أخبار رئيسيةتقارير ومقابلاتمحلياتومضات

الشيخ كمال خطيب في حوار مع “موطني 48”: هبة القدس والأقصى.. محطة عوقب فيها شعبنا على التحامه بالمسجد الأقصى

شلومو بن عامي قتل أبناء شعبنا، ويقتلهم الآن اليمينيون

·      عدم المشاركة في انتخابات الكنيست موقف اتهام لهذه المؤسسة التي لم تنصفنا منذ النكبة
·      إنجازات الأعضاء العرب، لا تقارن بالفائدة التي حققتها إسرائيل من وجود العرب في الكنيست
·      حقوقنا ليست مِنّة من الحكومة الإسرائيلية
·  أيها الشباب، لا تقبلوا بالمقايضة على هويتكم الوطنية والدينية

طه اغبارية، بيان جبارين وأُمنية اغبارية
في الذكرى السادسة والعشرين لهبة القدس والأقصى، التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر عام 2000، تعود إلى الواجهة الأسئلة المرتبطة بعلاقة فلسطينيي الداخل بالدولة ومؤسساتها، وبالتحولات السياسية التي شهدها المجتمع العربي منذ تلك الأحداث، وصولًا إلى النقاش المتجدد حول المشاركة في انتخابات الكنيست وحدود الرهان على ما يُسمّى “اليسار الصهيوني”، فضلًا عن العلاقة مع المؤسسة الإسرائيلية وقضايا الأرض والمسكن والجريمة والحقوق القومية.
في مقابلة لموقع وقناة “موطني 48” وصحيفة “المدينة”، مع الشيخ كمال خطيب، رئيس لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا، ونائب رئيس الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليًا، يستعيد خطيب محطات أساسية من تلك المرحلة، بدءًا من هبة القدس والأقصى وارتقاء 13 شهيدًا من أبناء الداخل، مرورًا باتفاق أوسلو وحكومة إيهود باراك، وصولًا إلى موقفه من المشاركة في انتخابات الكنيست وتجربة الأحزاب العربية، والجدل الدائر حول “البراغماتية” السياسية والمشاركة في الائتلافات الحكومية.
كما يتناول خطيب رؤيته للحقوق المدنية والسياسية للمجتمع العربي، رافضًا، تحويل هذه الحقوق إلى حالة مقايضة، ومتحدثًا عن مفهوم “المجتمع العصامي” والمؤسسات التي أقامتها الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، قبل حظرها، لتعزيز صمود المجتمع العربي، وعن رؤيته لما يمكن أن يشكل مسارًا بديلًا عن الرهان على الكنيست.

هبة القدس والأقصى

موقع موطني 48: هل ترون أن هبة القدس والأقصى كانت حدثًا مفصليًا في علاقة فلسطينيي الداخل بالدولة ومؤسساتها؟ ولماذا؟

خطيب: رحم الله شهداء هبة القدس والأقصى في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2000، ورحم الله شهداء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية. ارتقى في أحداث هبة القدس والأقصى، 12 شهيدًا من أبناء شعبنا الفلسطيني في الداخل، من جت جنوبًا وحتى سخنين وعرابة شمالًا، إلى جانب شهيد من قطاع غزة، ارتقى في مدينة أم الفحم.
لا شك أنَّ أحداث هبة القدس والأقصى، شكّلت نقلة نوعية في علاقة المؤسسة الإسرائيلية بأبناء الداخل الفلسطيني، ليس فقط لأنه ارتقى فيها شهداء، وهذا له قيمة كبيرة، لكن ما حصل في العام 2000 كان يمثل نقلة نوعية، من حيث تلاحم الفسيفساء الفلسطينية؛ بمعنى أن شهداء الداخل الفلسطيني، كانوا امتدادًا لشهداء ارتقوا في القدس خلال الأحداث التي وقعت يوم 28 أيلول/سبتمبر عام 2000، وامتد لهيبها إلى كل الوطن الفلسطيني، من غزة جنوبًا إلى الضفة الغربية والقدس.
أن يدخل أبناء شعبنا في أراضي الـ 48 على خط الالتحام مع المسجد الأقصى المبارك، هذا كان يمثل النقلة النوعية، والتي بسببها تبنت المؤسسة الإسرائيلية سياسة تفتيت المجتمع العربي في الداخل عبر نشر العنف والجريمة، وقد قلت ذلك مرارا وسأظل أؤكد على قناعتي، بأن المؤسسة الإسرائيلية تبنت سياسة لم تعلن عنها، فهي لم تقل -بعد الهبة- قررنا إشاعة الجريمة والعنف في الداخل الفلسطيني، لكن لسان الحال يؤكد على أن المؤسسة الإسرائيلية تبنت هذه السياسة، والتي مفادها: لماذا نقتلهم فيكونوا شهداء، وبالتالي يصبحوا قدوات ونماذج للشباب؟ فليقتلوا بعضهم بعضًا، وليكونوا مجرد أرقام. والحاصل الآن، أننا نعدّ أرقام ضحايا الجريمة، ما بين قتيل وجريح، وهم بالآلاف منذ عام 2000 ولغاية اليوم. ولذلك، كانت هبة القدس والأقصى محطة مفصلية، عوقب فيها شعبنا على التحامه بباقي الفسيفساء الفلسطينية، من أجل قضية المسجد الأقصى المبارك.

أوسلو و”معسكر السلام”

موقع موطني 48: جاءت هبة القدس والأقصى بعد سنوات من توقيع اتفاق أوسلو، وجرت الهبة في ظل حكومة إيهود باراك، التي حظيت بتأييد قطاعات واسعة من المجتمع العربي. كيف قرأتم آنذاك المفارقة بين الآمال التي عُلّقت على ما سُمّي “معسكر السلام”، وبين قتل 13 شابًا عربيًا في عهد حكومة وُصفت بأنها يسارية؟

خطيب: لا يمكن إلا أن نربط الأحداث بعضها ببعض. اتفاق أوسلو، لم يكن وليد نية حسنة من المؤسسة الإسرائيلية بانتهاج نهج السلام والحلول السلمية، أبدًا، فهو جاء بعد مؤتمر مدريد عام 1991، والذي كان نوعًا من المراضاة للدول العربية التي دعمت أمريكا في تحالفها وحربها على العراق لإخراجه من الكويت. يومها سوريا أرسلت قوات إلى العراق، ومصر أرسلت قوات إلى العراق، والأردن أرسل قوات إلى العراق، وهذا جعل هذه الأنظمة في حرج كبير، الأمر الذي دعا جورج بوش الأب إلى عقد مؤتمر مدريد.
وفي مدريد، يومها، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق شامير، وحينها قال جملته المشهورة: “سأفاوضهم 100 عام ولن أعطيهم سنتيمترًا واحدًا”. فهو إذًا لم يذهب بحسن نية، وإنما ذهب تحت الإملاءات الأمريكية.
وبعد مؤتمر مدريد (1991) كان المولود الذي اسمه أوسلو، وجرى توقيعه في 13/9/1993. وكل عاقل قرأ اتفاق أوسلو، كان يدرك أنه ليس إلا فقاعة وعود، وإلا ما معنى أن يتم تأجيل الحديث عن القدس والمياه والحدود والسيادة؟ هذه كلها لم يتم البت فيها، ما جعل المؤسسة الإسرائيلية -لاستباق المفاوضات الجارية- تسرّع من سياساتها العدوانية تجاه القدس والمسجد الأقصى المبارك، وهنا أسجل باعتزاز أن الحركة الإسلامية يومها أدركت ما يجري، فقمنا في البداية بالكشف عن الأنفاق، التي قام بها فضيلة الشيخ رائد صلاح، في مطلع العام 1996. وفي 8/10/1996، قمنا بتنظيم أول مهرجان تحت عنوان “الأقصى في خطر”. توقعنا حضور المئات، ولكن حضره نحو عشرة آلاف شخص من أبناء شعبنا في الداخل والقدس. وفي العام 1998، تأكدت بشكل واضح المخاطر التي حذرنا منها، حين بدأت المفاوضات في “كامب ديفيد” و”واي بلانتيشن”، على أن يكون ما تحت الأقصى لليهود وما فوق الأرض يكون للمسلمين. ومن هنا، كان التوجه الذي حصل مع الأقصى المبارك، حيث رُفع منسوب التعاطف مع المسجد الأقصى، وتم تحويله من قضية محلية إلى قضية عالمية، وبدأ مشروع الانشداد من أبناء الداخل إلى المسجد الأقصى المبارك، متمثلا في حضور عشرات الآلاف من أبناء الداخل والقدس في كل مهرجان من مهرجانات “الأقصى في خطر” التي نظّمتها الحركة الإسلامية حتى عشية حظرها إسرائيليا في العام 2015. بالتالي، ما حصل في العام 2000 من التحام أبناء الداخل مع الفسيفساء الفلسطينية لم يكن وليد الصدفة، بل كان وليد سنوات من التحشيد المتمثل في رفع منسوب العلاقة بين أبناء شعبنا في الداخل وقضية المسجد الأقصى المبارك.
بالعودة إلى هبة القدس والأقصى، فقد وقعت أحداثها في عهد حكومة إيهود باراك، والذي انتخب رئيسا للوزراء -وفقا لنظام التصويت المباشر- في العام 1999، وتمّ ذلك بمباركة وتحشيد الأحزاب العربية المنخرطة في الكنيست، ولا تزال ترنّ في أذناي أصوات السيارات مع مكبرات الصوت، وسماعات المساجد لحشد الناس في بلداتنا العربية من أجل التصويت لإيهود باراك، بزعم أنه سيكون البديل لمرشح الليكود يومها (نتنياهو). وقتل باراك برصاص شرطته في العام 2000، ثلاثة عشر شابا من أبناء شعبنا، وهذا يمثل صفعة على وجوه الذين نادوا من أجل التصويت له، وكأنه البديل أو حمامة السلام.

حدود الرهان على اليسار الصهيوني

موقع موطني 48: شلومو بن عامي، الذي شغل منصب وزير الشرطة في حكومة باراك، كان مسؤولًا عن جهاز الشرطة. هل كشفت هبة القدس والأقصى، برأيكم، حدود الرهان على اليسار الصهيوني؟

خطيب: شلومو بن عامي كان مستشرقًا ومتخصصًا في الدراسات الإسلامية والشرقية، فكان يُفترض أن يكون الأكثر تفهمًا لطبيعة الصراع، وأن يساهم في إطفاء الحرائق التي كانت يومها. لكن أن يكون هو بالذات من يصدر الأوامر للشرطة بقتل أبنائنا، نعم، هذه كانت تمثل صفعة لمن أيدوا رئيسه باراك، وتمثل حالة اندهاش: إذا كان هذا سلوك “اليساري”، فكيف سيكون حالنا مع اليميني إن حكمنا؟ ودارت الأيام وحكمنا اليميني، لنجد عدم وجود فوارق. فشلومو بن عامي “اليساري” قتل أبناء شعبنا، ويقتلهم الآن اليمينيون. وبالتالي، على شعبنا كل الفوارق تزول، وكل المتناقضات تتلاشى وتُحيّد جانبًا، ويُنظَر إلينا بمنظار واحد: أننا أعداء للمؤسسة الإسرائيلية.

الموقف من أوسلو والمشاركة في الكنيست

موقع موطني 48: كنتم منذ البداية معارضين لاتفاق أوسلو وللمشاركة في انتخابات الكنيست، في وقت خرجت فيه قطاعات واسعة مؤيدة للاتفاق، وشكلت الأحزاب العربية ما عُرف بـ”الكتلة المانعة” التي أسهمت في دعم حكومة إسحاق رابين. بعد أكثر من ثلاثة عقود، هل ترون أن موقفكم كان صائبًا؟ وما الذي أثبتته التطورات اللاحقة؟

خطيب: ليس أننا لا نخطئ؛ نخطئ طبعًا، واجتهاداتنا دائمًا عرضة للخطأ، مثلنا كمثل كل البشر. ولكن في هاتين القضيتين، والحمد لله، كان موقفنا من أوسلو المبكر يشير بشكل واضح إلى أنها خطوة في غير صالح شعبنا الفلسطيني، وهذا ما يتحقق الآن، حيث جرى إعلان وفاة أوسلو وتشييع جثمانه من قبل نتنياهو وحكومته: “لا أوسلو بعد اليوم”.
والقضية الثانية هي قضية المشاركة في الانتخابات. كذلك كان موقفنا فيها واضحًا، ونعتز بأن موقفنا فيها كان صوابًا. المشاركة في الانتخابات من قبل أبناء الداخل بدأت منذ العام 1949، والحزب الشيوعي الإسرائيلي شارك في الانتخابات وكان له نواب في الكنيست الإسرائيلي. ولكن أن يتم إلباس هذه المشاركة عباءة دينية إسلامية، هنا كانت الكارثة، لا لشيء إلا لأن المشروع الإسلامي جاء ليكون بديلًا عن المشاريع القومية التي فشلت وكانت سببًا في انتكاسة شعبنا عام 1967، وقبلها في العام 1948. المشروع الإسلامي جاء ليكون بديلًا عن الطروحات العلمانية، يسارية أو غيرها، وإذا بهذا المشروع الإسلامي (الحركة الإسلامية الجنوبية) نفسه لا يعود فقط إلى السلوك الذي كانت عليه الأحزاب الأخرى، وخاصة الحزب الشيوعي، وإنما ليسبقهم ويتقدم خطوات، ليس بالمشاركة في الانتخابات، وإنما بالمشاركة في ائتلاف حكومي، والآن المشاركة في الحكومة بشكل مباشر، كما هي الدعوات التي نسمعها الآن من قيادة القائمة العربية الموحدة، ممثلة طبعًا بمنصور عباس.

“حقوقنا ليست مِنّة من الحكومة الإسرائيلية”

موقع موطني 48: يقول منصور عباس إن الاعتراف بواقع الدولة والتعامل البراغماتي معها قد يحقق للمجتمع العربي إنجازات وميزانيات في قضايا السكن والبنية التحتية ومكافحة الجريمة. لماذا ترون أن هذا الخطاب يشكل خطرًا سياسيًا أو فكريًا؟

خطيب: أولًا، لو قال هذا الكلام أيٌّ من الأحزاب العربية، لكان لنا نفس الموقف. وهنا قد أُسأل عن حدة موقفنا فيما يخص منصور عباس والقائمة الموحدة: إنها نابعة من غيرتنا على اسم “الحركة الإسلامية” والمشروع الإسلامي. هذا المشروع الإسلامي المبارك بنيناه بأيدينا، وكنا جزءًا من لبنته الأولى. فأن يتم تشويه هذا المشروع، من هنا تكون حدة موقفنا. إن حقوقنا ومطالبنا برفع الظلم عنا، المتمثلة بالجريمة وهدم البيوت أو غير ذلك، يجب ألا تكون مِنّة من الحكومة الإسرائيلية. فهذه حقوق لكل من يسكن في هذه البلاد ويؤدي كل واجباته. لكن أن تصبح حالة مقايضة، بمعنى: نحن نعترف بيهودية الدولة ولكن أوقفوا الجريمة، أو المساهمة بإقرار 50 مليون شيكل من أجل إحياء تراث بن غوريون، كما فعل منصور في الحكومة السابقة، مقابلها أن يتم إنكار وجود النكبة في العام 1948، أو أن يقال الآن: نريد أن يتوقف هدم البيوت، ومقابل ذلك، كما هو الآن حاصل، الدعوة للخدمة المدنية. هذه المقايضة غير مقبولة.
نعم، يجب أن تتوقف الجريمة، ويجب أن يتوقف هدم البيوت وغير ذلك، ولكن ممنوع أن يكون ذلك بثمن، وممنوع أن تكون هناك مقايضة. وإلا سيصبح حالنا، عبر التدرج، إلى حالة مسخ هوية غير مسبوق. أقول لمن يريدون لشعبنا المزيد من التنازل: سنظل على ثوابتنا، هنا حاضرنا ومستقبلنا، ولن يكون لنا حاضر ولا مستقبل إلا على هذه الأرض.

تجربة الأحزاب العربية في الكنيست

موقع موطني 48: بعد عقود من وجود الأحزاب العربية في الكنيست، ما الميزان الذي تضعونه لتقييم التجربة؟ ماذا حققت فعلًا في قضايا الأرض والمسكن والجريمة وهدم البيوت والتمييز والحقوق القومية، وماذا أخفقت في تحقيقه؟

خطيب: أنا عضو في لجنة المتابعة ومسؤول لجنة الحريات فيها، ولنا زملاء في المتابعة استلموا ملفات ولجان أخرى، منهم من أُعطي ملف المسكن، ومنهم من أُعطي ملف الجريمة، وقد جرى توزيع الملفات على كل مركبات المتابعة. وأقول، واثقًا لا متحديًا، إن هؤلاء الإخوة الزملاء من مندوبي الأحزاب الذين يرأسون لجانًا من لجان المتابعة لمعالجة هذه القضايا، لعل البعض منهم عقد جلسة واحدة يتيمة وفقط، ومنهم لعله لم يعقد جلسة واحدة للجنته. إذا كان هذا هو اهتمام هذه الأحزاب بقضايا شعبنا، فرفع الشعارات الآن، مثل المسكن والجريمة وغيرها، هذه شعارات انتخابية براقة لها ما يشد الناخب، وبالتالي الكل يتحدث عنها، ولكن على أرض الواقع، لا في لجان المتابعة ولا في الكنيست فعلوا شيئًا.

ما البديل عن الكنيست؟

موقع موطني 48: قد يقول منتقدو موقفكم: من السهل رفض الكنيست، لكن الأصعب هو تقديم بديل واقعي يحمي الناس ويعالج مشكلاتهم اليومية. فما مشروعكم البديل؟ وما مؤسساته وأدواته وآليات تأثيره؟

خطيب: أولًا، أقول بصوت عالٍ: لسنا مضطرين دائما إلى طرح بديل. فما المقصود بحديثي؟ نحن هنا أقلية، يسري علينا “القانون” الذي يسري على كل مركبات هذه الدولة. أن يتم التعامل معنا بعنصرية وتمييز وبظروف غير التي يتم فيها التعامل مع الآخرين، هذا لا يعني أن نضطر لأن نقول: يجب أن يكون عندنا بديل، أو أن يكون البديل على مقاس من ظلمنا وانتقص من حقوقنا، هو يريد أن نصنع بديلًا يرضيه، وهنا يكون الخطر الكبير.
نحن، ولا شك، طرحنا مشاريع لتعزيز صمود شعبنا. طرحنا مشروع المجتمع العصامي، وأقمنا ما لا يقل عن ثلاثين مؤسسة وجمعية تُعنى بكل جوانب الحياة: في الصحة والرياضة والطب والتعليم والإغاثة وغيرها. ولو أن أبناء شعبنا سلكوا هذا السلوك، وتم التعاطي مع هذه القضية بالمفهوم الوطني الجامع، حينها لم نكن لنصبح لقمة سائغة بيد المؤسسة الإسرائيلية، أو نبحث عن بديل وفق مقاسات المؤسسة الإسرائيلية. يعني هم “حشرونا” في الزاوية، كمن يُلقى في البحر ويراد إغراقه، فهو سيتشبث حتى بالقشة من أجل النجاة. في موضوع انتخابات الكنيست يُصوَّر لشعبنا أنها مصيرية، وأنه إن لم يشارك فيها ولم يصوّت فيها فستكون كارثة. لا، لن تكون كارثة. شعبنا أقوى من أي ضعف ضاغط عليه، لأن شعبنا عصي على الكسر، يتشبث بأرضه. فلماذا يريدون لنا التقاط هذا الشَّراك الذي يُلقى لنا؟ لا، لن نقع، فنحن أوعى من شراك المؤسسة الإسرائيلية.

الأسرى والتمثيل العربي في الكنيست

موقع موطني 48: يقال إن وجود النواب العرب، حتى إن لم يغير طبيعة الدولة، يستطيع الحد من بعض القوانين والإجراءات، وإيصال صوت الأسرى ومواجهة سياسات إيتمار بن غفير واليمين المتطرف. كيف تجيبون عن هذه الحجة؟

خطيب: من الذي ينتبه للأسرى أصلًا؟ الذي قال إنهم “مخربون”، كما صرّح منصور عباس، هل سيشغله حال الأسرى؟ كم مرة سمعنا منه أو من غيره أنهم قاموا بزيارة للأسرى الفلسطينيين؟ ربما قام البعض بزيارات في الماضي، ولكن بعد السابع من أكتوبر، ما جرى عليهم جرى على الجميع، ولم يستطع واحد منهم أن يزور أسيرًا واحدًا.
قضية الأسرى لا شك أنها حارقة وموجعة ومؤلمة. رفع شعارها الآن هو استغلال. رفع شعار مساندة الأسرى أو التخفيف عنهم أو إلغاء قانون إعدام الأسرى كما يريد بن غفير، محاولة ركوب موجة، وليس قناعة بأنهم يريدون أن يقفوا إلى جانب الأسرى.

بين “تقليل الضرر” ومنح الشرعية

موقع موطني 48: أين تضعون الحد الفاصل بين “تقليل الضرر” المشروع وبين منح الشرعية لحكومة ستواصل الاحتلال والحرب والاستيطان، ولكن بلهجة مختلفة؟

خطيب: هناك بعض القضايا التي فيها أَنجز أعضاء الكنيست العرب بعض الأمور، إن كان من خلال وجودهم في المعارضة أو الائتلاف، لا أنكر ذلك. ولكن هذه الإنجازات، لو أردنا أن نراكمها مقابل الفائدة الكبيرة التي حققتها إسرائيل عبر وجود أعضاء كنيست عرب فلسطينيين في مؤسستها البرلمانية، فإنها أعظم بكثير من تلك الإنجازات. أيعقل أنه مقابل أن أكون في الكنيست الإسرائيلي، أن أصرح كما صرح منصور عباس: “لم أسمع بوجود مجازر حصلت في غزة”؟ سبحان الله! كل شعوب العالم تتضامن مع شعبنا بسبب المجازر في غزة، وأنت لم تسمع؟! لا، أنت إما يراد لك أن لا تسمع، أو أنك سمعت، ولكنك لا تصرح بذلك.

