ثلاث سنوات على الحرب التي هزّت العالم

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الأخيرة أحداثًا اهتزّت لها عقول العالم، وانقلبت فيها مخططات، وسقطت أنظمة ومشاريع، وتغيّرت سرديات كانت عصيّة على التغيير. الحكاية بدأت من غزة، وامتدّت نيرانها إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، حتى إن العالم لا يزال يعاني من تداعياتها.
فهل كان ما حصل مجرد حدث عابر، أم يمكن اعتباره الشرارة التي أشعلت المنطقة التي كانت قاعدة على جمر؟ اسمعوا الحكاية من البداية إلى النهاية:
لم يتوقع أحد، حتى إسرائيل نفسها، ظهور شاب فلسطيني من غزة، ويدعو إلى مؤتمر صحافي في غزة. يتحدى إسرائيل بلغة لم تسمعها من قبل، بقوله: “أنا يحيى السنوار، أتحدث إليكم على الهواء مباشرة. سأخرج من هنا بعد ربع ساعة، وسأسلك الدرب إلى بيتي مشيًا على الأقدام. أتحداكم أن ترسلوا طائرة لقتلي، ولن يرمش لي جفن”.
هذه العبارة الشهيرة قالها رئيس حركة حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، خلال مؤتمر صحافي علني عُقد في غزة في مايو 2021، وذلك بعد انتهاء جولة من التصعيد العسكري بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل (معركة سيف القدس). خلال ذلك المؤتمر، تحدّى السنوار وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك، (بيني غانتس)، وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تهدد باغتياله، وأعلن بوضوح أنه سيعود إلى منزله مشيًا على الأقدام دون حراسة مشددة.
وبالفعل، انتشرت عقب المؤتمر مقاطع فيديو توثّق تجوّله في شوارع غزة ومصافحته للمواطنين.
وفي السابع من شهر أكتوبر عام 2023، شهدت إسرائيل يومًا قاسيا جدا، أدخل العالم في ارتباك لا يزال إلى اليوم. قبل ثلاث سنوات، أشعل يحيى السنوار الصاعق، وقلب الطاولات رأسًا على عقب. فكانت لذلك عواقب متوقعة.
لقد جُرّفت غزة، وقُتل وجُرح مئات الآلاف من الغزيين، وقُتل حسن نصر الله وقادة آخرون من الصف الأول سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا. وخلال السنوات الثلاث الماضية، هرب “أسد سوريا” تحت جنح الظلام إلى روسيا، وبعدها اغتالت إسرائيل المرشد الإيراني خامنئي.
الطوفان جرف معه كل شيء، وهزّ العالم بأسره، وتسارعت الأحداث والتداعيات، ودخل النظام الدولي بأكمله مرحلة فوضى وعدم استقرار، بعد انهيار كامل وشامل لكل الأساسات العميقة التي ترسّخت على مدى عقود طويلة.
يرى محللون أن السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بصورة يصعب تجاهلها.
ومع الذكرى الثالثة لحرب الإبادة على غزة، يعيش قطاع غزة هدنة هشة منذ أشهر، ولا يزال سكان غزة يعانون من ظروف إنسانية ومعيشية بالغة السوء، ولا تزال رائحة الموت تفوح من أطنان الركام التي تملأ القطاع. فيما امتدت الحرب إلى سوريا وإيران واليمن ولبنان.
ثلاث سنوات مرّت على 7 أكتوبر، لكن تداعيات ذلك اليوم لا تزال تعيد رسم المشهد في غزة والمنطقة. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: أين تقف القضية الفلسطينية اليوم؟ ماذا تغيّر داخل حماس وبعد السنوار؟ وكيف انعكست الحرب على موازين القوى والحسابات الجيوسياسية بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر؟
يرى الباحث التونسي البشير عبيد، في تحليل له، أن القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر أمام مرحلة مفصلية؛ لأن معطيات كثيرة تغيّرت، لكن جوهر الصراع لم يتغيّر: أرض محتلة، وشعب يبحث عن حريته وحقوقه، ودولة إسرائيلية تمتلك قوة عسكرية كبيرة، لكنها لم تستطع بالقوة وحدها أن تنهي الصراع.
الباحث التونسي على حق في رؤيته لما يجري، خصوصًا أنه يقول في مكان آخر من تحليله إن التاريخ أثبت أن الحروب لا تستطيع وحدها صناعة السلام، وإن اللحظة الراهنة تفرض على الأطراف الإقليمية والدولية البحث عن صيغة جديدة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتفتح الطريق أمام حل سياسي عادل.
