أخبار وتقاريرمحلياتومضات

من الإعلام إلى التصميم.. إيمان راسم مصري: خطوات صغيرة صنعت مسارًا مهنيًا متكاملًا

مارية محاجنة

من العمل الإعلامي إلى التصميم، لم تكن رحلة إيمان راسم مصري مخططة منذ البداية. بدأت بخطوات صغيرة في ترتيب وطباعة المواد الصحفية، ثم قادتها التجربة والتعلّم إلى اكتشاف شغفها بالتصميم، قبل أن يتحول مع الوقت إلى مجال عمل وتدريب. وبين مسؤوليات الأسرة والأمومة والعمل من المنزل، بنت إيمان مسارًا مهنيًا ترى أنه لم يبدأ من نقطة واحدة، بل من تجارب متراكمة اكتشفت قيمتها لاحقًا.

عملت إيمان سابقًا في “صوت الحق” و”إشراقة”، وهناك بدأت علاقتها الأولى بالتصميم من خلال مهام مرتبطة بالكتابة والتنسيق والإخراج. ومع دورة تدريبية حصل عليها الطاقم، وجدت نفسها أمام مجال جديد لم تكن تخطط لدخوله، لكنها واصلت التعلم بالممارسة والتجربة، حتى أصبح التصميم جزءًا أساسيًا من مسارها.

وتقول إيمان في لقاء مع موقع “موطني 48”، إن انتقالها لم يكن قفزة مفاجئة، بل سلسلة من الخطوات التي قاد بعضها إلى بعض، مضيفة أن سنوات التطوع والعمل في المجال الدعوي منحتها مهارات في إدارة الفريق، والتعامل مع الناس، والعمل تحت الضغط، وهي خبرات اكتشفت لاحقًا أنها شكّلت جزءًا من رصيدها المهني.

وترى أن التجارب التي يعيشها الإنسان في بداياته لا تكون بالضرورة منفصلة عن مستقبله، حتى لو بدت كذلك في حينها. فدراستها للرياضيات، وتجربتها في العمل الدعوي، ثم التصميم والتدريب، اجتمعت لاحقًا في مسار واحد؛ إذ استفادت من مهارات التدريس في تدريب الآخرين، ومن خبرتها في التواصل في عملها التصميمي.

من البيت إلى مساحة مهنية

كونها أمًا وتعمل من المنزل، جعل مسألة الجمع بين الأسرة والعمل جزءًا أساسيًا من تجربتها. لكنها لا تتحدث عن “توازن مثالي” بين الأدوار، بقدر ما تتحدث عن البحث عن طريقة عمل أكثر انسجامًا مع ظروف الحياة.

وتقول إن أيام الأم لا تسير وفق تقسيم ثابت بين البيت والعمل والأبناء؛ فهناك أيام تطغى فيها المسؤوليات الأسرية، وأخرى تحتاج فيها إلى العمل لساعات أطول. وبعد سنوات من الركض بين التفاصيل اليومية، بدأت تبحث عن صيغة تمنحها قدرًا أكبر من الهدوء والمرونة.

وكانت جائحة كورونا نقطة تحول في هذا المسار، حين بدأت تقديم دورات في التصميم عبر “زووم”. ومع الوقت، اتسعت التجربة لتصل إلى مئات المشاركات، خصوصًا من النساء والأمهات اللواتي يبحثن عن تطوير مهارات يمكن ممارستها من المنزل.

وتختصر إيمان هذه المرحلة بقولها: “لم أبنِ مشروعي بعيدًا عن حياتي، بل بنيته داخلها”.

ولا تزال حتى اليوم تعمل من الطاولة نفسها في غرفة الجلوس، بالقرب من أبنائها، رغم توسع عملها ووجود فريق يعمل معها. وبالنسبة إليها، تكمن قيمة هذه التجربة في أنها لم تضطر إلى فصل العمل عن حياتها الأسرية بشكل كامل، بل وجدت طريقة تجعل المجالين يتداخلان ضمن نمط حياة يناسبها.

التصميم حين يصبح جزءًا من الرسالة

لا تنظر إيمان إلى التصميم الدعوي باعتباره مجرد ترتيب للنصوص والصور، بل ترى أن الشكل يمكن أن يكون جزءًا من طريقة وصول الفكرة إلى الناس.

وتشير إلى تأثرها بفكر محمد أحمد الراشد، خصوصًا فيما يتعلق بالجماليات وأهميتها في العمل الدعوي، وترى أن جودة الإخراج ليست أمرًا منفصلًا عن مضمون الرسالة.

وتوضح أن الإعلان، في رأيها، ليس منشورًا لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، وإنما مدخل يجذب الانتباه ويدفع المتلقي إلى الاقتراب من الفكرة. لذلك، قد تكون كلمة واحدة، أو صورة موفقة، أو مساحة بيضاء، أكثر تأثيرًا من نص طويل.

وتقول إن التصميمات الدعوية تحديدًا تستغرق منها أحيانًا وقتًا أطول من غيرها، لأنها تشعر بمسؤولية إضافية تجاه ما تحمله من مضمون، مشيرة إلى أنها أرادت منذ بداياتها أن يكون جزء من هذا العمل صدقة جارية عن والدها، وعن العلماء والمشايخ الذين تعلمت منهم.

التعلم قبل الأدوات

تتذكر إيمان بداياتها في تعلم التصميم، حين كانت الأدوات المتاحة أقل بكثير مما هي عليه اليوم، ولم يكن الذكاء الاصطناعي أو الكم الكبير من الدورات والشروحات متاحًا كما هو الآن.

كان التعلم يعتمد بصورة أكبر على السؤال والتجربة والخطأ، وعلى قضاء ساعات طويلة في محاولة اكتشاف حلول لمشكلات بسيطة في برامج التصميم.

وتستحضر من تلك المرحلة ليالي كانت تحاول فيها العمل بعد تنويم طفليها التوأم، رغم حاجتها إلى النوم، لكنها تؤكد أن استحضار هذه التفاصيل اليوم ليس تمجيدًا للإرهاق، وإنما للتأكيد على أن المهارات تُبنى أحيانًا من خطوات صغيرة لا تبدو مهمة في لحظتها.

ومن هذه التجربة، خلصت إلى أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الاستمرار يحتاج إلى الشغف والصبر والممارسة، والقدرة على مواصلة الطريق حتى عندما لا تكون نتائجه واضحة.

الذكاء الاصطناعي.. أداة لا بديلًا

مع التحولات السريعة التي يشهدها مجال التصميم، ترى إيمان أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مهمة، لكنها تحذر من التعامل معه باعتباره بديلًا عن المعرفة والخبرة والذوق.

وتشير إلى أن الاعتماد المفرط عليه قد يؤدي إلى تشابه المشاريع والنصوص والصور، بما يضعف خصوصية كل مشروع وهويته. لذلك، ترى أن المطلوب ليس الخوف من التقنية، بل تعلم كيفية استخدامها لتوسيع قدرات المصمم، لا لإلغاء دوره.

من التجربة إلى التدريب

بعد سنوات من العمل والتعلم، أسست إيمان “أكاديمية أوراق الورد”، انطلاقًا من رغبة في اختصار جزء من الطريق الذي احتاجت هي إلى قطعه بالتجربة والبحث.

وتقول إن خبرتها لم تقتصر على التصميم، بل امتدت إلى التقنيات والتسويق والتصوير وإدارة الصفحات، وهو ما دفعها إلى تحويل ما تعلمته إلى مسارات تدريبية تستهدف فئات مختلفة.

وتتحدث عن أهمية القيم في العمل، مثل الوفاء بالوعود، والأمانة، والوضوح، وتحري الحلال، معتبرة أن المبادئ لا تُختبر في الكلام فقط، وإنما في التفاصيل اليومية وطريقة التعامل مع الآخرين.

“لا تنتظري الوقت المثالي”

وتعود إيمان في ختام حديثها لموقع “موطني 48”، إلى الفكرة التي رافقتها منذ البداية: أن الموهبة تحتاج إلى مساحة حتى تنمو.

وتوجه حديثها إلى النساء والأمهات اللواتي يؤجلن أحلامهن انتظارًا لظروف أكثر ملاءمة، قائلة إن “الوقت المثالي” قد لا يأتي، وإن الحياة تظل مليئة بالمسؤوليات حتى مع تغير مراحلها.

ومن هنا، تختصر رسالتها للمرأة التي تؤجل موهبتها: ابدئي بمهارة، ابدئي بساعة، ابدئي بخطوة صغيرة تشبهك؛ فقد تفتح هذه الخطوة، بعد سنوات، بابًا لم يخطر لك على بال.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى