الفضاء الإلكتروني الملغّم: رسالة من أروقة المحاكم إلى الشباب، جيل المستقبل
المحامي خالد زبارقة
في زحمة هذا العالم المتسارع، تعيشون، يا شبابنا، في فضاء رقمي مفتوح، فضاءٌ تظنون، وأنتم تجلسون خلف شاشاتكم، وفي غرفكم المغلقة، أنه يمنحكم حصانة العزلة وحرية التعبير المطلقة. لكن الحقيقة التي تتجلى بصمت وقسوة خارج تلك الغرف، هي أن هذا الفضاء ليس سوى ساحة مكشوفة، وأن كل “ضغطة زر” هي أثرٌ لا يُمحى في سجل رقمي طويل.
بصفتي محاميًا، ومن خلال وقوفي اليومي في قاعات المحاكم واحتكاكي بالملفات الأمنية والجنائية، أجد لزامًا عليّ أن أضع أمامكم قراءة حقيقية لما يُحاك في الكواليس. نحن نشهد اليوم سطوة أمنية غير مسبوقة، وهجمة ممنهجة لا تهدف فقط إلى تطبيق القانون، بل تسعى إلى “كيّ الوعي”، وزرع رقيب داخلي يشلّ إرادة الشباب، وأحيانًا إلى توريط الشباب في ملفات أمنية معقدة.
ولأنكم جيلٌ استثنائي يمتلك أدوات العصر، ولأنكم أذكى من أن تكونوا لقمة سائغة، يجب أن تدركوا قواعد هذه اللعبة غير المتكافئة، لتكونوا أسيادًا لقراراتكم، لا ضحايا لجهلٍ بالقانون أو لعفوية يُساء تفسيرها، أو ضحايا لفخاخ مخابراتية.
من أخطر ما تكشّف لنا خلال مناقشات قانونية في أروقة المحاكم، هو اعتراف الدولة الضمني بامتلاكها “قاموسًا أمنيًا” صاغه جهاز “الشاباك”. هذا القاموس لا يقرأ لغتكم اليومية، ولا يفهم مصطلحاتكم الشبابية وعفويتكم بما تقصدونه أنتم، بل يقوم بتجريد الكلمات من سياقها الطبيعي، ليُلبسها ثوبًا أمنيًا صارمًا، ويضيف لها سياقًا وتفسيرًا أمنيًا معقدًا، بعيدًا عما تقصدونه أنتم.
نحن أمام حالة خطيرة من “محاكمة النوايا”؛ حيث يُعاد تفسير السلوك الفردي، وتُشوّه المعاني لتتناسب مع مقاسات الإدانة المخابراتية، ومن خلالها يُعاد إنتاج الفهم وهندسة العقل البشري. كلمة غاضبة، أو تعليق ساخر، أو مصطلح شبابي عابر، قد يُترجم في هذا القاموس كتهديد أمني. وعيكم بهذا القاموس هو درعكم الأول لعدم تقديم ذرائع مجانية لمن يبحث عن إدانتكم.
الكثير من الشباب يعتقدون أن استخدام “وضع التصفح المخفي” (Incognito) أو مسح “سجل البحث” يحميهم من الرقابة. هذا وهمٌ تقني قاتل.
الأجهزة الأمنية لا تعتمد على موظفين يراقبون الشاشات، بل تدير “دوريات سيبرانية” تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتنقيب في البيانات. بمجرد اتصالك بالإنترنت، يقوم مزود الخدمة بتسجيل كل حركة لك. الخوارزميات الأمنية لا تقرأ فقط “ماذا تتصفح”، بل تحلل “البيانات الوصفية”: كم دقيقة قضيت في قراءة مقال معين؟ في أي ساعة من الليل؟ وما هي الروابط التي انتقلت إليها بعدها؟
إذا رصدت الخوارزمية نمطًا متكررًا لتصفح مواقع محظورة أو قراءة نصوص ذات طابع أمني، فإنها تمنحك تلقائيًا “مؤشر خطورة”، وتتقاطع هذه البيانات مع موقعك الجغرافي (GPS) ورقم جهازك لتحديد هويتك الحقيقية ووضعك تحت المراقبة اللصيقة.
في الماضي، كان الركن المادي للجريمة يتطلب فعلًا ملموسًا. اليوم، البصمة الرقمية هي الركن المادي. ضغطة “إعجاب” (Like) أو “مشاركة” (Share) لمنشور عابر، لم تعد تُصنف كحرية تعبير، بل تُعتبر في العرف الأمني إعلانًا صريحًا بتبني أيديولوجية معينة.
والطامة الكبرى تكمن في ما يُعرف بـ “الاعتقال الإداري”. عندما لا تجد الأجهزة الأمنية دليلًا ماديًا قاطعًا لتقديمكم لمحاكمة علنية، تقوم بتجميع هذه التفاعلات وعمليات التصفح العشوائية لتصنع منها “ملفًا مخابراتيًا سريًا”. وبناءً على هذا الملف، يُسلب الشاب حريته لأشهر طويلة، دون تهمة واضحة، ودون أن نتمكن، كمحامين، من الاطلاع على تفاصيل هذا الملف لتفنيده. لا تجعلوا إبهامكم يوقعكم في هذا الفخ.
الرقابة اليوم تعمقت لتحلل “كيف تفكرون وكيف تنفعلون”. منصات الألعاب الجماعية وغرف الدردشة الصوتية ليست مجرد ساحات للترفيه، بل هي مختبرات سلوكية مفتوحة.
ترصد الأنظمة ردود أفعالكم تحت الضغط: هل تميلون للعنف اللفظي؟ هل تعانون من العزلة الاجتماعية؟ كل ذلك يُستخدم لبناء “بروفايل نفسي” دقيق. وفي هذه البيئات، ينشط “صيادو العقول” بأسماء وهمية، يتقربون منكم، ويطلبون الانتقال إلى محادثات مشفرة، أو يستدرجونكم لجمع معلومات. هؤلاء يبحثون عن نقاط ضعفكم لاختراقكم. كونوا أسياد اللعبة، وأغلقوا الباب في وجه أي غريب يطلب السرية.
يمتلك الشباب طاقة هائلة من الفضول وحب الاستكشاف التقني. قد يدفعكم هذا للبحث عن كيفية تصنيع مواد كيميائية أو تصنيع مواد متفجرة، أو تصفح مواقع محظورة بدافع التحدي المحض أو الفضول.
لكن في لغة الخوارزميات الأمنية، التقاط محركات البحث لهذه “الكلمات المفتاحية” يُعتبر، في عرف الأجهزة الأمنية، “أعمالًا تحضيرية” لجريمة. بل إن استخبارات العالم تدير مواقع وهمية (مصائد مغفلين) لاصطياد كل من يقترب من هذه المحظورات. لذا فإنني أقول لكم: وجّهوا عبقريتكم وفضولكم نحو علوم المستقبل، ولا تضيعوا وقتكم في زوايا الإنترنت المظلمة التي تضعكم في دائرة الاشتباه.
بعيدًا عن السياسة والأمن، قد تتعرضون لابتزاز من قراصنة أو محتالين يهددونكم بصور أو محادثات خاصة. الابتزاز هنا ليس سرقة للمال، بل هو “اغتيال للإرادة”.
إذا وقعتم في هذا المأزق، فالقاعدة الذهبية هي: لا خضوع ولا تفاوض. المبتز كائن جبان يتغذى على ارتباككم. وثّقوا التهديد، واحظروا المجرم فورًا، وعطّلوا حساباتكم، ثم توجهوا بثقة للجهات المختصة. الشجاعة في طلب المساعدة هي ما يكسر شوكة المبتز، أما الصمت فهو ما يمنحه السلطة عليكم.
أنتم المستقبل الذي نراهن عليه
هذا الكلام، وهذا التوصيف للواقع، ليس بأي حال من الأحوال دعوة للانكفاء نحو الذات، أو شلل الإرادة، أو الاختباء من العالم الرقمي ومستجداته. على العكس تمامًا؛ إنها دعوة خالصة للتوعية، وللابتعاد عن الوقوع في الفخاخ الأمنية التي تُدار بذكاء اصطناعي لاستنزاف طاقاتكم.
إلى شبابنا.. أنتم لستم مجرد جيل ننتظر كبره، أنتم أغلى ما نملك، ورأس مالنا الحقيقي، والنبض الذي يحيي فينا الأمل بغدٍ مشرق.
هذه الحملة الشرسة، وما يرافقها من تضييق ومراقبة وقواميس أمنية تحاول محاكمة نواياكم وتجريدكم من عفويتكم، لا تهدف فقط إلى فرض سطوة أمنية، بل تسعى لشيء أعمق وأخطر: كسر إرادتكم، وزرع الخوف في صدوركم، وجعلكم تتراجعون إلى الظل.
لكننا لا نريدكم في الظل، ولا نقبل لكم الانكفاء. الوقوف بشموخ في وجه هذه العاصفة لا يعني التهور أو السير نحو الفخاخ بعيون مغمضة، بل يعني “السيادة بالوعي”. أنتم أقوى من أن تستسلموا لرهاب الشاشات، وأذكى من أن تُسجن أحلامكم في زنزانة الخوف الافتراضية.
ارفعوا هاماتكم، وامضوا في طريق طموحكم بقوة لا تلين. الشموخ الحقيقي اليوم هو أن تفهموا قواعد اللعبة جيدًا لتتغلبوا عليها، وأن تتسلحوا بالعلم والمعرفة، وأن تكونوا حاضرين في كل ميادين الإبداع والتطور، دون أن تمنحوا أحدًا ذريعة لاصطيادكم.
نحن، كأهلٍ وآباء وأمهات، نقف معكم وإلى جانبكم، في كل ميدان، ليس فقط لندافع عن حقوقكم، بل لنحرس أحلامكم وندعم مسيرتكم. مكانكم الطبيعي هو الجامعات، ومراكز الأبحاث، ومنصات التتويج، ومواقع التأثير وصناعة القرار وقيادة المستقبل.
أنتم المستقبل الذي لا يمكن لأي خوارزمية أن تصادره، ولا لقاموس أمني أن يحدّ من آفاقه. سيروا بخطى واثقة، تسلحوا بوعيكم، وامضوا بشموخ.. فأنتم الجيل الذي نراهن عليه.
