انتزاع الأمل من بين الركام.. الغزيون يحاولون إعادة بناء حياتهم وسط الأنقاض

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا يكشف حياة الفلسطينيين في ظل آثار الحرب والأنقاض والركام والدمار المنتشر في غزة.
وقال التقرير، إن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أدى، ظاهريا، إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت عقب هجمات أكتوبر.
ونقل التقرير شهادات من مواطنين غزيين، تروي معاناتهم في ظل تداعيات الحرب والدمار الذي حل بالمدينة.
وفيما يلي نص التقريٍر:
وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أدى، ظاهريا، إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت عقب هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بقيادة حركة حماس.
ومع ذلك، وبعد مرور عام، لم تتوقف الضربات الإسرائيلية، وإن كانت وتيرتها أقل حدة. فقد قُتل أكثر من 1400 شخص في غزة منذ توقيع الهدنة، وفقا لمسؤولي الصحة المحليين، بينما تؤكد إسرائيل أنها لا تزال تستهدف مسلحي حماس.
يحاول الفلسطينيون في غزة إعادة بناء حياتهم واستعادة سبل عيشهم، ساعين لانتزاع قدر من الحياة الطبيعية من بين الأنقاض؛ فالبعض يحاول إعادة البناء باستخدام أي مواد يمكنهم العثور عليها أو جمعها، بينما يسعى آخرون لإحياء أعمالهم التجارية أو إطلاق مشاريع جديدة.
لقد طغى الموت والدمار على حياتهم طوال ثلاث سنوات، لكن القنابل والجوع والنزوح لم تمحُ تطلعاتهم نحو مستقبل أفضل.
كان جعفر عطا الله (28 عاما) يكسب عيشه في مصنع عائلته الذي ينتج الأواني والمزهريات الفخارية من رواسب الطين الغنية القريبة من منزله في منطقة “الواحة” شمال قطاع غزة. ونظرا لأن منزله سُوّي بالأرض خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية، فقد أعاد عطا الله وعائلته تأسيس عملهم في بلدة “الزوايدة” بوسط غزة.
ولأغراض السكن، بنى عطا الله مسكنا متواضعا من الطوب الأحمر الذي أعده في فرنهم الخاص. ورغم أنهم لم يعودوا يمتلكون الآلات الثقيلة اللازمة لاستخراج الطين من الأرض، إلا أن لديهم بديلا لا يقل كفاءة، على حد قوله.
يقول عطا الله: “نذهب إلى حفرة خلّفها قصف إسرائيلي، حيث يمكننا الوصول إلى الطين؛ فنقوم باستخراجه وتنقيته ثم نبدأ العمل”.
يتكون المسكن من غرفة واحدة يعيش فيها الآن مع زوجته الحامل. وتوفر الجدران -المصنوعة من الطوب المدعوم بالقش- تبريدا طبيعيا خلال حرارة الصيف القاسية في غزة.
ويأمل عطا الله أن تساعد هذه الجدران أيضا في الحفاظ على الدفء خلال فصل الشتاء.
تقول الأمم المتحدة إن نحو 80% من مباني قطاع غزة قد دُمرت أو تضررت جراء الحرب. وقد سُوّيت أجزاء كبيرة من القطاع بالأرض خلال الهجوم الإسرائيلي العنيف، الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 74 ألف شخص – وفقا لمسؤولي الصحة في غزة. وجاء ذلك الهجوم ردا على العملية التي قادتها حركة حماس ضد جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي قُتل فيها نحو 1200 شخص واحتُجز 250 رهينة.
وتقتصر النجاة بمنازل لا تزال قائمة على قلة محظوظة من سكان غزة، أو على من يملكون المال الكافي لدفع الإيجار؛ في حين يعيش معظم الباقين في مخيمات الخيام المترامية الأطراف في أنحاء القطاع.
وتفرض إسرائيل قيودا على دخول الآليات الثقيلة والخرسانة والأسمنت إلى غزة، مشيرة إلى أن حركة حماس – التي لا تزال تسيطر على جزء من القطاع – استخدمت هذه المواد لبناء شبكة واسعة من الأنفاق العسكرية.
ويحاول بعض الفلسطينيين الاستفادة من المورد الأكثر وفرة في القطاع: الأنقاض. فقد قام أحد البنائين المبدعين بتحويل ألواح خرسانية محطمة إلى طوب لبناء منزل.