هل نجح تيار المقاطعة في بناء البديل؟

موقع موطني 48: هل لديكم مراجعة نقدية لتجربة المقاطعة نفسها؟ وهل نجح التيار الرافض للكنيست في بناء البديل الذي وعد به، أم بقي موقفه أقوى في النقد منه في بناء المؤسسات؟

خطيب: أولًا، عدم المشاركة في الانتخابات هي موقف، وموقف يُحترم ويُقدّر. لا نقارن أنفسنا بقطاعات كبيرة من اليهود الذين يقاطعون الانتخابات. لكن نحن في عدم المشاركة نسجّل موقف اتهام لهذه المؤسسة التي لم تنصفنا منذ العام 1948. هذا موقف تشكيك بشعاراتها، وأنها تزعم أنها تريد التعامل مع مواطنيها بكامل المساواة، وهذا فضح لديمقراطيتها. أذكر حين تحدث شمعون بيرس، لمّا كان رئيسًا للدولة، تحدث بافتخار عن وجود أعضاء كنيست عرب فلسطينيين يصعدون إلى منبر الكنيست ويسبّون الحكومة وينتقدونها. إذًا، هناك رأي يروّج لفوائد هذه الديمقراطية المزعومة عبر تحسين الوجه القبيح للمؤسسة الإسرائيلية.
نحن لا نعتبر أن الدعوة لعدم المشاركة في الانتخابات وكأننا أجرينا تكتلًا لمركبات كثيرة تعارض هذا الفكر. لا، نحن، وحتى قبل حظر الحركة الإسلامية، كنا نقول: نعطي لأبناء الحركة الحق بالتصرف بما يرونه يتلاءم مع فهمهم العقائدي والوطني. وهذا بحد ذاته ميزان كافٍ ليجعل كل عاقل يدرك أنه، وفق الميزان العقائدي والوطني، أنه ليس لي مكان في هذه الانتخابات. بالتالي، لأننا لا نريد المشاركة في الانتخابات، أو أنا كمال لا أريد أن أصوّت، فهل المطلوب مني أن يكون لي بديل لهؤلاء الذين يلهثون خلف سراب الكنيست؟ طبعًا لا. من قال ذلك؟

رسالة إلى الشاب العربي أمام صندوق الاقتراع

موقع موطني 48: أخيرًا، لو خاطبتم اليوم شابًا عربيًا يقف للمرة الأولى أمام صندوق الاقتراع، ويسأل نفسه: لماذا أصوّت؟ ولماذا أقاطع؟ وما البديل بعد المقاطعة؟ فماذا تقولون له؟

خطيب: هناك اليوم من وُلدوا في العام 2000 واليوم عمرهم 26 عامًا، ومنهم ربما لا يذكر أسماء شهداء الهبة. وبالتالي، هؤلاء الشباب، يُنادى فيهم بالانتخابات، ويُخوَّفون بالسراب الذي يُمنّون به، وأن الكنيست ستقضي على العنف، ولكن أقول لهم: أنتم أوعى لتدركوا أن ما توعدون به سيصبح في خبر كان بعد الانتخابات.
أيها الشاب، لا تقبل بالمقايضة على هويتك الوطنية والدينية، ولا تقبل المقايضة على انتمائك الفلسطيني والعروبي والإسلامي، ولا تصدق كل ما يقال، ولا تصدق دعايات انتخابية هي في الأصل، ممولة من صناديق أمريكية يهودية. هناك عشرات الملايين تصب في صناديق الأحزاب، ممولة من صناديق يهودية في الولايات المتحدة، فهل هؤلاء دمهم محروق علينا لإخراجنا إلى الصناديق؟ لا، أبدًا. ولولا أنهم هم المستفيدون من هذا، ما صبوا هذه الأموال صبًا.
أيها الشاب: ماذا سيكون جوابك لنفسك قبل أن تصوّت؟ آمل أن تدرك أنك تلعب في ملعب غيرك، ولعبة كل قوانينها لم تضعها أنت، ولكن وُضعت لك، فلا تقع فيما أريد لك الوقوع فيه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى