه. فهناك مجالس تخرج منها كما دخلت، لا زادًا حملت ولا نورًا اكتسبت، وهناك مجالس تدخلها مثقلًا، فتخرج منها وقلبك أخف، ونفسك أصفى، وهمتك أعلى، وإيمانك أقوى.

ومن أجمل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف مجالس الذكر وأهلها، ما رواه البخاري ومسلم: “هم القوم لا يشقى بهم جليسهم”.

يا لها من كلمة! لم يقل: “هم القوم لا يشقى منهم جليسهم”، وإنما قال: “لا يشقى بهم جليسهم”. حتى من جلس معهم وليس منهم، وأصغى إلى ذكرهم وليس من أهل الذكر، وحضر مجلسهم وليس من خاصتهم، ناله من الخير نصيب، وأصابته من الرحمة نفحة، وأدركه من بركة المجلس شيء.

فأي صحبة تلك التي لا يخسر صاحبها؟! إن الإنسان ابن مجالسه، وأسير صحبته؛ يتسلل إليه أثر من يجالسهم من حيث لا يشعر. قد يجلس مع قوم فيضحك من كلامهم، ثم بعد أيام يردد ألفاظهم، ثم بعد أشهر يتبنى أفكارهم، ثم لا يلبث أن يصبح واحدًا منهم.

فالقلوب تتشرب، والنفوس تتأثر، والأخلاق معدية، والطباع تنتقل. ولهذا، لم يكن اختيار الصحبة في الإسلام أمرًا هامشيًا، بل كان قضية إيمان وتربية ومصير.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.

تأمل: “واصبر نفسك”. كأن النفس أحيانًا تريد أن تذهب إلى حيث المتعة السريعة، والضحكة العابرة، والحديث الفارغ، فيأتي القرآن ليقول لك: الزم هؤلاء، واصبر نفسك معهم، فإن في صحبتهم حياة لقلبك.

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية! في زمن أصبحت فيه الصحبة لا تحتاج إلى باب يُطرق ولا مجلس يُقصد. قد يفتح الإنسان هاتفه، فيدخل في صحبة مئات الأشخاص، ويعيش معهم ساعات كل يوم، ويسمع كلامهم، ويتأثر بأفكارهم، ويقلد أساليبهم، وربما أحبهم وهو لا يعرفهم!
فليست الصحبة فقط من تجلس معه على المقعد، بل من تسمح له أن يجلس في قلبك وعقلك.

ولهذا، اسأل نفسك بصدق: من الذين أسمح لهم بأن يؤثروا فيّ؟ من الذين أستمع إليهم باستمرار؟ من الذين إذا تكلموا صدقتهم، وإذا غضبوا غضبت، وإذا فرحوا فرحت، وإذا استخفوا بشيء استخففت به؟

فإن أردت أن تعرف مستقبلك، فانظر إلى مجالسك. وإن أردت أن تعرف حال قلبك، فانظر إلى من تحب أن تجالس. وإن أردت أن تعرف إلى أين تسير، فانظر إلى القوم الذين تمشي معهم.

ليس المطلوب أن تعتزل الناس، ولا أن تعيش في جزيرة بعيدة عن الخلق، وإنما المطلوب أن تعرف من يصنعون فيك الخير، ومن يسرقون منك إيمانك وأنت تبتسم.

هناك قوم إذا جلست بينهم ذكّروك بالله دون أن يعظوك، وإذا رأوك غافلًا أعادوك، وإذا ضعفت شجعوك، وإذا أخطأت نصحوك، وإذا نجحت لم يحسدوك، وإذا غبت حفظوك، وإذا حضرت أكرموك.

هؤلاء هم الذين ينبغي أن تتمسك بهم. فإن لم تستطع أن تكون مثلهم، فلا أقل من أن تكون جليسًا لهم.

اجلس مع أهل القرآن، يرقّ قلبك. اجلس مع أهل العلم، يتسع عقلك. اجلس مع أهل الهمة، تكبر أهدافك. اجلس مع أهل الصلاح، تستحي أن تعصي الله. اجلس مع أهل الدعوة، تشعر أن للدين قضية في عنقك. واجلس مع من إذا خرجت من مجلسه قلت: ينبغي أن أكون أفضل مما أنا عليه.

تلك هي الصحبة التي لا تشقى بها. وقد يكون أعظم ما تمنحه لصديقك ليس مالًا ولا هدية، وإنما مجلسًا يأخذ بيده إلى الله. وقد تكون أنت ذلك الجليس الذي لا يشقى به جليسه. فلا تحتقر أثر حضورك في حياة الآخرين. ربما كلمة قلتها أيقظت قلبًا، وربما موقف رأوك عليه جعل شابًا يعيد حساباته، وربما ثباتك على طاعة الله جعل إنسانًا يصدق أن الاستقامة ممكنة.

فكن من “القوم” الذين إذا جالسهم الناس لم يخرجوا كما دخلوا. كن ممن تذكّر رؤيتهم بالله، ويذكّر حديثهم بالله، وتدعو أفعالهم إلى الله. فالناس لا تحتاج فقط إلى من يتحدث عن الخير، بل تحتاج إلى من تراه حيًا يمشي على الأرض.

وفي النهاية، سيأتي يوم تنتهي فيه كل المجالس، وتنقطع فيه كل الصحب، ويبقى أثرها. فاختر اليوم المجلس الذي تحب أن يكون شاهدًا لك غدًا. اختر قومًا إذا جلست بينهم ارتفع قلبك، وإذا فارقتهم اشتقت إليهم، وإذا ذكرتهم دعوت لهم. وكن واحدًا منهم. فربما لم تكن من كبار الصالحين، ولكنك جلست مع الصالحين. وربما لم تبلغ منزلتهم، ولكنك أحببتهم. وربما لم تستطع أن تكون مثلهم، ولكنك حرصت على ألا تفارق مجالسهم.

ولعلها تكون لك يومًا من أعظم أبواب الرحمة: هم القوم… لا يشقى بهم جليسهم.

ورحم الله الإمام الشافعي، إذ لخّص وعبّر عن المعاني التي يحملها هذا المقال، فقال:
أحبُّ الصالحين ولستُ منهمُ
وأرجو أن أنالَ بهم شفاعةْ
وأكرهُ مَن تجارتُه المعاصي
وإن كنّا سواءً في البضاعةْ

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى