من كافكا إلى فانون: من انتظار اعتراف الآخر إلى بناء الذات

أحمد سليمان
تجسد رواية “المسخ” لفرانز كافكا إحدى أكثر المآسي الفلسفية عمقًا في الأدب الحديث. فالمأساة الحقيقية لا تكمن في تحول غريغور سامسا إلى حشرة، وإنما في أنه بدأ يرى نفسه من خلال عيون الآخرين. ما إن فقد وظيفته ومكانته الاجتماعية حتى فقد اعتراف أسرته به، وكأن إنسانيته كانت معلقة على نظرتهم إليه. لقد اكتشف غريغور أن وجوده لم يكن قائمًا بذاته، بل مستمدًا من رضا الآخرين عنه.
في أحد أكثر المشاهد إيلامًا في الرواية، يظل غريغور يتذكر حبه لأسرته وتضحياته من أجلها، بينما تتعامل الأسرة معه شيئًا فشيئًا ككائن غريب يجب التخلص منه. لقد بقي الإنسان ذاته، لكن الاعتراف اختفى، ومع اختفاء الاعتراف بدأ وجوده يتآكل حتى انتهى بالموت.
فأكثر المشاهد إيلامًا أن يصبح الإنسان أسيرًا لنظرة الآخر إلى درجة أنه يفقد نفسه عندما يفقد رضا ذلك الآخر.
في عالم كافكا، الآخر يمتلك سلطة تعريفك. وحين يسحب منك اعترافه، تصبح بلا مكان، بلا معنى، وبلا وطن.
لكن عند هذه النقطة بالذات يبدأ فرانز فانون ثورته الفكرية.
الحرية تبدأ عندما نتوقف عن انتظار الإذن
يرى فرانز فانون أن أخطر آثار الاستعمار ليست السيطرة على الأرض، بل السيطرة على وعي الإنسان بنفسه. فالمستعمَر يصبح مع مرور الزمن باحثًا عن شرعيته في عيون المستعمِر، وينتظر اعترافه كي يشعر بقيمته.
لا تطلب من المستعمِر أن يمنحك إنسانيتك، لأن إنسانيتك لم تكن يومًا ملكًا له.
بينما كان غريغور سامسا يموت لأنه فقد اعتراف أسرته، يدعو فانون الشعوب إلى التحرر من الحاجة أصلًا إلى هذا الاعتراف.
فالكرامة ليست هبة. والهوية ليست منحة. والوجود ليس تصريحًا يمنحه الأقوياء للضعفاء.
إنها حقائق تنبع من الإنسان نفسه ومن جماعته ومن ذاكرته الجماعية.
إذا كان فانون قد حرر الإنسان من الحاجة النفسية للاعتراف، فإن إدوارد سعيد حرره من الحاجة السردية للاعتراف. يرى سعيد أن السيطرة لا تتم فقط بالقوة، وإنما أيضًا بالرواية.
من يملك القدرة على رواية القصة يملك القدرة على تعريف الواقع. لذا علينا أن نتحول من “كيف نقنع الآخرين بروايتنا؟” إلى “كيف نروي أنفسنا بأنفسنا؟”! وهنا يكمن الفرق بين النظرة الكافكاوية والنظرة السعيدية/الفانونية، فالشعوب الحية ترفض أن تكون موضوعًا في رواية غيرها، وتصر على أن تكون هي الراوي.
فالرواية ليست مجرد كلمات.
إنها ذاكرة. وهوية. ومستقبل.
لو بقي المجتمع الفلسطيني في الداخل أسير المنطق الكافكاوي، لكان مصيره مرتبطًا بمدى الاعتراف الذي تمنحه له المؤسسة الرسمية أو الأغلبية الحاكمة.
لكن التجربة التاريخية تشير إلى مسار مختلف.
فعلى الرغم من عقود طويلة من التحديات السياسية والثقافية، نجح الفلسطينيون في الداخل في الحفاظ على عناصر أساسية من هويتهم الجماعية:
فقد استطعنا في المحافظة على لغتنا العربية كلغة يومية وثقافية، رغم قانون القومية المجحف بحقنا، واستمررنا بإحياء المناسبات الوطنية والاجتماعية، من تخليد يوم الأرض إلى تخليد ذكرى هبة القدس والأقصى وهبة الكرامة وإحياء أيام العودة وزيارة القرى المهجرة، وتسجيل متوليي وقف للقرى والأماكن المقدسة المهجرة بشكل رسمي، وبناء مؤسسات تعليمية وثقافية أهلية، والحفاظ على الأدب والشعر والمسرح والبحث الأكاديمي، رغم شح ذات اليد بهذا المضمار، وانتقال الذاكرة التاريخية من الأجداد إلى الأحفاد، عبر الكتب المختلفة والروايات التي تعمق وتوطد جذورنا بهذه البلاد. كل هذه الإنجازات لم تنتظر اعترافًا من أحد كي توجد، بل وجدت لأن المجتمع نفسه آمن بها.
وهنا يتجلى الفرق بين غريغور سامسا والمجتمعات الحية.
غريغور فقد صورته عن نفسه عندما فقد اعتراف الآخرين.
أما المجتمع الواثق من ذاته فيستمد شرعيته من بقائه واستمراره وقدرته على إعادة إنتاج هويته جيلًا بعد جيل.
في رواية “المسخ”، تبدأ الأسرة بإزالة أثاث غرفة جريغور، قطعة قطعة، والأثاث هنا ليس الطاولة أو الكرسي أو الكنبة، وإنما هو الذاكرة؛ فكل قطعة تربطه بطفولته وإنسانيته وحياته السابقة. مع إزالة هذه الأشياء، فإن الأسرة تزيل شيئًا فشيئًا ذاكرته وماضيه. وهل نكران النكبة أتى بشكل عفوي؟! في المقابل، المجتمعات الحية تفعل العكس تمامًا للحفاظ على ماضيها؛ فهي تخلد ماضيها بالحفاظ على أثاث غرفها، وتحتفظ بأثاثها الرمزي، بأسماء الأماكن، الحكايات، الأغاني الشعبية، اللغة، والوثائق والصور. إنها ترفض أن تُفرغ غرفها من ذاكرتها. وهنا لا بد من ذكر تجربة كفر قاسم الفريدة في مجتمعنا، والتي تخلد ذكرى مجزرة كفر قاسم، عبر متحف وشريط مصور وراوٍ يحكي الحكاية.
ربما يكون الدرس الأهم الذي نتعلمه من الانتقال من كافكا إلى فانون/سعيد هو أن الشعوب لا تُقاس بحجم الاعتراف الذي تحصل عليه، بل بقدرتها على الاستمرار دون أن تفقد ذاتها.
غريغور سامسا مات عندما اقتنع بالصورة التي رسمها الآخرون له.
أما المجتمعات الحية فتنجو لأنها ترفض أن ترى نفسها بعيون غيرها فقط.
فالذاكرة التي تُورَّث لا تموت. واللغة التي تُتداول لا تموت، والرواية التي تُروى جيلًا بعد جيل لا تموت.
لذلك فإن الأمل ليس في أن يأتي يوم يعترف فيه الآخر بنا كما نريد، بل في أن نبقى قادرين على تعريف أنفسنا بأنفسنا، وأن نحافظ على ذاكرتنا، وثقافتنا، وشعورنا بالكرامة، والاستمرارية.
