3 أعوام من الحصار.. ماذا يدخل غزة من بضائع؟ (شاهد)

بينما تكشف الأرقام الرسمية تحسنا ملحوظا في حجم السلع والمساعدات التي تدخل إلى قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة، لا يبدو أثره بالقدر نفسه في حياة سكان القطاع واقتصاده، فما يصل لم يُعد للسوق الغزية توازنه، ولا للسكان قدرتهم على الشراء والعمل، ولا أطلق دورة إنتاج قادرة على تلبية احتياجاتهم.
وينحصر ما يدخل بين مساعدات إغاثية لا تكفي جميع المحتاجين، وسلع تجارية يغلب عليها الطابع الاستهلاكي، تصل إلى سوق يفقد فيها كثير من السكان قدرتهم على الشراء، بينما تظل المواد الخام ومولدات الطاقة وقطع الغيار والمعدات اللازمة للإنتاج محدودة.
وتتجاوز المسألة حجم ما يدخل إلى طبيعة ما يُسمح بدخوله وما يُمنع أو يتأخر؛ إذ تتحكم إسرائيل في حركة السلع، بما يترك أثرا لا على وفرة المعروض وأسعاره فحسب، وإنما على قدرة الاقتصاد نفسه على استعادة أدوات الإنتاج.
تعقيدات تحمل أسئلة تتجاوز معرفة عدد الشاحنات للحكم على السوق، إلى السؤال عما تحمله وما يُمنع منها ولمن تصل وبأي كلفة، وهل يكفي ما يدخل لإبقاء الناس على قيد الحياة والاستهلاك، أم يتيح لهم استعادة قدرتهم على العمل والإنتاج وتوليد الدخل؟
ماذا يدخل غزة؟
تكشف وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أن ما يدخل من مساعدات لا يتجاوز 15% من الاحتياج، في حين تقول إن أكثر من 95% من السكان يعتمدون على المساعدات بصورة كاملة، وأكثر من 90% فقدوا قدرتهم على الشراء.
كما تفيد معطيات الوزارة -على لسان المتحدثة باسمها عزيزة الكحلوت- بأن قاعدة بياناتها تضم نحو 513 ألف أسرة محتاجة للمساعدة، بينما تشمل الأولويات الحالية الغذاء والمياه الصالحة للشرب والنقد والمأوى والأدوية والمستلزمات الطبية والوقود ومواد النظافة والحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
وتفسر المتحدثة المشكلة في 3 مستويات متداخلة:
– نقص كمية المساعدات واستمراريتها.
– صعوبة إيصالها إلى المستفيدين بعد دخولها بسبب نقص الوقود ووسائل النقل وتضرر البنية التحتية.
– عدم كفاية تنوعها لمواكبة الاحتياجات المتغيرة.
نسبة التضخم 200%
وإذا كانت المساعدات مرتبطة أساسا بقدرة الأسر على الحصول على احتياجاتها الأساسية، فإن السلع التجارية ترتبط بقدرة المواطنين على شرائها، فوجودها في السوق لا يعني أن تكون في متناول المستهلك.
وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن التضخم في غزة لا يزال عند نحو 200% فوق مستويات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما بلغ 206% في نهاية أغسطس/آب.
ويصف الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب -في تصريحات صحفية- الوضع بأنه أزمة مزدوجة تنحصر في سلع تصل إلى السوق بكلفة مرتفعة، في مقابل قدرة شرائية منهارة. ويبين أن ارتفاع الأسعار لا يأتي فقط من ندرة السلعة، وإنما أيضا من تكاليف النقل والتخزين والطاقة والمخاطر، وهي تكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلك.
وبذلك فإن تحسن دخول السلع لا يُقاس بوجودها على رفوف المتاجر، بل بقدرة الأسر على الوصول إليها وشرائها.
خمس الاحتياجات
وتكشف معطيات غرفة تجارة غزة أن متوسط ما يدخل فعليا لا يتجاوز نحو 200 شاحنة تجارية، مقابل حد أدنى متفق عليه يبلغ نحو 600 يوميا، بينما يقدّر الاحتياج الفعلي بنحو 1000 شاحنة يوميا لتحقيق استقرار مقبول في السوق ودعم التعافي الاقتصادي.
والأهم من العدد، وفق تصريح مدير العلاقات العامة والإعلام في الغرفة التجارية خليل عطالله في تصريح صحفي، هو تركيبة هذه الشاحنات؛ إذ يقدر أن نحو 95% من السلع المسموح بدخولها ذات طابع استهلاكي، مقابل نحو 5% فقط مرتبطة بالإنتاج.
