الكنيست لـ”شلومو”.. والعربي “لو يحسبها منيح” لا ينتخب

الإعلامي أحمد حازم
يتساءل الصديق المحامي زاهي نجيدات، في مقال له في العدد السابق لموقع”موطني 48″، تحت عنوان “ماذا لو قاطع مجتمعنا كلُّه انتخابات الكنيست؟”، ويقول فيه بكل وضوح: “لو قاطع مجتمعنا كلُّه انتخابات الكنيست لقفز الوزن النّوعي للجنة المتابعة مباشرةً أضعافًا مضاعفة، ولأخذت مظلوميّتنا بعدها العالمي، ولتقاطر إلينا السّفراء فرادى وجماعات، بدل أن تبقى قضيّتنا محجوبة خلف 77 سنة من المشاركة في لعبة الكنيست”.
ويستطرد المحامي نجيدات: “لو قاطع مجتمعنا كلُّه انتخابات الكنيست لأسقطنا آخر ورقة توت عن عورة المؤسّسة الإسرائيليّة العنصريّة والجامحة نحو الفاشيّة، ولَمَمَنا شملَنا ورصصنا صفوفنا في ساحة العمل الجماهيري والنّضال الشّعبي الذي حقّق نجاحات في عدّة محطّات، والنّجاح يجرّ نجاحًا”. أمور عديدة أخرى تطرّق إليها المحامي نجيدات كبراهين على صحة عدم المشاركة في انتخابات كنيست لا ناقة لنا فيه ولا جمل.
منذ عام 1949، يشارك نواب عرب في الكنيست الإسرائيلي، أي إنهم يشاركون في الكنيست منذ أول دورة له، وبقي المرشحون العرب 66 عامًا يتنافسون في انتخابات الكنيست بقوائم منفردة. ولم يفكروا ولو مرة واحدة في الوحدة حتى عام 2015، عندما أقدم نتنياهو على رفع نسبة الحسم إلى ثلاثة ونصف بالمائة، الأمر الذي يصعّب على أي حزب عربي تجاوز نسبة النجاح. ولذلك رأى المرشحون العرب أن أفضل حل لديهم هو خوضهم الانتخابات بقائمة واحدة، لأنها الطريقة الوحيدة التي يضمنون بها فوزهم في انتخابات الكنيست. فماذا فعل هؤلاء للمواطن العربي منذ العام 1949؟
أنا أقول لكم ماذا فعل هؤلاء: لقد ساعدوا إسرائيل في تجميل وجهها القبيح في العالم من خلال مشاركتهم في انتخابات الكنيست، ودعموها في قولها إنها دولة ديمقراطية تؤمن بالمساواة، رغم أنها عكس ذلك تمامًا، وساعدوا إسرائيل في التغطية على عنصريتها. أضف إلى ذلك الامتيازات الشخصية والمادية لكل حزب ولكل عضو كنيست، إذ تنهار الملايين عليهم مثل انهيار المطر في الشتاء.
من ناحية منطقية وشرعية، فإن “لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني” هي الممثل الشرعي لهم، لأن كافة الأحزاب العربية ممثلة فيها. لكن أحزاب العرب في الكنيست لا تريد دعم هذه اللجنة والدفع بها إلى الأمام، لتكون الواجهة الأساسية لفلسطينيي الـ48، لكي لا يخسروا امتيازاتهم. وبهذه النقطة يلتقون مع المؤسسة الإسرائيلية التي تعمل أجهزتها بكل جهدها من أجل عدم رفع مكانة لجنة المتابعة.
يوجد مثل عربي يقول: “شر البلية ما يضحك”. والمقصود هنا ليس الضحك انطلاقًا من إيجابية، بل العكس تمامًا، أي بسبب السلبية. الحديث بشكل عام في هذه الأيام في الشارعين العربي واليهودي يدور حول انتخابات الكنيست المقبلة في هذا الشهر. (وكالعادة، طبعًا، في كل انتخابات كنيست) الحركة نشطة جدًا للأحزاب العربية الموالية للكنيست، الذي صوّت على عشرات القوانين العنصرية ضد عرب هذه الدولة، التي اختارت لهم اسم “عرب إسرائيل” في محاولة لتجريدهم من فلسطينيتهم.
من يدعمون انتخابات الكنيست، لم يفهموا بعد أن هذه الدولة هي دولة يهودية فقط، وهم (أي عرب إسرائيل) موجودون لتجميل وجهها، لا أكثر ولا أقل.
ألم يسمع هؤلاء بقانون القومية الذي وافق عليه الكنيست في 19 يوليو/تموز 2018، وهو قانون أساس ينص على أن إسرائيل هي الوطن القومي لليهود، ويحدد حق تقرير المصير فيها لليهود حصريًا، وليس لكل المواطنين؟ وعلى فكرة، هذا القانون وافق عليه عضو الكنيست منصور عباس، رئيس “القائمة العربية الموحدة”، والذي يؤيد الدخول في ائتلاف حكومي.
هم يقولون، وبكل وقاحة: “إن هذه الدولة يهودية”، فلماذا الركض وراءهم في وقت يتجاهلوننا؟ هم يتحدثون كذبًا في الخارج وفي الداخل عن المساواة في هذه الدولة. هم يعرفون تمامًا أنهم غارقون حتى رأسهم في العنصرية. وهناك فرق كبير بين الواقع والدعاية. الماكنة الإعلامية في هذه الدولة “شغّالة” على الكذب بكل أنواعه.
تاريخ انتخابات إسرائيل يقول إن حركة مقاطعة انتخابات الكنيست كانت كبيرة طوال العقود الأخيرة، وقد بلغت ذروتها في انتخابات عام 2001، عقب انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث كانت نسبة المشاركة في تلك الانتخابات 18% (82% مقاطعون). والملاحظ، حسب المعلومات المتوفرة، أن نسبة المشاركين العرب في انتخابات الكنيست منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 حتى عام 2013 كانت في تناقص دائم، وكانت نسبة المقاطعين في ازدياد دائم.
نسبة مقاطعة انتخابات الكنيست في المجتمع العربي تقترب من النصف؛ حيث بلغت نسبة التصويت في آخر انتخابات تشريعية (نوفمبر/تشرين الثاني 2022) 53.2% فقط، مما يعني أن 46.8% من الناخبين العرب قاطعوا الاقتراع.
الكنيست، يا أيها الأعزاء، لـ”شلومو” و”ديفيد”، والعربي “لو يحسبها منيح” لا ينتخب… افهموها يا “عرب إلكنيست”. بعد هذا التحليل، أترك لك، عزيزي القارئ، التفكير بعمق في موضوع المشاركة في انتخابات الكنيست.
