معركة الوعي (303) الطريق المسدود
حامد اغبارية
- 1.
إن من أسوأ ما وقع علينا، بعد نكبة شعبنا عام 1948، أنه خرجت من بيننا قوى سياسية خطّت لمجتمع الداخل الفلسطيني طريقا أحاديّ الاتّجاه، ليس له مخرج، يقف في نهايته الكنيست الإسرائيلي، وليس لك خيار آخر ولا طريق بديل.
كان مجتمعنا قد خرج للتوّ من نقطة تحول تاريخية كارثية، تركته نازفا، جريحا، كسيرا، فاقدا القدرة حتى استيعاب هول الحدث وآثاره وتبعاته. وقد استغلت قوى سياسية من جهة، وعملاء العصابات الصهيونية من مجتمعنا، والذين تحولوا هم أيضا إلى “قوة سياسية” من جهة أخرى الجسد الجريح، الغائب عن الوعي أو يكاد، وجرّته إلى ذلك الطريق، الذي ما يزال يسير فيه قطاع كبير منا حتى الآن.
- 2.
يومها لم يسأل أحد الأسئلة الذي كان يجب أن تُسأل: من هم هؤلاء الذين جرّونا إلى هذا المستنقع الذي وجدنا أنفسنا مكبلين داخله كالأسرى؟! ولماذا أدخلونا في هذا الطريق الذي لا مخرج له؟ ما الهدف؟ وإلى أين يريدون الوصول بنا؟
لم يسأل أحد: كيف ارتكبنا هذه الخطيئة، ولمّا تجفّ دماء أهلنا بعدُ، وبالأمس فقط هُجّرت الأغلبية العظمى منا، وهُدمت قرانا بمساجدها وكنائسها وبيوتها وبساتينها وينابيع مياهها، حتى خَلَت من أهلها السهولُ والهضابُ والجبالُ والوديانُ والفضاءُ والهواءُ وكلُّ ما تحت السماء؟
لم يسأل أحد يومها عن الدور الحقيقي للقوة السياسية الوحيدة التي كانت تنشط في أوساطنا؟
لم يسأل أحد يومها عن الحقيقة التي تقف خلف نشاط الحزب الشيوعي الإسرائيلي وسلوكه السياسي، وهو الذي كان بالأمس فلسطينيا، حتى إذا دارت الدائرة والتفتت الأحداث أصبح إسرائيليا حتى النخاع!!!!!
لم يسأل أحد عن دور إعلام الحزب الشيوعي يومها، في توجيه الناس وغسل أدمغتهم ودفعهم دفعا إلى الطريق أحاديّ الاتّجاه الذي لا مخرج له، والذي يقف الكنيست الصهيوني في نهايته؟
لم يسأل أحد: كيف خدوعنا يوم قالوا لنا إن التصويت للكنيست سوف يساعد في عودة المهجرين واللاجئين، وسيعود الناس إلى قراهم لبنائها من جديد؟ وسيعود كل شيء كما كان؟
لم يسأل أحد كيف يمكن أن يكون هذا السلوك وطنيا، كما كانوا يقولون للناس، بينما يوقّع أصحابه وصانعوه على وثيقة استقلال الدولة التي قامت على أنقاض بيوتهم وقراهم!
لم يسأل أحد عن معنى أن يُتّهم كل من لا يسير في ذلك الطريق بالخيانة والعمالة للإمبريالية والرجعية العربية؟!!
لم يسأل أحد يومها كيف يكون هذا النشاط وطنيا وقوميا، بينما كان أصحابه أول من ذهبوا إلى قيادات الكيان، الذي أقيم على أنقاضهم، ليقدموا فروض الولاء والطاعة؟!
لم يستغرب أحد يومها كيف أن إعلام ذلك التيار السياسي المهيمن على الساحة وحيدا فريدا، كان يبكي أحوال اللاجئين وصعوبة عيشهم في مخيمات اللجوء، ولم يكن يقصد بذلك اللاجئين من أهلنا الذين هُجّروا إلى لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة، وإنما كان يتحدث عن القادمين من اليهود الذين سكنوا في مخيمات مؤقتة قبل أن ينتقلوا لبناء مستوطناتهم على أنقاض قراهم المهدومة وليسكنوا ما تبقى من بيوتهم المسلوبة؟!
- 3.
لم يسأل أحد كيف يمكن أن نصدّق مخاتير القرى، وكبار العائلات من سماسرة الأرض والإنسان، الذين خدموا العصابات الصهيونية قبل النكبة، ثم أصبحوا بعد قيام الدولة الإسرائيلية زعاماتٍ يشار إليها بالبنان، تتصدر المجالس وتتسلم المناصب وتدير شؤون الناس، وتُسمع وتُطاع، حتى تحولوا إلى عنوان لكل شيء؟!
لم يسأل أحد: لماذا وكيف قبلت المؤسسة الإسرائيلية أن يكون لفلسطينيي الداخل تمثيل في مؤسستها التشريعية (الكنيست)، فقط بعد بضعة أشهر من إيقاع النكبة علينا؟!
لم يسأل أحد يومها: وهل يمكن أن يتحقق لنا ما نريد من خلال هذه المؤسسة التشريعية التي تُعدّ من أهم مؤسسات المشروع الصهيوني والدولة الإسرائيلية التي جاءت لفرض سردية تاريخية ودينية على سرديتنا التاريخية والحضارية والدينية؟
لم يسأل أحد….
بل سارت الغالبية يومها، بسذاجة، أو قل ببساطة، أو قل بثقة عمياء بمن خدعوهم، في ذلك الطريق أحاديّ الاتّجاه الذي يقف الكنيست في نهايته!
أما اليوم فنحن نسأل. فمنذ ذلك الوقت نشأت أجيال تسأل، وظهرت قوى تقول إن هناك طريقا آخر يمكننا أن نسير فيه دون أن تُقلقنا تلك الأسئلة، أو تصفعنا الحقيقة، ودون أن تصدمنا النتائج.
- 4.
ظهرت قوة، غير تلك القوى التي نشأت في الستينيات والسبعينيات، لتنافس على جيفة الطريق أحاديّ الاتّجاه، تارة بثوب القومية، وتارة بثوب الوطنية، وتارة ثالثة بثوب الشراكة…
ظهرت قوة أعادت الأمور إلى نصابها، وسمّت الأشياء بأسمائها، ووضعت الإصبع على الجرح، وأثبتت لكل ذي بصيرة أننا نملك من القدرات والإمكانات والإرادة والقرار الحر ما يؤهلنا لأن نقود مجتمعنا إلى حيث يجب أن يصل؛ بعيدا عن ذلك الطريق أحاديّ الاتّجاه الذي يقف الكنيست في نهايته.
لم تكتف تلك القوة بالكلام وبالشّعار، بل قلبت موازين اللعبة كلها، وأحدثت في الوعي الفردي والجمعي هزة عنيفة دفعت الناس إلى طرح الأسئلة التي لم يفطَن السابقون إلى طرحها.
ولم تكتف بهذا، بل شمرت عن السواعد، ونزلت إلى كل الميادين، وأثبتت بالدليل العملي قدرتنا- كمجتمع- على أن نعود إلى أنفسنا، وأن نصنع بأنفسنا لأنفسنا ما فشلت خدعة الكنيست في تحقيق ظِلِّهِ طوال كل تلك العقود العجاف.
- 5.
جاءت تلك القوة لتدل مجتمعنا على الطريق الذي فيه وبه يستعيد وعيه، ولتربطه بهويته وانتمائه وقضيته ومقدساته، برباط وثيق لا ينفصم. وخلال أربعة عقود نجحت تلك القوة في تثبيت الثوابت في النفوس، حتى إذا غاب الإطار الجامع لم تغب الآثار ولا النتائج.
- 6.
جاءت تلك القوة لتقول إننا لسنا مجرد مجموعة صغيرة من الناس، بلا جذور وبلا امتداد تاريخي وحضاري وديني، ولتقول إن تاريخنا- كمجموعة فلسطينية في الداخل- لم يبدأ عام 1948! ولتؤكد أننا جزء أصيل من شعب فلسطيني ومن عالم عربي ومن أمة إسلامية.
جاءت تلك القوة لتقول بالفعل وبالعمل إننا نستطيع أن؛ بل من خارج الكنيست فقط نستطيع أن نكون كما يجب أن نكون، لأن الكنيست، في الحقيقة، سلبت منا الإرادة والقدرة على أن نكون كما نريد، وأصبحنا نتصرف حسبما تفرضه علينا أدوات اللعبة السياسية الإسرائيلية.
جاءت تلك القوة لتؤكد أننا نستطيع أن يكون لنا خطاب مختلف، وأن نرفع مستوى ذلك الخطاب وسقفه، وأن نبني مؤسسات تشكل بديلا حقيقيا عن كل ما أُلجئنا إليه حتى الآن.
ثم يخرج علينا بعض المضبوعين والمخدوعين والمنتفعين ويسألون: أين البديل؟!!
يسألون وهم في الحقيقة لا يريدون جوابا، بل يسألون مناكفة تارة واستهزاء تارة أخرى، ذلك أنهم في الحقيقة لا يريدون بديلا. ولو أنهم أرادوا البديل لكان يكفيهم أن ينظروا موضع أقدامهم ببصيرة ليجدوه.
- 7.
خلاصة القول: هناك- في مجتمعنا- تياران متناطحان؛ أحدهما قبِل بالواقع الذي فرضته أحداث النكبة واستسلم له، وأراد لمجتمعنا أن يستسلم له، واختار أن يتعايش معه ويغرق في “نعيمه”، فسار في طريق أحاديّ الاتّجاه يقف في نهايته الكنيست، فلا عيش له بدونه، وتيار قرأ الواقع الذي فرضته أحداث النكبة، ورأى أن الجهود كلها يمكن أن تسير في طريق آخر متعدد الاتجاهات تستطيع من خلالها تغيير ذلك الواقع.