ووفق بيانات أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ففي أغسطس/آب الماضي، دخل إلى القطاع الخاص في غزة 3627 شاحنة تجارية، بزيادة 116 شاحنة عن يوليو/تموز الماضي.
ويلفت عطا الله إلى أن أبرز النواقص الحالية تشمل الوقود والزيوت، وقطع غيار المركبات والآلات، ومستلزمات الطاقة، ومعدات تحلية المياه، والمدخلات الزراعية والصناعية، والمعدات التشغيلية.
معاناة مستمرة يعيشها سائقو شاحنات المساعدات بفعل سلوك الجنود الإسرائيليين بحقهم خلال نقلهم للمساعدات إلى قطاع غزة | تقرير: أشرف أبو عمرة
#مراسلو_الجزيرة https://t.co/mFo4IfG0Ir— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) July 20, 2026
قوائم الرفض
ولا تتوقف الفجوة عند حجم الواردات أو قدرة الناس على شرائها، إذ تظل قائمة المواد التي يسمح بدخولها وتلك التي تصنفها السلطات الإسرائيلية على أنها “مزدوجة الاستخدام” عاملا مؤثرا في حجم الإمدادات وطبيعتها.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن إدخال المواد التي تصنفها السلطات الإسرائيلية “ذات استخدام مزدوج” لا يزال محدودا للغاية، وتخضع لإجراءات موافقة أطول تنتهي في كثير من الحالات بالرفض.
وتتسع قائمة المواد التي يمكن أن تتأثر بهذه القيود لتشمل، وفق الأمم المتحدة، الخيام والشوادر والأخشاب والحبال والأشرطة والأدوات وأدوات الطهي وأنظمة الطاقة الشمسية، وهو ما يحد من القدرة على توسيع الاستجابة للمأوى والاستعداد لفصل الشتاء.
ولهذا يرى الخبير الاقتصادي أبو جياب أن التعافي لا يبدأ فقط بزيادة المساعدات، بل باستعادة التجارة والإنتاج معا، ويقول: “المساعدة ضرورية للبقاء لكن التجارة تتيح إعادة الحركة إلى الاقتصاد، ومدخلات الإنتاج تتيح خلق العمل والدخل”.
وبحسب غرفة تجارة غزة، فإن عدد المستوردين الذين كانوا يتجاوزون 2000 قبل الحرب، أصبح اليوم بين 10 و13 مستوردا فقط، في ظل القيود على الدخول والحركة وارتفاع المخاطر والكلفة.
مساعدات مصرية
تشير معطيات مصرية إلى إدخال نحو 13 ألف طن من المساعدات و75 ألف سلة غذائية في أسبوع.
وتقول آمال إمام، المديرة التنفيذية للهلال الأحمر المصري المعني بتنظيم عملية إدخال المساعدات إلى غزة، في تصريحات صحفية، إن الفترة الأخيرة تشهد انتظاما نسبيا في إدخال شاحنات المساعدات.
وتابعت أن دور الهلال الأحمر يقتصر على إيصال المساعدات، ويعلن يوميا عما أنجز منها، مشيرة إلى جهود نحو 75 ألف متطوع في إدخالها للقطاع.
وحول طبيعة المساعدات المقدمة يوميا، تضيف آمال إمام أنها تتضمن كل ما يحتاجه سكان غزة يوميا وما يعزز صمودهم، من غذاء وملابس وطعام ودواء ووقود لتشغيل المستشفيات والمخابز، لافتة إلى أن الفترة الراهنة تشهد تجهيز قوافل الشتاء لمساعدتهم على مواجهة الطقس القارس.
استعدادات للشتاء
من جانبه، أشار المتحدث باسم اللجنة المصرية في قطاع غزة محمد منصور -في تصريحات صحفية- إلى أن قافلة مصرية كبيرة تم الدفع بها إلى المنطقة الوسطى في غزة أمس الأحد، بسبب قرب فصل الشتاء وقسوة الجو، مكونة من طرود غذائية وخيام وطرود دوائية وأغطية ثقيلة “بطاطين”، لتوزيعها على العائلات النازحة، والعائلات التي تتخذ من الخيام البالية مسكنا لها.
وبين 27 سبتمبر/أيلول و3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بلغ حجم المساعدات التي دخلت القطاع من الجانب المصري نحو 13 ألف طن من المساعدات و75 ألف سلة غذائية، عبر 6 قوافل لمبادرة “زاد العزة” التي تقدمها مصر لغزة من خلال الهلال الأحمر المصري.
ووفقا للبيانات الصادرة عن الهلال الأحمر المصري، أدخل الهلال خلال الأسبوع الأخير فقط نحو 3 آلاف طن من الوقود السائل اللازم لتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية، بالإضافة إلى نحو مليون طن من المساعدات منذ بدء الحرب على غزة.
