أخبار عاجلةمقالات

معركة الوعي (304): هذه بوصلتنا الّتي تدلّنا على الطّريق

حامد اغبارية

1) عندما قلنا “لا” للكنيست الصهيوني، فقد كان ذلك عن قناعة تامة وإيمان عميق بأن هذا المشروع ليس فقط أنه لن يحقق شيئا مما جرى ويجري تسويقه من أوهام بين الناس، بل هو مشروع خطير؛ نهاياتُه ومآلاتُه خطيرة جدا، أقلها حرف بوصلتنا، وتشويش هويتنا، وإرباك انتمائنا، وتفكيك روابطنا. وأخطر ما فيه عزلُ هذا الجزء الأصيل من شعبنا عن دوائره الفلسطينية والعربية والإسلامية. وهذا بالضبط ما تريده المؤسسة الإسرائيلية، وهو ما يسعى إليه المشروع الصهيوني منذ غرز أوتاده وأنشب أظفاره في جسد هذا الوطن الجريح.
لقد أدركنا منذ اللحظة الأولى، وقدمنا الأدلة التي نعتقد أنها يجب أن توقظ النائمين، وتنبّه الغافلين، وتقرع بقوة على جدار الوعي، أن مشروع الكنيست لا يمكن أن يلتقي في أي مرحلة من المراحل، مع الهموم الحقيقية والقضايا الحقيقية التي يُفترض بشعب حيّ أن تشكّل بالنسبة له البوصلة الحقيقية التي ستوصله إلى شاطئ الحرية. بل إن المشاركة في الكنيست تشكل عائقا أمام ما هذا كله.
إن بوصلتنا واضحة من بداية الطريق، قبل الانتخابات وبعد الانتخابات، بل هي اليوم أشد وضوحا وأحدُّ بصيرة. هي بوصلة تشير مباشرة إلى المسجد الأقصى المبارك، وإلى مدينة القدس. هي بوصلة تشير إلى قضية شعب وقع عليه ظلم تاريخي، شاركت فيه أممُ الأرض قاطبة، بما فيها أنظمة عربية، أوهمتنا في اللحظات الحرجة أنها في ذات الخندق معنا، وإذا بنا نراها تزحف باتجاه المشروع الصهيوني على أربع، تحت عباءة محور الإجرام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. بوصلة تشير إلى شعب سُلبت حقوقه التاريخية والدينية والجغرافية واختُطفت روايته وسرديته. بوصلة تشير إلى شعب نُهبت أرضه، وسُفكت دماء أبنائه. بوصلة تشير إلى أن الهوية والانتماء لا يمكن أن يصيغهما إلا ذلك الرابط الأصيل مع تلك الدوائر الثلاث؛ الفلسطينية والعربية والإسلامية، وما سواها فهو باطل زائف مشكوك فيه وفي نواياه. وهذا كله لا يمكن أن يتحقق من خلال سراب اسمه الكنيست، ولا من خلال اللعب في تلك المساحة الصغيرة الضيقة التي رُسمت لشعبنا داخل ملعب السياسة الإسرائيلية.

2) ربما نفهم، لكننا لا نتفهّم، ولا نلتمس عذرا، ولا نجد مبررا!
نفهم أن الأحزاب العربية التي اختارت هذا الطريق لا يمكنها الرجوع عنه، لكننا نتفهّم اختيارها لهذا الطريق وقد كانت تستطيع غيره. فلا عذر لها ولا مبرر!
ونحن عندما نحاور فإننا نفعل ذلك من مبدأ المسؤولية الذي نراه معلقا في أعناقنا. وعندما نناقش فإننا نفعل ذلك لأننا نريد لكل الأحزاب أن تنسجم في بوتقة واحدة مع هموم مجتمعنا وشعبنا وأمتنا، ولا تكتفي بالفتات، سواء كان هذا الفتات على صورة ميزانيات وخدمات، أو على صورة “هامش ديمقراطي” كاذب مزيف، أو مشاركة في ائتلاف هو في الحقيقة مصيدة لمراتون تنازلات لا نهاية لها، ولا تدري أين ستتوقف!
إن مشكلتنا ليست مع الأحزاب السادرة في طريق نعرف نهايته، وإنما مشكلتنا مع قضية الانتخابات للكنيست الإسرائيلي. وكما أنه من حق أي إنسان أن يدعو للتصويت، ومن حق كل حزب ومرشّح إقناع الناس بموقفه ذاك، فإن من حقنا، بل إن من واجبنا الشرعي والأخلاقي (وإن شئت، واجبنا الوطني أيضا) أن نناقش هذه القضية، ومن حقنا ممارسة حقنا المبدئي في عدم المشاركة، وعدم التصويت وفي الدعوة إلى ذلك وإقناع الناس بهذا الموقف. فلماذا يتصرف الآخرون كالملدوغ كلما رفعنا صوتنا بموقفنا؟؟!
إننا نحترم حق الناس فيما يختارونه، حتى لو اختاروا العيش في جهنم، وإن كنا نشفق عليهم من النتائج. وفي المقابل فإننا نتوقع من الآخرين أن يحترموا حقنا في التعبير عن موقفنا واختيار طريقنا. وربما لو كُنا في سِعة من الأمر وبحبوحة من مساحات الفهم لطالبناهم أن يدافعوا بالنواجذ عن حقنا هذا، كما نفعل نحن مع حقهم ذاك. هذا هو أصل الأشياء، وهذه هي المعادلة الصحيحة.
إن من حقنا أن نسلك كل طريق مشروع وأخلاقي ونظيف ونقيّ غير ملوّث لإقناع الناس بوجهة نظرنا، وعلى رأس ذلك شرح تبعات مصيبة المشاركة في الكنيست، وإثبات عدم جدواها، وعدم تحقيقها أية مصلحة حقيقية يرجو أبناء شعبنا تحقيقها من أجل رفع الظلم عنهم، ونيل حقوقهم، ووقف كل الممارسات الباطلة التي تمارسها السلطة الإسرائيلية ضدهم. وكذلك بيان عدم سلامة الطريق وبيان العوار والنقص في هذا الطريق الذي تسير فيه الأحزاب المختلفة؛ سواء تلك التي تسير على مبدأ التوصية والدعم من الخارج، أو تلك التي اختارت نهج المشاركة في الائتلاف!!
وقناعتنا أن هناك من الأحزاب من يستخدم الشعارات البراقة لخداع الناس ولإيهامهم بأنها موجودة لخدمة مصالحهم وتسعى من أجل ذلك، بينما الحقيقة غير ذلك. وقد ناقشنا هذه المسألة أكثر من مرة، وقلنا إن هناك أحزابا لا يمكنها أن تستمر وتبقى في الساحة إلا من خلال وجودها في الكنيست، وإن رصيدها الجماهيري ضحلٌ ويتآكل يوما بعد يوم، وإنها لو خضعت للاختبار الجماهيري الحقيقي فإنها ستظهر بحجمها الحقيقي، ولربما اختفى بعضها عن الساحة. وقد حصل مثل هذا في الماضي. قلنا هذا وسنواصل قوله ومناقشته حتى تأتي لحظة فارقة فاصلة نقف فيها أمام أنفسنا ونقرر إلى أين نحن ذاهبون.

3) ليس من حق أي أحد أن يمارس علينا سياسة السلطة التي تمارس سياسة تكميم الأفواه، كما يفعل بعض الحزبيين، بحجة أن المقاطعة تصب في صالح اليمين المتطرف، واستمرار سيطرته على الحكم، وكـأننا فعلا في دولة ديمقراطية، وكأننا حقا جزء من هذه التكوينة الغريبة العجيبة، وأن في إمكاننا تغيير الحُكومة واستبدال اليمين المتطرف بغيره أفضل منه ليعمَّ علينا خيره!! بينما تؤكد تجربة عقود من القهر أن هذا لا رصيد له على أرض الواقع.
إن محاولات الأحزاب التي تشارك في الانتخابات إسكات أصوات المقاطعين والداعين إلى المقاطعة، هو اختطاف لحقهم الطبيعي، وهو يدل على أن هذه الأحزاب والحركات تعاني من أزمة ثقة بالنفس، ناهيك عن أزمة الثقة الجماهيرية بها، وهي في التالي تشعر بالقلق والتوتر جراء المقاطعة.

4) إن الموقف من انتخابات الكنيست هو موقف مبدئي، وإن شئت فهو موقف عقَدي، وليس تكتيكيا ولا مرحليا، وغير قابل للأخذ والردّ والنقاش.
في انتخابات الكنيست 2001 قاطع نحو 80% من أهل الداخل الفلسطيني الانتخابات، وكانت تلك المقاطعة عقابا لإيهود براك الذي سفك دماء أبنائنا في أحداث هبة القدس والأقصى عام 2000. ورغم أنها لم تكن مقاطعة مبدئية، إلا أننا أثبتنا أننا عندما نتخذ القرار؛ نستطيع أن نقلب الموازين وأن نتّخذ خطوات حازمة ومصيرية، نثبت من خلالها قدرتنا على تغيير واقعنا. والعجيب اللافت للانتباه أننا أسقطنا -يومها- حكومة دموية فاشية بالذات بسبب المقاطعة وليس بسبب المشاركة. فهل تدرك قيادات الأحزاب هذا وتستوعبه جيدا؟! ولذلك فإن الدور الذي نطمح إليه أن تتحول المقاطعة إلى نهج وسلوك مبدئيين، وألا نكتفي بهذا، بل يقابله ويوازيه العمل المتواصل لمأسسة مجتمعنا وتطوير عمل الأطر المشتركة (على ما فيها من هِنات وضعف وهزال).
إننا اليوم، وفي ظل المتغيرات والأحداث المهولة التي وقعت – وما تزال- منذ 2023، أحوج ما نكون إلى الالتفات نحو ما حققناه في سنوات مضت، من خلال العمل على بناء مؤسسات مجتمع مدني، أو مجتمع عصامي، تسد الثغرات وتقيل العثرات، وتشد الأزر وتُسقط الأعذار، دون الحاجة إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات وإسقاط الثوابت واحدا بعد الآخر، واستجداء الفتات!

5) إن شعار إسقاط حكومة اليمين المتطرف واستبدالها بـ “حكومة تغيير”، ليس برنامجا سياسيا، بل هو فزّاعةٌ يخوّفون به بسطاء الناس والسُذج، وكأن الوسط الإسرائيلي أو اليسار الصهيوني سيصب فوق رؤوسنا السمن والعسل حتى نلقى الله تعالى راضين مرضيين مطمئنين!!
ولو كانت الأحزاب العربية على قدر يسير من المسؤولية الوطنية لدعت إلى التصويت على أساس مبادئها هي، لا على أساس سلبيات الأحزاب الصهيونية، وكلها على الإطلاق تنضح بالسلبيات وتقطر سُمًّا زعافا، من آيزنكوط إلى بنط إلى لبيد إلى ليبرمان إلى جولان إلى آخرهم.
إن هناك فرقًا بين من يطرح نفسه بديلا، أو يقدم برنامجا سياسيا بديلا ويسعى إلى تطبيقه، وبين من يختبئ خلف شعار “إسقاط حكومة اليمين المتطرفة” الذي ملّه الناس حتى تقيّأوه.
حتى الآن لم تقل لنا الأحزاب العربية- حقيقة- لماذا تريد أن تكون في الكنيست؟ وهل طرأ أي تغيير لم تُرِدْه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على أوضاع فلسطينيي الداخل بفضل وجودهم هناك؟! هل استطاعت تلك الأحزاب (مجتمعة أو منفصلة) أن تحقق لمجتمعنا في الداخل “إنجازات” يُمكن أن يُشتَمَّ منها أنها تشكل خطرا على سياسات الحكومة أو على أهداف المشروع الصهيوني؟!
والسؤال المهم: إذا كانت الأحزاب العربية تريد إسقاط اليمين المتطرف المتمثل بنتانياهو وبن غفير وسموطرتش، فإن البديل حسب الاستطلاعات تشير إلى احتمال فوز تكتل آيزنكوط – بنيت- لبيد- ليبرمان، وهم جميعا من الصقور اليمينيين، وإن زعم بعضهم غير ذلك، وإن حاولوا الظهور بمظهر المخالف لممارسات الحكومة الحالية. والمحصلة أن إسقاط اليمين (إنْ تحقق) سيقابله صعود هؤلاء. وقادة هذا التيار أعلنوها بصراحة: لا نريد كتلة مانعة من الكتل العربية، ولا نريد شراكة مع منصور عباس، بل إن منهم من أعلن في أكثر من مناسبة أنهم عند الضرورة سيلجأون إلى حكومة وحدة وطنية، أو اختيار الأسوأ، وهو إعادة الانتخابات إذا لم تُحسم في هذه الجولة. وهذا يعني أن اليمين المتطرف سيخرج من الباب ويرجع من الشباك. فماذا سيكون الموقف عندها؟
في التجربة السابقة سقطت حكومة اليمين، وجاءت “حكومة التغيير”، فما هو التغيير الذي طرأ على مجتمعنا؟
إننا أمام مؤسسة إسرائيلية، بكل مستوياتها السياسية والأمنية والعسكرية والشعبية، تتجه يوما بعد يوم، إلى الفاشية الدموية، خاصة بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023، وسيتواصل تصاعد التطرف إلى أقصى حدوده، ولن توقفه أوهام المشاركة في الكنيست أو أحلام الدخول في الائتلاف. {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى