مأسسة العنصرية والعنف: تفوق الأطباء العرب كسر لسردية الدونية

المحامي خالد زبارقة
تُشير الوقائع الميدانية والتحليلات القانونية إلى أن تصاعد وتيرة الاعتداءات والممارسات العنصرية ضد المواطنين العرب يُمثل تجسيدًا لعنف هيكلي مُمأسس، يعتمد على ترسيخ الفوقية القومية من خلال أدوات المنظومة السياسية والتشريعية وسلطات إنفاذ القانون. وفي قلب هذه المواجهة، يبرز استهداف الكفاءات المهنية، وعلى رأسهم الأطباء والكوادر الطبية العربية، كأوضح دليل على المأزق الأيديولوجي الذي تعيشه المنظومة العنصرية؛ حيث تحوّل الطبيب العربي من مقدّم للرعاية الصحية إلى هدف استراتيجي لآلة التحريض والإقصاء. إن هذا الواقع يفرض تحديات قانونية غير مسبوقة، تستوجب تفكيك هذه الانتهاكات ومقاربتها وفقًا لمعايير القانون.
الطبيب العربي ككاسر لسردية الدونية
يُشكل مبدأ المساواة والحق في الكرامة الإنسانية أساسًا قانونيًا مفترضًا في ميدان العمل، إلا أن القطاع الصحي الإسرائيلي بات يمثل ساحة صراع تعكس عمق الأزمة العنصرية. يُمثل الحضور البارز والمؤثر للأطباء العرب تحديًا مباشرًا وصارخًا لسردية الدونية التي تروّج لها الفصائل القومية اليهودية. من الناحية السيكولوجية والقانونية، فإن وقوف الطبيب العربي في موقع السلطة المعرفية والمهنية، وامتلاكه القدرة على إنقاذ حياة من يحملون أفكارًا عنصرية ضده، يفكك تلك السردية الهشة ويخلق حالة من “التنافر المعرفي” لدى العنصريين.
هذا العجز عن تقبّل التفوق المعرفي والمهني للعربي يُترجم إلى ردّة فعل انتقامية تتمثل في التحريض السافر والممنهج. يتبلور هذا التحريض في خلق “بيئة عمل معادية”، وهي مخالفة صريحة لقوانين التكافؤ في فرص العمل وحظر التمييز. يتعرض الأطباء لمراقبة غير قانونية لحريتهم في التعبير، ويواجهون تهديدات مبطنة وصريحة بالفصل التعسفي لمجرد التعبير عن مواقف إنسانية، وصولًا إلى تصاعد خطير ينذر بتحول التحريض اللفظي إلى اعتداءات جسدية أو لفظية فعلية داخل المستشفيات.
إن الخطورة تكمن في الأجواء المشحونة التي تجد آذانًا صاغية لدى المجموعات الغوغائية المنفلتة، والتي ترى في هذا التحريض ضوءًا أخضر للاعتداء المباشر على الأطباء. ورغم المذكرات القانونية والمطالبات الرسمية التي تقدمنا بها في “الهيئة الحقوقيون العرب لمناهضة العنصرية”، والتي أسفرت عن حراك إعلامي ومطالبات بفتح تحقيقات، وأجبرت النقابات الطبية على التحرك، إلا أن سلطات إنفاذ القانون والوزارات المعنية لم تتخذ، حتى الآن، أي خطوات إجرائية رادعة. بل على العكس، تعالت اللهجة العدوانية وأصبحت أكثر شراسة، مما يعد إخلالًا بالالتزام الإيجابي للدولة في توفير الحماية لمرتادي هذه المهن، وترك الكوادر الطبية عُرضة لخطر جسيم ومحقق، وما اتهام الأطباء العرب بتسميم المرضى اليهود من على المنصات الإعلامية إلا تجسيد لهذا التصعيد.
لا يقتصر هذا العنف الهيكلي على الكفاءات الطبية، بل يمتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى تعتمد بشكل جوهري على العمالة العربية، مستهدفًا الفئات الأقل حصانة. في قطاع النقل العام، يُحرم السائقون العرب من أبسط الحقوق المنصوص عليها في قوانين العمل، وعلى رأسها “الحق في بيئة عمل آمنة”. إن ترك هؤلاء السائقين كدروع بشرية عُرضة للاعتداءات الجسدية واللفظية اليومية من قبل غوغاء الإرهاب اليهودي، يُحمّل شركات النقل والسلطات الأمنية مسؤولية تقصيرية واضحة جراء تقاعسها عن توفير الحماية.
أمّا العمال في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، فيتعرضون لممارسات تتنافى مع أبسط قواعد قانون العمل؛ بدءًا من سياسات الطرد التعسفي والانتقامي الفوري دون مراعاة الأصول القانونية لجلسات الاستماع، وصولًا إلى الإهمال الجنائي المتعمد في تطبيق معايير السلامة المهنية. هذا الإهمال يؤدي إلى حوادث عمل مُميتة تحصد أرواح العشرات سنويًا.
تتكامل هذه السياسات الداخلية مع السياق الأوسع للممارسات المطبقة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث ترقى الانتهاكات الموثقة إلى مستوى الجرائم الجسيمة وفقًا للقانون الدولي الإنساني. إن اعتداءات المستوطنين، التي تشمل إضرام النار عمدًا في المحاصيل الزراعية، واقتلاع أشجار الزيتون، والمصادرة غير القانونية للأراضي والمواشي بقوة السلاح، لا تمثل مجرد “جرائم كراهية”، بل هي أفعال ميليشياوية تُنفذ ضمن استراتيجية ممنهجة للتهجير القسري تحت الغطاء القانوني والأمني الرسمي للدولة.
وتكمن الخطورة القانونية الكبرى في تواطؤ سلطات الدولة؛ فالجيش وقوات الأمن يمتنعون بشكل منهجي عن أداء واجبهم في حماية المدنيين، بل يوفرون غطاءً أمنيًا للمعتدين. وفي القدس، تُشكل الاعتداءات المتكررة في باب العامود والبلدة القديمة على المارة والنساء وكبار السن انتهاكًا صارخًا لحق الأفراد في الأمان على شخصهم وحرية التنقل، وتُستخدم كأداة قمعية لكسر الإرادة وفرض السيطرة الديموغرافية بقوة الأمر الواقع.
لتشخيص الجذور المؤسسية لهذا الخلل البنيوي، تُمثل أحداث أيار/مايو 2021 (هبة الكرامة) السابقة القانونية والواقعية الأبرز. خلال تلك الفترة، شهدنا اعتداءات مسلحة ومنظمة شنتها مجموعات يمينية منفلتة ضد أحياء وممتلكات المواطنين العرب، في ظل تواطؤ ورعاية تامة من الأجهزة الأمنية والشرطية التي غضّت الطرف عن تسليح وتنظيم هذه المجموعات.
إن هذا التواطؤ المؤسساتي اختبرته بشكل مباشر وقاسٍ. بحكم ممارستي اليومية للعمل القانوني، ووقوفي المستمر في أروقة المحاكم للترافع والدفاع عن المظلومين، أدرك تمامًا معايير الإثبات والواجبات الملقاة على عاتق سلطات التحقيق. وعندما تعرضت ممتلكاتي الخاصة، بيتي وسيارتي، لاعتداءات مباشرة من قبل تلك العصابات المنفلتة، كجزء من الاعتداءات التي تعرض لها أبناء شعبنا في الداخل في كل مكان، وخاصة في المدن المختلطة، فقد بادرت فورًا إلى تقديم شكوى رسمية مستوفية لكافة الأركان المادية والمعنوية، ومدعمة بالأدلة الدامغة. إلا أن الرد كان تجميدًا تامًا للملف وإنكارًا للعدالة.
هذا الرفض لتحريك الدعوى الجنائية أو الشروع في تحقيق جدي ليس قصورًا إداريًا، بل هو تطبيق منهجي لسياسة “الإنفاذ الانتقائي للقانون” وتوفير الحماية القانونية للمخالفين اليهود. إن هذا التقاعس المتعمد يمنح المعتدين حصانة فعلية ويُرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب، مما يؤكد أن المنظومة الأمنية والقضائية تعمل كشريك فعلي ومظلة داعمة للانتهاك، بدلًا من أن تكون جهة لإنفاذ العدالة. وهذا برز بشكل واضح في أحداث هبة الكرامة.
في ظل هذا المشهد الذي تتضافر فيه جهود السلطة التنفيذية والمجموعات المتطرفة لانتهاك الحقوق الدستورية والمدنية، يصبح الركون إلى أدوات الاستنكار التقليدية غير ذي جدوى. يتطلب الوضع الراهن، وتحديدًا من الكفاءات القانونية والطبية والنقابية، تبني استراتيجية مواجهة حقوقية صارمة تعتمد على الانتقال من الدفاع الفردي إلى رفع دعاوى تمثيلية واختصام السلطات الرسمية. يجب توثيق تقاعس الشرطة عن حماية الأطباء والسائقين وإغلاقها لملفات التحقيق بشكل ممنهج، واستخدام هذه السوابق كأدلة دامغة في تقارير تقدم للجان تقصي الحقائق والمحافل الحقوقية الدولية، كإثبات على وجود سياسات فصل وتمييز مؤسساتي على أساس عنصري.
ويبرز دور التنظيم النقابي كقوة قانونية رادعة؛ حيث يجب تفعيل الأطر النقابية للكوادر القانونية والطبية والعمال، لا كجهات تمثيلية فحسب، بل كقوة ضغط تفرض شروط السلامة، وتُلزم المستشفيات والمشغلين بتحمل مسؤولياتهم التقصيرية تجاه أي اعتداء بدني أو فصل تعسفي. إن الاشتباك القانوني المستمر في كافة المحافل، وتوثيق الانتهاكات وفق معايير الإثبات الصارمة، مدعومًا بتنظيم نقابي قوي يعي أهمية دوره في شريان الحياة الاقتصادي والصحي، يُمثل السبيل الأنجع لفرض الحقوق الأساسية والتأكيد على أن المركز القانوني والمدني والمهني للمواطنين العرب، أطباء وعمالًا، لا يقبل المساومة أو التجزئة.
