أخبار عاجلةتقارير ومقابلاتدين ودنياومضات

الحافظ لكتاب الله سعيد لهواني من عرابة: بعد إتمام الحفظ تبدأ مرحلة أكثر أهمية تتمثل في ظهور أثر القرآن على السلوك والعلاقة مع الآخرين

مارية محاجنة

“لا أريد أن يكون القرآن في صدري فقط، وإنما أريد أن يكون ظاهرًا في حياتي”. بهذه الكلمات يختصر سعيد موريس لهواني من مدينة عرابة رحلته مع كتاب الله، وهي رحلة بدأت بالحفظ، ومرّت بمحطات من التعب والفتور والمراجعة، وانتهت بختم القرآن الكريم في رحاب الروضة الشريفة بالمدينة المنورة.

لكن الختمة، بالنسبة إلى سعيد، لم تكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة ومسؤولية أكبر. فبعد سنوات من حفظ الآيات ومراجعتها، بات ينظر إلى علاقته بالقرآن باعتبارها أبعد من مجرد حفظ نصوصه، لتصل إلى فهم معانيه واستحضارها في الحياة اليومية، وفي الأخلاق والتعامل مع الناس والقرارات والمواقف.

وبين المسجد الأقصى المبارك، حيث اعتاد مراجعة محفوظاته على مصاطبه، والمدينة المنورة، حيث أتمّ ختمته، تشكلت تجربة خاصة رافقها دعاء الوالدين وتشجيعهما، وتوجيه المشايخ، وإصرار سعيد على الاستمرار رغم ما اعترض طريقه من تعب وفتور.

الختمة في رحاب الروضة

يصف سعيد في لقاء مع “موقع موطني 48”، إتمام حفظ كتاب الله كاملًا بأنه شعور “يصعب وصفه بالكلمات”، مؤكدًا أن الأمر بالنسبة إليه لم يكن مجرد نهاية لمرحلة الحفظ، وإنما “بداية مسؤولية جديدة مع كلام الله”.

ويضيف أن إتمام هذه الرحلة في المدينة المنورة، وفي رحاب الروضة الشريفة تحديدًا، كان فضلًا عظيمًا يشعر أن الله أكرمه به بعد سنوات من الحفظ والمراجعة والتعب.

ويقول إن لحظة الختم كانت استثنائية بكل المقاييس، إذ كان يشعر وهو يراجع ويقرأ بأنه في مكان ارتبط بتفاصيل سيرة النبي محمد ﷺ، وكأن القرآن الذي حفظه يقوده إلى المكان الذي عاش فيه الرسول ﷺ وعلّم فيه أصحابه كتاب الله.

ويؤكد أن تلك اللحظة ستبقى راسخة في ذاكرته، قائلًا إن الختم في ذلك المكان “لحظة استثنائية لن أنساها ما حييت”.

من الحفظ إلى المعايشة

بدأت علاقة سعيد بالقرآن من باب الحفظ، لكنه اكتشف مع مرور الوقت أن الحفظ ليس نهاية الطريق. في البداية، كان هدفه أن يحفظ الآيات ويتقنها، غير أنه مع المراجعة والصلاة والتدبر بدأ يكتشف أن وراء كل آية معنى ورسالة وتوجيهًا يمكن أن ينعكس على حياته.

ويقول إنه بدأ يشعر بأن الآيات التي يحفظها ليست كلمات يرددها فحسب، وإنما كلام الله الذي يخاطبه مباشرة. ومن هنا، انتقلت علاقته بالقرآن، بحسب تعبيره، “من مجرد حفظه إلى محاولة استحضاره في قراراتي وأخلاقي وتعاملاتي”.

وهذه النقلة هي التي يرى فيها سعيد المعنى الحقيقي للختمة؛ فالغاية ليست أن يكون القرآن محفوظًا في الصدر فقط، وإنما أن يتحول إلى سلوك وحياة.

دعاء الوالدين وتوجيه المشايخ

لا ينسب سعيد هذا الإنجاز إلى نفسه وحدها، بل يرى أن وراءه منظومة من الدعم بدأت، بعد فضل الله، بوالديه، مرورًا بمشايخه، وصولًا إلى كل من شجعه ووقف إلى جانبه.

ويقول إن لوالديه “أثرًا كبيرًا جدًا” في رحلته، مشيرًا إلى دعائهما وصبرهما وتشجيعهما، وإلى دور المشايخ في التوجيه والتعليم، فضلًا عن كل من أحب له الخير وشجعه على الاستمرار.

وبالنسبة إلى المرحلة المقبلة، يضع سعيد أمامه هدفًا واضحًا: المحافظة على القرآن ومراجعته حتى يثبت في صدره، والتعمق في فهم معانيه وتدبرها.

ويقول إنه يتمنى أن يصل يومًا إلى مرحلة لا يكون فيها السؤال: “كم حفظت من القرآن؟”، وإنما: “كم غيّر القرآن فيّ؟”.

الأم: أريد أن أراه في أخلاقه وحياته

ولم تكن رحلة سعيد منفصلة عن أسرته، بل كانت والدته حاضرة في مختلف مراحلها، تتابع التعب والتقدم والتعثر والاستمرار.

وتقول والدته لـ “موقع موطني 48”، إن مشاعرها بعد إتمام ابنها حفظ القرآن أكبر من أن توصف بالكلمات، موضحة: “أنا لا أفرح فقط لأن ابني أتمّ حفظ القرآن، بل أفرح بكل خطوة مشيناها معه، بكل آية سمعناها، بكل تعب تجاوزه، وبكل مرة احتاج فيها كلمة تشجعه حتى يكمل”.

وتضيف في دعائها: “اللهم كما أكرمتني أن أرى القرآن في صدر ابني، فأكرمني أن أراه في أخلاقه وحياته، واجعل القرآن نور قلبه، وثباته، وصاحبه في كل عمره”.

الأقصى والقرآن.. علاقة تشكلت على المصاطب

للمسجد الأقصى المبارك حضور خاص في تجربة سعيد مع القرآن. فهو لا ينظر إليه كمكان للزيارة والصلاة فقط، وإنما كمكان نشأت بينه وبينه علاقة خاصة، ارتبطت كذلك بحفظ القرآن ومراجعته.

ومن الأماكن التي أحب الجلوس فيها، كما يقول، مصطبة باب الرحمة، حيث كان يجلس لمراجعة محفوظاته. وفي أحيان أخرى، كان يرفع عينيه عن المصحف وينظر إلى المكان من حوله، مستشعرًا عظمة أن يقرأ كلام الله في هذا الموضع المبارك.

ومع مرور الوقت، نشأ لديه ارتباط وثيق بين القرآن والأقصى. فكلما قرأ القرآن هناك، شعر أنه لا يتلوه فحسب، وإنما يعيش جزءًا من تاريخ المكان وصلته بالوحي والنبوة.

ويقول إن الأقصى جعله يدرك أن القرآن ليس حفظًا شخصيًا فقط، بل “أمانة وهوية وانتماء”، مضيفًا أن ازدياد ارتباطه بالقرآن جعله أكثر تعلقًا بالمسجد الأقصى وحرصًا على البقاء قريبًا منه.

أصعب ما في الحفظ.. أن تستمر

وكما في كل رحلة طويلة، لم تخل تجربة سعيد من الصعوبات. فقد كانت هناك أيام سهلة وأخرى شاقة، وأوقات شعر فيها بالحماس، وأخرى واجه فيها التعب والفتور.

لكن من أبرز الدروس التي خرج بها، كما يقول، أن “أصعب ما في حفظ القرآن ليس أن تبدأ، بل أن تستمر”.

وعندما كان يشعر بالفتور، لم يكن ينتظر عودة الحماس، بل كان يحاول أن يبدأ ولو بقدر قليل. ومن الأمور التي ساعدته على الاستمرار التزامه بورد ثابت لا يتركه مهما كان يومه، حتى في الأيام التي لم يكن قادرًا فيها على مراجعة كمية كبيرة.

ومن تجربته الشخصية، يوجه سعيد نصيحة إلى كل شاب يشعر بالفتور، قائلًا: “لا تنتظر الرغبة حتى تبدأ؛ ابدأ ولو لعشر دقائق، فالاستمرار بالقليل خير من الانقطاع انتظارًا للحماس”.

ويخلص إلى أن القرآن يحتاج إلى الصبر أكثر من حاجته إلى الحماس، لأن الحماس يتغير، بينما الاستمرار هو الذي يبني العلاقة مع القرآن.

حين يصبح القرآن سلوكًا

بالنسبة إلى سعيد، لا تكتمل رحلة حافظ القرآن بمجرد إتمام الحفظ، وإنما تبدأ مرحلة أكثر أهمية، تتمثل في ظهور أثر القرآن على سلوكه وعلاقته بالآخرين.

ويقول إن أكثر ما يريده من القرآن هو أن يظهر أثره في أخلاقه وتعاملاته مع الناس، مشيرًا إلى أن هذا الأثر بدأ يظهر في مواقف بسيطة من حياته اليومية.

فعندما يغضب من موقف أو من شخص، يحاول أن يتوقف قليلًا قبل أن يتحدث، ويسأل نفسه: “هل الطريقة التي سأتحدث بها ترضي الله؟”.

كما يحاول أن يكون أكثر صبرًا، خصوصًا في المواقف اليومية التي قد تدفع الإنسان إلى التصرف بسرعة أو بعصبية.

ويؤكد أنه لا يدّعي الوصول إلى الكمال، لكنه يشعر أن القرآن جعله يراجع نفسه بصورة أكبر، وأن ينتبه ليس فقط إلى ما يفعله، وإنما إلى الطريقة التي يتعامل بها مع الناس.

ويرى أن أجمل ما يمكن أن يصل إليه حافظ القرآن هو أن يرى الناس أثر القرآن في أخلاقه قبل أن يسمعوه من صوته.

ومن هنا تأتي عبارته التي تلخص رحلته كلها: “لا أريد أن يكون القرآن في صدري فقط، وإنما أريد أن يكون ظاهرًا في حياتي”.

وتختصر والدته هذه الأمنية في كلماتها: “هذه ليست لحظة أقول فيها: ابني حفظ القرآن… بل لحظة أقول فيها: الحمد لله الذي اختار لابني أن يكون من أهل القرآن”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى