يصعب قول الحق إذا كنت مستفيدًا من الباطل
د. نواعم شبلي جبارين
يصعب على الإنسان أن يقول الحق حين يكون الباطل قد منحه منفعة، أو فتح له بابًا، أو وضع بين يديه مكسبًا يخشى فقدانه. فالحق لا يحتاج إلى قوة الصوت بقدر ما يحتاج إلى شجاعة الموقف، والباطل لا يستمر دائمًا بقوته، بل أحيانًا يستمد بقاءه من صمت المستفيدين منه.
وحين تتعارض الحقيقة مع المصلحة، يظهر معدن الإنسان الحقيقي: أيختار ما يرضي ضميره، أم ما يحفظ امتيازه؟
إن أخطر ما في الاعتياد على الباطل أن يتحول مع الوقت إلى أمر مألوف، ثم إلى مبرر، ثم إلى حقيقة يتعامل معها البعض وكأنها حق لا يُناقش.
وقد يعرف المرء الحقيقة تمامًا، لكنه يؤجل الاعتراف بها لأن الاعتراف سيطال مصالحه، ويضعه أمام مسؤولية لا يريد حملها.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أكثر نقاءً من أن تُشوَّه بالمكاسب، وأكثر رسوخًا من أن تهزمها المواقف المؤقتة. فالإنسان الراقي ليس من لا يخطئ، وإنما من يستطيع أن يراجع نفسه عندما يكتشف أن مصلحته كانت في الاتجاه الخطأ.
والنزاهة الحقيقية تبدأ حين يصبح الضمير أعلى صوتًا من المنفعة، وحين لا تكون العدالة مشروطة بما نكسبه منها.
فلا قيمة لحق نقوله عندما يخدم مصالحنا فقط، ولا قيمة لمبدأ نتمسك به حين يكون الثمن قليلًا.
أما الموقف النبيل، فهو أن نقول الحق حتى عندما لا يكون في صالحنا، وأن نرفض الباطل، حتى لو كان الطريق إليه مفروشًا بالمكاسب.
إن اختيار الحق قد يكلّفنا منفعة عابرة، لكنه يمنحنا كرامة لا تزول وضميرًا لا ينكسر؛ فالمكاسب تُنسى، أما المواقف فتبقى شاهدًا على حقيقة الإنسان.
