أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرشؤون إسرائيليةومضات

قتلت بدم بارد.. قصة عجوز فلسطينية أجلاها الاحتلال ثم أعدمها بغزة

كشفت شهادات جنود وضباط إسرائيليين خدموا في قطاع غزة -كما جمعتها وسائل إعلام إسرائيلية ومنظمات عسكرية سابقة- ممارسات للاحتلال تتجاوز أخطاء ميدانية منفصلة إلى نمط يتكرر في أكثر من جبهة ومرحلة من الحرب.

ويتقاطع استخدام المدنيين دروعا بشرية مع قواعد إطلاق نار واسعة، ومناطق قتل غير مرسمة، وحوادث إطلاق نار على فلسطينيين لم يشكلوا تهديدا مباشرا، فيما ينفي الجيش وجود أوامر تسمح باستهداف المدنيين ويعلن فتح تحقيقات في بعض الوقائع.

في 14 سبتمبر/أيلول 2026، نشرت الصحفية ريفيتال هوفيل في موقع “أشد مكان في الجحيم” تحقيقا عن حادثة تعود إلى صيف 2024، حين عثر جنود الكتيبة 50 من لواء ناحال على امرأة فلسطينية مسنة ومريضة في جنوب غزة. وبحسب شهادات جنود، فإن المرأة لم تكن تشكل خطرا، ولذلك تقرر إجلاؤها.

وضع الجنود المرأة في مركبة “همر” وهي مقيدة ومعصوبة العينين، لكن ضابطا أوقف المركبة أثناء عبورها الطريق، ثم أنزل المرأة وأطلق النار عليها فقتلها، وقال لمرؤوسيه وفق الشهادات: “أوامر من لاسري”، في إشارة إلى الرائد مناحيم لاسري، الذي كان يشغل منصب نائب قائد الكتيبة.

ووصف جندي مطّلع الحادثة بأنها “إعدام لامرأة مسنّة كان يجب إجلاؤها”، مؤكدا أنه لا يمكن تقديم تبرير تكتيكي أو عملياتي، والأشد دلالة أن الموقع قال إن الضابط مُطلق النار رُقي لاحقا وظل في الجيش.

البعوضة البشرية
ولم تقف الشهادات عند القتل المباشر، ففي فبراير/شباط 2025 كشف إيلي باري في الموقع نفسه أن ضابطا من ناحال ربط فتيل تفجير حول عنق فلسطيني في الثمانينيات من عمره، وأجبره على السير أمام الجنود ثماني ساعات والدخول إلى المنازل قبلهم، بحيث يتعرض هو أولا لأي عبوة أو هجوم مسلح.

وبعد انتهاء المهمة، أمر الجنود الرجل وزوجته بالسير نحو المنطقة الإنسانية، لكن القوة لم تبلغ وحدة مجاورة بمرورهما، وبعد نحو مئة متر أطلقت قوة أخرى النار عليهما وقتلتهما، ونقل التحقيق عن جنود أن استخدام الفلسطينيين فيما يسمى “إجراء البعوض” لم يعد حادثة نادرة، بل “ممارسة معتادة”، رغم تأكيد الجيش أن أوامره تحظر تعريض المدنيين قسرا لمهام عسكرية خطرة.

وهذا التوصيف تعزز بتحقيق صحيفة هآرتس في 13 أغسطس/آب 2024، الذي أعده المراسل العسكري ينيف كوبوفيتش ومايكل هاوزر طوف، وقد تحدث التحقيق عن فلسطينيين مكبلي الأيدي، يرتدي بعضهم زي الجيش، ويرسَلون إلى الأنفاق والمباني قبل القوات، ونقل عن مقاتلين تبريرا مباشرا لذلك بقولهم: “حياتنا أهم من حياتهم”، وأن الأفضل أن تنفجر العبوة في الفلسطيني بدلا من الجندي الإسرائيلي.

وتوسعت دائرة التوثيق خارج الصحافة الإسرائيلية المحلية. ففي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2024، نقل دانيال أدلسون في يديعوت أحرونوت تحقيق نيويورك تايمز الذي استند إلى مقابلات مع 16 جنديا ومسؤولا عسكريا حاليين وسابقين وثلاثة فلسطينيين، ومن بينهم محمد شبير، الذي كان في سن 17 وقال إنه أجبر على السير مكبل اليدين أمام القوات في خان يونس والبحث عن عبوات، وأُرسل إلى شقة مفخخة واصفا نفسه بأنه استُخدم “كالكلب”.

وتتقاطع الدروع البشرية مع شهادات عن قواعد إطلاق النار. ففي تحقيق نشره كوبوفيتش في هآرتس يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 2024 حول محور نتساريم، وصف ضابط في الفرقة 252 المنطقة بأنها “منطقة قتل”: من يدخلها تُطلَق عليه النار.

وبلغ هذا النمط ذروة أخرى حول مراكز توزيع المساعدات. ففي 27 يونيو/حزيران 2025 نشر نير حسون وينيف كوبوفيتش وبار بيليغ في هآرتس شهادات ضباط وجنود قالوا إنهم تلقوا أوامر بإطلاق النار على حشود لإبعادها أو تفريقها، رغم وضوح عدم وجود خطر على القوات.

ووفقا لبيانات وزارة الصحة في غزة التي أوردتها هآرتس، فقد قُتل 549 شخصا قرب مراكز المساعدات ومناطق انتظار شاحنات الأمم المتحدة منذ 27 مايو/أيار حتى تاريخ التحقيق، وأصيب أكثر من أربعة آلاف، مع عدم وضوح العدد الدقيق لمن أصيبوا مباشرة بنيران الجيش.

ونقلت الصحيفة أيضا عن ضابط احتياط رفيع قوله إن مدنيين قُتلوا في حادثة رغم أنهم لم يكونوا قريبين من القوات ولم يعرضوها للخطر. وفي واقعة أخرى، أدى أمر بإطلاق النار نحو تقاطع ينتظر فيه مدنيون شاحنات المساعدات إلى مقتل ثمانية منهم، بينهم فتيان.

وتدعم هذه الصورة روايات لم تعد محصورة في صحفي واحد. ففي 24 مايو/أيار 2025 عرضت القناة 13 تحقيقا لوكالة أسوشيتد برس، تحدث فيه جنود وفلسطينيون عن انتشار “إجراء البعوض” منذ وقت مبكر من الحرب. وقال ضابط خدم تسعة أشهر إن الفكرة “انتشرت كالنار”، وإن وحدات عديدة استعانت بفلسطينيين لمسح المباني المشبوهة.

كما وثقت منظمة “كسر الصمت” شهادة جندي قال إن فلسطينيين، أحدهما فتى عمره 16 عاما، احتُجزا مع القوة 48 ساعة وأُرسلا لفتح المنازل قبل دخول الجنود “حتى إذا كانت هناك عبوة ينفجران بها”. وعندما قال جندي لقائد الكتيبة إن ما يجري قد يكون جرائم حرب، رد القائد، بحسب الشهادة، بأن المقاتل ينبغي أن يفكر في “قيم الجيش” لا في قوانين الحرب.

وفي 14 يناير/كانون الثاني 2025، تحدث سبعة جنود رفضوا مواصلة القتال إلى أسوشيتد برس. وقال ضابط المدرعات يوتام فيلك إنه شاهد مقتل ما لا يقل عن 12 شخصا قرب منطقة عازلة، وإن مقتل فتى ظل يطارده لأنه رآه جزءا من سياسة أوسع تُفقد الفلسطينيين صفتهم الإنسانية.

ولا تُثبت الشهادات وحدها وجود أمر مكتوب موحد يشمل الجيش كله، لكنها تكشف تكرارا جغرافياً وزمنيا يصعب اختزاله في “حادث شاذ”. فمن الدروع البشرية إلى خطوط القتل ومراكز المساعدات، يتكرر منطق واحد: تقليل الخطر على الجندي بنقل الخطر إلى المدني، أو اعتبار وجود المدني في منطقة عسكرية سببا كافيا لإطلاق النار.

وبين الحظر الرسمي والواقع الذي يصفه الجنود، تظهر المشكلة باعتبارها أزمة قواعد قيادة ومساءلة وثقافة عملياتية، لا مجرد سلسلة أخطاء منفصلة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى