أخبار وتقاريرمقالاتومضات

في ذكرى هبَّة القدس والأقصى.. وانتخابات الكنيست

توفيق محمد

لتوِّه قال إمام الجمعة في المسجد الأقصى المبارك: “السلام عليكم”، لينهي ركعتي الجمعة يوم 29/9/2000، ونحن المصلّين لم نكد نسلِّم التسليمة الأولى، وإذا بأصوات الرصاص تملأ المكان، وبدأ المصلّون يتراكضون في كل اتجاه، لتكون النتيجة سبعة شهداء، ارتفع عددهم لاحقًا إلى خمسة عشر شهيدًا، و250 جريحًا.

قبل ذلك بيوم، كان رئيس كتلة المعارضة في الكنيست، أريئيل شارون، قد اقتحم المسجد الأقصى المبارك بإذن وتصريح من رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه، إيهود براك، رئيس حزب العمل الموصوف بأنّه في يسار الخارطة السياسية، (وريثه اليوم في رئاسة الحزب هو يائير غولان، رئيس حزب “الديمقراطيون” (توليفة شراكة انتخابية ما بين حزب العمل وميرتس)).

وبعد ذلك بيوم، أي يوم 30/9/2000، قُتل الطفل محمد الدرة في حضن أبيه في جاليا، وقدّر الله أن تلتقط عدسة صحفي فرنسي كيف كان الوالد جمال الدرة الأعزل من كل شيء سوى ملابسه يحتمي بكتلة إسمنت وابنه في حضنه، فيما وابل من الرصاص يخترق الجسد الصغير لمحمد، وأبوه يحاول أن يحميه بجسده دون فائدة، وهكذا استشهد محمد الدرة، وملأت صورته الفضاء الإعلامي.

في نفس اليوم، اجتمعت لجنة المتابعة العليا التي كان يرأسها في حينه الأستاذ محمد زيدان – أبو فيصل – وقررت إعلان الإضراب احتجاجًا على اقتحام شارون للأقصى، وعلى المجزرة التي شهدها الأقصى يومًا قبل ذلك.

بدأ الإضراب صبيحة يوم الأحد 1/10/2000، وخرجت الجماهير إلى الشوارع تحتج على هذه الجرائم، ووجدت أمامها قوات غفيرة من الشرطة بتشكيلاتها الأمنية المختلفة، ودون كثير وصف، فليس هذا هدف هذه المقالة، بدأ إطلاق الرصاص الحي، وبدأ عدّاد الشهداء من أم الفحم (أحمد صيام، ومحمد العمري، ومصلح أبو جراد)، ثم جت (رامي غرة)، ثم عرابة وسخنين والناصرة (أسيل عاصلة وعلاء نصار من عرابة، ووليد أبو صالح وعماد غنايم من سخنين، وإياد لوابنة من الناصرة)، ثم كفر كنا (محمد خمايسة)، ثم كفر مندا (رامز بشناق)، ثم يوم الأحد التالي 8/10/2000 (عمر عكاوي ووسام يزبك).

قبل اقتحام شارون للأقصى، كانت قد فشلت مفاوضات “كامب ديفيد” في أمريكا، التي جمعت الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون”، ورئيس الحكومة الإسرائيلية “اليسارية” في حينه إيهود براك، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وكان سبب فشلها، حسبما أُعلن: المسجد الأقصى؛ فقد طالب براك أن يوافق الطرف الفلسطيني على أن يكون أسفل المسجد الأقصى (ما تحت الأرض) لليهود، وما فوق الأرض للمسلمين، ولمّا رفض الفلسطينيون ذلك فشلت المفاوضات، وقال إيهود براك جملته الشهيرة: لا يوجد شريك للسلام (אין פרטנר לשלום)، ثم كانت الأحداث التي سردتها باختصار شديد أعلاه.

ما يهمني هنا الأحداث في المثلث والجليل والنقب والمدن الساحلية والتاريخية، فقد شكّلت حكومة “اليسار” التي كان وزير شرطتها في حينه، المحسوب على حمائم حزب العمل “اليساري”! البروفيسور شلومو بن عامي، الذي قتلت شرطته 13 من أبنائنا وجرحت قرابة 600 شخص، وقمعت بيد من حديد الاحتجاجات المشروعة. شكّلت لجنة أور، وهي لجنة تحقيق رسمية، وصدر تقريرها في 2004 دون توجيه تهم لذوي المناصب السياسية والأمنية. بل اكتفت بتقديم وصف عام لأوضاع العرب في إسرائيل وحيثيات الأحداث خلال تشرين الأول 2000، مما دفع بالهيئات التمثيلية والشعبية للعرب في إسرائيل إلى رفض معظم ما أورده التقرير، والمطالبة بفتح تحقيق مع أفراد الشرطة الإسرائيلية الذين قاموا بإطلاق النيران على المتظاهرين العرب، بل والأهم من ذلك أنّها حمّلت قسمًا من القيادات العربية المسؤولية، ومنهم الشيخ رائد صلاح، وما لا يقل أهمية أنّها اعتبرت سبب الأحداث هو التمييز الذي يعاني منه المواطنون العرب في الدولة، بمعنى آخر طمس الرواية الحقيقية للحدث وحصر أسبابه بالحاجات المطلبية، ومن ضمن توصياتها فرض الخدمة المدنية عليهم.

أمّا الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها، ولو كان ألف تقرير رسمي لألف لجنة رسمية، فهي أنّ محرّك الجماهير في هبّة القدس والأقصى كان المسجد الأقصى المبارك، وليس المطالب المدنية أيًّا كانت، ولا التمييز، وسنأتي على ذلك لاحقًا.

لكن ما لم يقله التقرير في توصياته، وما لم يكتبه أحد بأسود على أبيض، كتبه الواقع الذي نعيشه منذ هبّة الأقصى إلى الآن بالأحمر القاني في شوارع وبيوت أهلنا؛ فقد أضاءت هبّة القدس والأقصى الضوء الأحمر بأنّ الأقصى هو المحرّك لهذه الجماهير، وأنّها لا ترضى بالاعتداء عليه، وكما يبدو وقع القرار لدى المؤسسة الإسرائيلية حينها بتفكيك النسيج الاجتماعي لهذه الجماهير عبر ما نرى من العنف والجريمة، لإشغالها بأمنها الشخصي عن قضاياها الكبرى، وللتدليل على ما أسلفت من قرار تفكيك مجتمعنا، أورد هذه الإحصائيات، ثم أنتقل إلى هبّة الكرامة.

  • عدد القتلى في الداخل الفلسطيني منذ العام 1980 وحتى العام 2000 هو 85 قتيلًا، بمعدل 4 قتلى سنويًّا.
  • عدد القتلى ما بين العام 2000 والعام 2020 وصل إلى 1600 قتيل، بمعدل 80 قتيلًا سنويًّا.
  • عدد القتلى ما بين العام 2021 والعام 2026 وصل إلى 1000، بمعدل 200 قتيل سنويًّا.

مما تقدّم يظهر لنا أنّه خلال عشرين عامًا (1980-2000) قُتل 85 شخصًا، بمعدل 4 أشخاص سنويًّا، وهو أمر طبيعي جدًّا، بل أقل من الطبيعي في كل المجتمعات، بينما ارتفع هذا العدد بين الأعوام 2000-2020 ليصل إلى 80 قتيلًا سنويًّا، أي عدد القتلى خلال عشرين عامًا منذ 1980 وحتى 2000، وهو ما يدلل على ما قلت أعلاه من قرار تفكيك النسيج الاجتماعي لأهلنا عقابًا لهم على الدفاع عن المسجد الأقصى.

ومع كل ذلك، لما وقع الاعتداء على المسجد الأقصى مرة أخرى يوم 28 رمضان 1442هـ، الموافق 10/5/2021، حيث اقتحمت قوات الاحتلال المسجد الأقصى في ذلك اليوم بشكل غير مسبوق، إذ الشهر شهر رمضان، والناس صيام معتكفون آمنون في مسجدهم، واعتدت عليهم وحاصرتهم في أماكن ضيّقة، وألقت عليهم قنابل الغاز المدمع وهم صيام، وأصيب البعض منهم، فاجتمعت لجنة المتابعة برئاسة الأستاذ محمد بركة في يافا، وأعلنت إضراب الكرامة الذي شمل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، سواء عندنا، أم في الضفة الغربية، أم في غزة، أم في الشتات، وخرجت الجماهير، رغم ما تعانيه مما ذكرت أعلاه، إلى الشوارع مرة أخرى، وكانت هبّة الكرامة، وصاحبها أحداث قاسية ومؤلمة استمرت لمدة أسبوع، ووقعت فيها إصابات واعتداءات، بدأت بقتل الشهيد موسى حسونة من اللد على يد مستوطن لم يُحاسب إلى الآن، ثم اعتقالات وإصدار أحكام عالية على الشبان العرب الذين اعتُقلوا بتهم مختلفة لها علاقة بالأحداث، في مقابل التهاون مع الطرف الآخر الذين اعتدوا على العرب.

على كل حال، في الحالتين كان المحرّك الأساس للجماهير العربية للاحتجاج المشروع والتظاهر الذي يضمنه القانون هو المسجد الأقصى المبارك، وليست مطالب مدنية ولا مطالب مساواة. وفي كلتا الحالتين خرج الناس، كل الناس، للدفاع عن الأقصى بغض النظر عن الانتماءات السياسية والدينية. وفي كلتا الحالتين كان رد المؤسسة الإسرائيلية عنيفًا؛ ففي الأولى، هبّة القدس والأقصى، قتلت شرطتها 13 شهيدًا، ولم يُحاسَب أحد على ذلك، وما لا يقل أهمية قيام هذه المؤسسة باعتماد سياسة تفكيك المجتمع من الداخل التي أوردنا معطياتها آنفًا. وفي الثانية، هبّة الكرامة، كان الرد الأمني أيضًا قاسيًا، وما لا يقل أهمية، بل يفوق ذلك، سياسة الدمج بين تفكيك المجتمع وبين القبضة الأمنية المشددة على جماهيرنا، حيث تم تضييق الحريات إلى درجة المنع والاعتداء على وقفة احتجاجية عادية واعتقال المشاركين فيها، ومنع التظاهر واعتقال الناس على شارة إعجاب قد يضعونها في صفحات التواصل على منشور قد لا يروق للجهات المتخصصة بالمراقبة، وهي ليست بالضرورة جهات أمنية، فقد تكون جهات كيدية ممن يوصفون باليمين المتطرف، فيقومون بتقديم شكاوى والتحريض.

يوم هبّة القدس والأقصى كانت حكومة إيهود براك حكومة “يسار” إسرائيلي، وكانت نتائج سياستها ما سردنا أعلاه، ويوم هبّة الكرامة كانت حكومة يمين عادية، مثيلة لما تعوّل عليها الأحزاب العربية المشاركة في انتخابات الكنيست القادمة يوم 27/10/2026، فالكل سيّان، حتى لو قام البعض بتقديم أقصى التنازلات في الأقصى والخدمة المدنية وماهية الدولة وغير ذلك، وحتى لو نزل السقف كثيرًا حتى أصبح يلاطم الرأس، فلن تعدو أن قضية أمن قومي وليس مواطنًا عاديًّا، ولو حصلت على 15 عضو كنيست أو عشرين، وظننت أنّك ستكون بيضة القبان، فحينها سيكسرون القبان ويضمّون كفتيه إلى بعضهما، والسلام…

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى