أخبار رئيسيةالضفة وغزةعرب ودوليومضات

جرح أخلاقي غائر.. كيف غيّرت حرب غزة الشرق الأوسط والعالم؟

كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن غزة قبل عقود: “ليس لغزة حنجرة.. مسام جلدها هي التي تتكلم عرقًا ودمًا وحرائق”. ولم تكن غزة يومًا غريبة عن العدوان؛ عرفت الاجتياحات والحصار وجولات القصف المتعاقبة، لكن الحرب التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 جاءت مختلفة في مقدار ما خلّفته وفي الطريقة التي عاشها بها العالم.

فقد امتدت 3 أعوام، وخلّفت خسائر بشرية ودمارًا غير مسبوقين، في زمن أصبحت فيه المسافة بين غزة وبقية العالم شاشة هاتف.

ورغم منع الصحفيين الدوليين من دخول القطاع، وصلت صور القصف والمستشفيات المدمرة والأطفال القتلى إلى ملايين الناس لحظة بلحظة، فلم تعد الحرب خبرًا يأتي من مكان بعيد، بل مشهدًا يتكرر يوميا أمام جمهور عالمي مترابط.

ولهذا لم تتوقف آثارها عند حدود القطاع. ففي حوار ضمن سلسلة “راديكال ثينكينغ” التي تنتجها صحيفة غارديان البريطانية، تصف الكاتبة والناشطة نعومي كلاين غزة بأنها أحدثت “جرحا أخلاقيا غائرا” في العالم؛ لحظة انكشاف جعلت القدرة على مشاهدة ما يحدث ثم تبريره أو الصمت عنه تمهيدًا لقبول انتهاكات أخرى.

أما الصحفي ستيف بلومفيلد، فيكتب في مقال رأي نشرته غارديان، أن هناك عالمًا قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وعالمًا بعده، وأنه بعد 3 أعوام لم يعد ممكنًا تجاهل الفاصل بين الاثنين.

غزة.. جغرافيا مُحيت معالمها
يبدأ التغيير من المكان نفسه. ويشير بلومفيلد إلى أن صور الأقمار الصناعية الحديثة تكشف بلدات وأحياء كاملة تحولت إلى ركام، ومساجد ومستشفيات كانت ظاهرة على الخرائط قبل 3 أعوام ثم اختفت، فيما امتلأ الشريط الساحلي بالخيام. إنها، في وصفه، صورة غزة بعد حملة عسكرية أعادت تشكيل جغرافيتها بالقوة.

وحتى وقف إطلاق النار لم يُعد إلى القطاع معنى السلام، ففي تقرير لصحيفة إندبندنت البريطانية بعد عام على توقيعه، جاء أن نحو 1400 فلسطيني قُتلوا بضربات إسرائيلية، بينما واصل الجيش الإسرائيلي التقدم داخل غزة وتقليص المساحة المتاحة لسكانها. أما المرحلة الثانية من الاتفاق، التي يفترض أن تشمل الانسحاب الكامل لإسرائيل ونزع سلاح حماس، فما زالت معلقة.

من غزة اشتعلت خرائط أخرى
ولم تبق الحرب حبيسة القطاع. فبحسب بلومفيلد، تمددت دوامة العنف إلى لبنان وسوريا وإيران واليمن والخليج، وتشابكت جبهات كانت تُقرأ سابقًا بوصفها نزاعات منفصلة.

ويشير إلى أن أكثر من 12 دولة في قارّتين باتت منخرطة بدرجات متفاوتة في سلسلة من الحروب المتداخلة، تتكرر فيها الأطراف والمصالح والتحالفات. فإسرائيل وسعت عملياتها إلى سوريا ولبنان، ثم دخلت مع الولايات المتحدة حربًا على إيران امتدت تداعياتها إلى دول الخليج، بينما فجّرت الحرب الإيرانية بدورها توترات جديدة في اليمن والمنطقة.

وبهذا، لم تعد غزة هامشًا في خريطة أمن الشرق الأوسط، بل إحدى العقد التي أعادت شد خيوط الإقليم كلها.

الغرب بعد سقوط هيبة “القواعد”
لكن التحول الأخطر، في قراءة بلومفيلد، وقع خارج ساحات القتال.