وفي حالة أخرى، يعمل حسن الحويحي (34 عاما) في مجال تكسير الخرسانة من المباني المتضررة لاستخراج قضبان الحديد الموجودة بداخلها؛ حيث يتم تقويم المعدن واستخدامه كدعامات للهياكل التي تُبنى حديثا أو التي يجري إصلاحها.
يقول الحويحي: “نحاول صنع شيء جديد من الأنقاض”.
سبب للاحتفال
قبل الحرب، كانت حفلات الزفاف في غزة مناسبات باذخة، تتضمن ولائم فاخرة من لحم الضأن المشوي ومواكب تجوب الشوارع المتعرجة.
أما اليوم، فقد أصبحت مثل هذه المتع بمثابة رفاهية بعيدة المنال بالنسبة للكثير من سكان غزة.
فقد أقام أحد الأزواج حفل زفافه في مدرسة تابعة للأمم المتحدة تكتظ بالنازحين، بينما عقد زوجان آخران قرانهما على الشاطئ دون مظاهر احتفالية تذكر.
ولتغطية تكاليف زفافه، عمل سعيد كفارنة (21 عاما) لعدة أشهر في أعمال متفرقة، وباع أسطوانات الغاز وكراتين المساعدات التي حصل عليها من هيئات الإغاثة، ليجمع مبلغا يقارب 2000 دولار.
يقول كفارنة: “لقد عملنا بجد كبير لتحقيق ذلك، لكننا نجحنا بفضل الله”.
في الشهر الماضي، تزوج كفارنة من نرمين عبد الهادي في مخيم للنازحين وسط قطاع غزة، حيث كانت عائلته تقيم. وفي يوم الحفل، قام كفارنة وأقاربه بتزيين خيمة كبيرة تبرعت بها منظمة إغاثة باكستانية، إذ علّقوا المصابيح ونسّقوا الزهور، كما استأجروا مكبر صوت.
وفقا لإحدى العادات الفلسطينية، يغتسل العريس قبل الزفاف في حمام عام أو في منزل أحد الأصدقاء، وهي طقوس ترمز إلى الانتقال للحياة الزوجية؛ إلا أن الأمر تم بشكل مختلف هنا، حيث سكب الأصدقاء والجيران الماء على كفارنة -الذي كان يبتسم- داخل الخيمة وسط الهتافات والرقص.
أقام الزوجان حفل الزفاف، لكن العديد من الأصدقاء وأفراد العائلة لم يتمكنوا من الحضور؛ فالتنقل لمسافة قصيرة داخل غزة -في ظل الارتفاع الهائل في أسعار الوقود- قد يكون مكلفا للغاية. وأشار كفارنة إلى أن آخرين آثروا عدم القيام بالرحلة خوفا من هجمات إسرائيلية محتملة أثناء طريق العودة بعد حلول الظلام.
وقال: “حتى الأشخاص الذين يقيمون على بعد بضع كيلومترات فقط لم يحضروا، لذا احتفلنا مع من كانوا حولنا”.
العودة لكسب الرزق
تسمع نيفين الأشقر طنينين مستمرين كلما صعدت إلى سطح منزلها في بلدة جباليا بشمال قطاع غزة.
يأتي أحدهما من خلايا النحل التي تعتني بها هي وزوجها لإنتاج العسل وشمع النحل وبيعهما، بينما يأتي الآخر من المسيّرات الإسرائيلية التي تحلق في الأجواء، لتذكّرهم بأن منزلهم يقع على بعد بضع مئات من الياردات فقط من خط التماس الذي يتحصن خلفه الجيش الإسرائيلي.
كانت خطة إدارة ترامب لوقف إطلاق النار تتصور انسحابا إسرائيليا تدريجيا بالتزامن مع نزع سلاح حركة حماس، لكن أيا من الأمرين لم يتحقق.
قبل الحرب، وإلى جانب خلية واحدة كانت تحتفظ بها في المنزل، كانت عائلة الأشقر تمتلك نحو 400 خلية نحل، معظمها في المنطقة التي تخضع الآن للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. وتقول الأشقر إن جميع تلك الخلايا تقريبا دُمرت خلال الصراع.
في بداية الحرب، فرّت الأشقر وعائلتها من القتال الدائر في جباليا. وعندما عادوا بعد أكثر من عام لمحاولة تنظيف منزلهم الذي لحقت به أضرار جسيمة، سمعت طنينا متواصلا.
تقول الأشقر: “صعدنا إلى السطح ورأينا سحابة من النحل تخرج من بين الأنقاض. كان شعورا لا يُصدق ولا يمكن وصفه”.
تُعد الأشقر المعيل الرئيسي لأسرتها نظرا لإصابة زوجها وأحد أبنائها خلال الحرب، وقد عادت لتربية النحل مرة أخرى آملة في بيع العسل الذي تنتجه.
وتضيف الأشقر: “بعد إصابتهما، أصبحتُ أنا المسؤولة عن شؤون المنزل؛ صحيح أن زوجي يساعدني بخبرته، لكن عليّ أنا إدارة الأمور”.
لقد دُمر اقتصاد غزة جراء الحرب، غير أن قلة من الناس -مثل الأشقر- يحاولون ببطء إعادة الحياة إلى أعمالهم ومشاريعهم.
فالصيادون يخرجون إلى البحر، رغم مخاوفهم من التعرض لمتاعب بسبب الحصار البحري الإسرائيلي المفروض على القطاع إذا ما توغلوا بعيدا في المياه. كما أن الحلاقين، الذين كانوا يمتلكون متاجرهم الخاصة سابقا، يمارسون مهنتهم الآن في صالونات مؤقتة وبسيطة.
تنتشر خلايا نحل الأشقر الآن في ستة مواقع، لكنها تنتج كميات قليلة نسبيا من العسل. حتى المواد الأساسية – مثل السكر اللازم لتغذية النحل – أصبحت أكثر تكلفة، في حين يصعب أحيانا العثور على مواد أخرى، مثل المبيدات الحشرية.
كما أصبحت أكثر من نصف مساحة قطاع غزة فعليا منطقة محظورة على الأشقر، تماما كما هي الحال بالنسبة للغالبية العظمى من الفلسطينيين الذين يعيشون هناك والبالغ عددهم مليوني نسمة.
ومع ذلك، تقول إنها ترى نحلَها بانتظام يطير مبتعدا نحو المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، عابرا إلى أماكن لم تعد هي قادرة على زيارتها.
تقول الأشقر: “أحيانا أتمنى لو كنت نحلة، لأتمكن من الطيران بعيدا عن هنا والذهاب إلى بلدان أخرى، بدلا من البقاء هنا محاصرة”.
سعيٌ لتوفير حياة أفضل
عمل محمد عبد الهادي (39 عاما) نجارا لفترة طويلة؛ إذ كان يمتلك ورشته الخاصة لتصنيع الأثاث، كما سبق له العمل في تركيا. وقد مكنته مهنته من الانضمام إلى الطبقة الوسطى في غزة.
لكن الاجتياح العسكري أعاده إلى نقطة الصفر. ورغم ذلك، يؤكد عبد الهادي عزمه على توفير حياة أفضل لأطفاله التسعة، بمن فيهم أصغرهم، محمود (تسعة أشهر)، الذي وُلد بعد اندلاع الحرب.
يفتقرون إلى المياه الجارية؛ لذا يخرج كل صباح مع زوجته “ختام” وأطفالهما من الخيمة التي يقيمون فيها حاليا لملء أوعية بلاستيكية كبيرة بالمياه من شاحنة قريبة. كما يفتقرون إلى الكهرباء، فيضطرون لشحن هواتفهم مقابل دفع رسوم لاستخدام مولد كهربائي يقع على بعد بضع مئات من الأمتار.
غالبا ما يقتصر طعامهم على أصناف بسيطة – مثل الجبن الأبيض الطري والخبز – توفرها منظمات الإغاثة. أما وجبتا الغداء والعشاء، فيعتمدون فيهما على المطابخ الجماعية التي تُعِد قدورا كبيرة من الأطعمة الأساسية كالأرز والعدس.
لا يزال معظم أطفاله محرومين من التعليم المنتظم، ويساور عبد الهادي القلق أحيانا بشأن مستقبلهم؛ إذ يتساءل قائلا: “ما هو المصير الذي ينتظرهم هنا؟ الاستيقاظ، وملء أوعية المياه، والذهاب إلى مطابخ تقديم الطعام، وغياب المدرسة؟”.
بعد حلول الظلام، تجد عائلته نفسها مضطرة لمواجهة أسراب من الجرذان التي تنتشر في أكوام القمامة الضخمة المتراكمة الآن في قطاع غزة؛ فقد أدت الحرب إلى شلل شبه تام في عمل الحكومة التي تديرها حركة حماس، مما جعل الخدمات العامة -كجمع القمامة- شحيحة للغاية.
يحاول عبد الهادي التخفيف عن أطفاله؛ ففي نهاية اليوم، يُشعل نارا ويُعدّ لهم الشاي.
كما يلعب مع محمود، الطفل الذي لم يعرف وطنا أو مسكنا سوى الخيمة.
