جنود إسرائيليون يقرون بتلقي تعليمات لإلقاء قنابل على مبان فيها سكان بغزة

أقر 4 جنود من شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) بتلقيهم تعليمات بإلقاء “قنابل ثقيلة” على مبان مأهولة بالسكان في قطاع غزة دون إخلائها، ما قتل وأصاب مئات الفلسطينيين.
وأدلى الجنود بشهاداتهم لصحيفة “هآرتس” في تقرير نشرته اليوم الاثنين، فيما تواصل إسرائيل، بدعم أمريكي، الإبادة الجماعية في غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويكرر الجيش الإسرائيلي، في بياناته، أنه ينذر السكان بإخلاء منازلهم قبل قصفها، ولطالما تباهى بذلك مسؤولون إسرائيليون، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ولكن شهادات الجنود تكذب هذه الادعاءات، إذ كشفوا عن تغيير كامل لتعليمات إطلاق النار منذ بداية الحرب على غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني.
وقال (أ)، وهو جندي استخبارات كان مسؤولا عن ملاحقة قادة حركة “حماس” في غزة: “لم نكن نعرف شيئا عن حماس وجناحها العسكري على المستوى الميداني”.
وأضاف: “في أكتوبر 2023، بدأنا العمل من الصفر تقريبا، لتحديد مواقع أفرادهم وناشطيهم”.
وتابع: “كانت هناك مرونة سريعة في معايير تعريف الإرهابي، وتغيير حاد في مفهوم التناسب واستخدام الأسلحة الثقيلة، وتخفيف كبير للسياسة التي تسمح بقتل المدنيين غير المشاركين، باعتبارهم أضرارا جانبية للأهداف”.
وخلّفت حرب الإبادة أكثر من 74 ألف شهيد وما يزيد على 175 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية، مع تكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بـ71.4 مليار دولار.
توسيع إطلاق النار
ووفق “هآرتس”، فإن شهادات الجنود الأربعة “توضح مفهوما مختلفا تماما للحرب، حيث يُعتبر حتى أصغر هدف مبررا لإيذاء المدنيين”.
وأضافت: “تشير الشهادات إلى أن الأعداد الكبيرة مما يسميه الجيش الأضرار الجانبية لم تكن إخفاقات أو أخطاء في التعريف، بل كانت نتيجة سياسة توسيع إطلاق النار إلى أقصى حد”.
وأردفت: “تم تقديم شهادات مماثلة في هآرتس خلال السنوات الثلاث من الحرب، كما أن محاولة التعويض عن الفشل الاستخباراتي في 7 أكتوبر (2023) أدت إلى غض الطرف عن خسائر مدنية غير مسبوقة”.
وفي ذلك اليوم، هاجمت “حماس” قواعد عسكرية ومستوطنات إسرائيلية بمحاذاة غزة، فقتلت وأسرت إسرائيليين، ردا على “جرائم الاحتلال اليومية بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى”، وفق الحركة.
شعور بالذهول
وتابعت الصحيفة أنه “مثلا، في 31 أكتوبر 2023، أسقطت مقاتلات إسرائيلية قنابل ثقيلة على مجمع (سكني) كبير في مخيم جباليا للاجئين” شمالي قطاع غزة.
وزادت أن “هدف الهجوم كان إبراهيم البياري، قائد كتيبة (وسط) جباليا في حماس”.
وقال الجندي (د): “كنا نعلم أن البياري تحت الأرض، تحت مبان كبيرة، لكننا لم نكن نعرف تحت أي مبنى”.
وأضاف: “لذا اختاروا مباني لا تزال مأهولة، وقرروا هدم جميع المباني فوق النفق الذي كان يتواجد فيه. لم نقم بعملية إخلاء، لأن من المهم قتله دون أن يهرب”.
وبحسب الجندي (أ)، الذي شارك أيضا في المهمة، فإنه “كان واضحا لأفراد خلية الهجوم أن عدد غير المستهدفين الذين يمكن أن يتعرضوا للأذى مرتفع للغاية”.
وأكمل: “في حسابات الأضرار الجانبية المحتملة، التي أعدتها الاستخبارات العسكرية، كان هناك حديث عن 250 إلى 300 شخص، ولذلك تم نقل القرار للحصول على موافقة مباشرة من رئيس الأركان”.
واستطرد: “بعد الهجوم (…) ومع مرور الوقت، أدركنا أن عدد القتلى يصل إلى حوالي 250” مدنيا فلسطينيا.
وتابع: “أتذكر شعوري بالذهول حين سُوّيت بالأرض عدة مبان مكتظة بالسكان، ما أسفر عن مقتل المئات من أجل قتل قائد كتيبة لم يكن حتى قبل أسابيع قليلة يعتبر هدفا”.
قتل الأبرياء
وردا على التقرير بشأن مجزرة جباليا، ادعى الجيش الإسرائيلي أن الهجوم “أُعيد التخطيط له عدة مرات لتقليل الأضرار بين المدنيين، والتي لم تكن بالمئات. وبعد الهجوم، زُعم أن الأضرار تجاوزت التقييم الأولي”.
كما ادعى أن “التحقيق في الهجوم كشف عن وجود أنفاق في المنطقة لم يكن الجيش الإسرائيلي على علم بها، ما تسبب في انهيار مبان إضافية”.
ونقلت “هآرتس” عن نداف فايمان، الرئيس التنفيذي لمنظمة “كسر الصمت” اليسارية الإسرائيلية المعارضة لعمليات القتل، قوله: “لا يمكننا السماح بقتل 300 مدني لاغتيال قائد كتيبة (البياري)”.
وأضاف: “كما لا يمكننا قتل 20 مدنيا لقتل كل سائق شاحنة تابع لحماس، ثم ندّعي أمام العامة أننا بذلنا قصارى جهدنا لمنع إلحاق الأذى بالأبرياء”.
وتابع: “حان الوقت لمن أصدروا هذه الأوامر أن يتحملوا المسؤولية، بدلا من محاولة التخلص من الجنود الذين قرروا بشجاعة إخبار الجمهور بالحقيقة”.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
كما تنظر محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، في دعوى قدمتها جنوب إفريقيا، وانضمت إليها دول عديدة، تتهم إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
نيران كثيفة
ولفتت الصحيفة إلى أن “مثالا آخر يظهر من الشهادات، وهو اغتيال علي قاضي، قائد سرية في قوة النخبة بحماس” في 13 أكتوبر 2023.
وقالت: “حذر جندي استخبارات في فرقة غزة من أن قاضي، مثل نشطاء النخبة الآخرين، يتصرف بطريقة غير معتادة، لكن ضابط الاستخبارات في الفرقة تجاهل ذلك”.
وقال الجندي (أ): “بعد أيام من بدء الحرب، أصبح قاضي هدفا وتعرض لنيران كثيفة”.
وتابع: “كان في المنزل مع عائلته، وقرروا قتله، سارع الجيش إلى القول إنه قُتل، لكن في الواقع كان قاضي الوحيد الذي نجا من الهجوم. جميع القتلى لم يكونوا على صلة بالهدف”.
دون إخلاء كامل
كما قال الجندي (ب)، الذي خدم في قسم الطائرات المسيرة: “منذ اندلاع المعارك، تقرر أن الفرقة ستعمل على مستوى موسع، بحيث أن الهجمات التي قد يصاب فيها 20 غير مقاتل لا تتطلب موافقة من مسؤول كبير خارج خلية الهجوم”.
وأفاد (ج)، وهو جندي من شعبة الاستخبارات، بأنه بعد بضعة أشهر من بدء المناورة البرية (الاجتياح البري في 27 أكتوبر 2023)، طُلب من الوحدة تجهيز منطقة دخول إلى مدينة غزة لفرقة مناورة.
وأضاف: “كانت هناك عدة مبان شاهقة في المنطقة تُشكل تهديدا للجنود، وكشف فحص استخباراتي أن التقدير المعقول هو أن حوالي 25 بالمئة من السكان لا يزالون في منازلهم”.
وأكمل: “عندما حاولنا السؤال عن عدد السكان المتبقين، وهل كان ذلك معقولا، قيل لنا إن هؤلاء السكان كانوا أهداف القوات على الأرض. لم أستطع أن أفهم أو أصدق أننا نتحدث عن مثل هذه الأعداد”.
وزاد أنه “كان بإمكان القوة، التي أرادت الدخول، أن تنتظر وقتا طويلا قبل أن توافق على الهجوم”.
واستطرد: “لذا في المراحل الأولى هاجمنا ولم يكن هناك إخلاء كامل. تم إعطاء الأولوية للدفاع عن الجنود، وهذا مفهوم، لكن الأعداد (القتلى بين المدنيين) استمرت في النمو وأصبحت غير معقولة”.