في مقاله، يستعيد موقف الغرب حين غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، إذ بنت الحكومات الغربية موقفها على لغة القانون الدولي وحرمة الحدود ومحاسبة من ينتهكهما. ثم جاءت غزة، وواصلت تلك الحكومات دعم إسرائيل مع توالي الانتهاكات، فاهتزت مصداقية الخطاب الذي طالما قدمه الغرب بوصفه معيارا عالميا لا انتقائيا.

ويستعيد بلومفيلد نماذج من تاريخ العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ليبين حجم التحول. فقد علق رونالد ريغان صفقة سلاح بعد ضم الجولان عام 1981، وأوقفت إدارته لاحقًا ذخائر عنقودية استُخدمت في لبنان.

وفي 2002، كان مقتل 15 فلسطينيا في غزة كافيا لإعلان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مراجعة استخدام إسرائيل للسلاح الأمريكي.

أما هذه المرة، فيقول الكاتب إن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن واصلت تدفق السلاح، واستخدمت الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، وهاجمت تحرك المحكمة الجنائية الدولية.

ومن هنا يرى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يبدأ انهيار ما يسمى “النظام الدولي القائم على القواعد”؛ بل جاء إلى بناء كانت الشقوق قد فتحت فيه بالفعل.

وغزة دخلت البيت الأمريكي
امتد الصدع إلى الداخل الأمريكي أيضًا. وتقول الكاتبة والناشطة السياسية أسترا تايلور، في حوار غارديان، إن التضييق على معسكرات التضامن مع فلسطين في الجامعات بدأ في عهد بايدن، قبل أن يتخذ أشكالًا أشد في ولاية ترمب الثانية.

أما كلاين فترى أن المنعطف الأخلاقي الحقيقي لم يكن انتخاب ترمب، بل غزة؛ إذ كشفت، في رأيها، مدى استعداد مؤسسات وشخصيات كثيرة للصمت حين يكون الاعتراض مكلفًا.

وتقول تايلور إن المزاج الشعبي تحرك هو الآخر، وإن التعاطف مع غزة بات أوسع مما تعكسه أحيانًا مراكز السياسة والإعلام التقليدية.

فبذلك خرجت فلسطين من خانة “السياسة الخارجية” إلى الجامعات والانتخابات وحرية التعبير والانقسام داخل الحزب الديمقراطي، وأصبحت جزءًا من الصراع على هوية السياسة الأمريكية نفسها.

حتى آلة الحرب تغيّرت
ويشير بلومفيلد إلى إرث آخر للحرب قد يكون أطول عمرًا من جبهاتها الحالية: استخدام إسرائيل الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف وتسريع وتيرة الاستهداف.

ويرى أن غزة دفعت الحروب خطوة إضافية نحو مستقبل تتولى فيه الأنظمة الخوارزمية أدوارًا أكبر في قرارات القتل، بينما ما تزال القواعد القانونية والأخلاقية عاجزة عن اللحاق بهذه السرعة.

ثم تعود كل الطرق إلى غزة
بعد كل هذه الدوائر التي اتسعت من القطاع إلى العالم، تعيد إندبندنت النظر إلى نقطة البداية.

فبعد 3 أعوام، لا يعمل سوى 19 مستشفى من أصل 36 ولو بصورة جزئية. وبحسب بيانات الأمم المتحدة التي نقلها التقرير، يحتاج نحو 94% من سكان غزة إلى مساعدة في المأوى، بينما تفيد بيانات مجموعة “واش” المعنية بالمياه والصرف الصحي والنظافة بأن 9 من كل 10 أشخاص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام أمن المياه.

وتضرر أو دُمر نحو 82% من مباني القطاع، في وقت تُقدّر فيه كلفة إعادة الإعمار الكاملة بـ71.4 مليار دولار خلال عقد. أما ما طُرح حتى الآن، فهو خطة أولية بقيمة 2.45 مليار دولار لاستعادة الخدمات الأساسية.

بعد 3 أعوام، يصعب اختزال العدوان على غزة في حصيلة القتلى والركام وحدها. فقد كشفت، في قراءة بلومفيلد، ازدواجية الخطاب الغربي، ودخلت قلب السياسة الأمريكية، ودفعت التكنولوجيا خطوة أعمق إلى ميدان القتل، فيما بقي أهل غزة أنفسهم عالقين بين هدنة لا تمنحهم السلام وإعمار لم يبدأ بعد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى