أخبار وتقاريرمقالاتومضات

الثوابت: الأصل الذي تُقاس عليه الأدوات والمسارات

ساهر غزاوي

في المقال السابق تحدثنا عن معنى “الثوابت”، وعن ضرورة أن تكون المرجعية التي نقيس عليها مواقفنا وأدواتنا ومساراتنا، لا أن تتحول الأدوات نفسها إلى ثوابت لا تقبل المراجعة.

لكن قبل الحديث عنها، لا بد من سؤالين: من نحن؟ وماذا نريد؟

نحن فلسطينيون، أبناء هذه البلاد، لنا فيها أرض وتاريخ وبيوت، ومدن، ومقدسات، وذاكرة. وما نعيشه اليوم من واقع سياسي وقانوني واجتماعي تشكّل بعد النكبة وتداعياتها، وليس واقعًا اخترناه. وما نريده هو الحفاظ على وجودنا وهويتنا وحقوقنا ومقدساتنا وتماسك مجتمعنا، ونقل ذاكرتنا وانتمائنا إلى الأجيال القادمة.

وهذا لا يتعلق بالأرض فقط، بل بالحفاظ على الوعي والذاكرة والرواية والانتماء، حتى لا تتحول الأسرلة والصهينة إلى صهينة للعقل والوعي والسلوك السياسي.

والمقصود هنا الثوابت الوطنية والسياسية المتصلة بالوجود والهوية والانتماء والحقوق، لا الأحكام الشرعية المتعلقة بالحلال والحرام.

أما الثوابت، فهي القضايا الأساسية التي لا يجوز التفريط بها بتغير الظروف أو الأدوات، وتبقى وسائر المسارات أدوات قابلة للنقاش والمراجعة.

والثوابت متعددة ومتداخلة، ولا يمكن حصرها في قائمة مغلقة، لكننا سنقف في هذا المقال عند أربعة محاور رئيسية، تجمع في داخلها قضايا متصلة بوجودنا وهويتنا وحقوقنا وذاكرتنا ومقدساتنا وقيمنا:

أولًا: ثوابت الوجود والانتماء والبعد العربي والإسلامي

في مقدمة الثوابت تأتي حقيقة أننا شعب فلسطيني يعيش في وطنه وعلى أرضه. ففلسطين ليست مجرد اسم أو مساحة جغرافية، وإنما وطن وشعب وتاريخ وهوية ومقدسات، والشعب الفلسطيني شعب واحد أينما كان، مع تعدد مكوناته الدينية والثقافية والسياسية.

ومن هنا فإن فلسطينية الهوية والانتماء، ووحدة الشعب الفلسطيني، والحفاظ على وجوده وبقائه في أرضه، والتمسك بأرضه وبيوته ومقدساته، كلها تدخل في صميم الثوابت.

ولا تنفصل فلسطينية الانتماء عن دوائره العربية والإسلامية، فالعروبة، في هذا التصور، ليست نقيضًا للفلسطينية، وإنما دائرة أوسع للانتماء، وكذلك البُعد الإسلامي الذي يرتبط بمكانة فلسطين ومقدساتها، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى.

ومن هنا يمكن فهم دلالة قانون القومية الذي أقرّه الكنيست عام 2018، ونص على أن “ممارسة حق تقرير المصير الوطني في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي”. فإذا كانت فلسطينية الهوية والانتماء وحق الشعب الفلسطيني في أرضه من ثوابتنا، فإن هذا القانون يمثل، من هذه الزاوية، مثالًا على مسار تشريعي لا يحفظ هذا الثابت.

وهنا تتضح أهمية التمييز بين التعامل مع الواقع القائم وبين تبني تعريفه وروايته، فوجود واقع سياسي وقانوني مفروض علينا شيء، وتحويله إلى مرجعية نعرّف أنفسنا وحقوقنا من خلالها شيء آخر.

ثانيًا: الوعي الجمعي والذاكرة الجماعية

ومن الثوابت التي لا تقل أهمية عن الأرض والمقدسات الوعي الجمعي والذاكرة الجماعية، فالشعب لا يحافظ على وجوده بالأرض وحدها، وإنما بوعيه بذاته، وذاكرته لتاريخه، وروايته لما جرى له، ونقل ذلك من جيل إلى جيل.

ولهذا فإن الرواية الفلسطينية ليست مجرد تفصيل ثقافي، بل جزء من حماية الوجود نفسه، فالشعب الذي يفقد ذاكرته ووعيه بذاته يفقد جزءًا من قدرته على الحفاظ على هويته ووجوده.

ومن هنا يمكن فهم دلالة قانون النكبة الذي أقرّه الكنيست عام 2011، وما يتيحه من إمكانية فرض عقوبات مالية على جهات تتلقى تمويلًا حكوميًا وتنظم فعاليات لإحياء ذكرى النكبة. فإذا كانت المحافظة على الذاكرة والرواية الفلسطينية ونقلها إلى الأجيال من الثوابت، فإن تقييد إحياء هذه الذاكرة يمثل، من هذه الزاوية، مساسًا بهذا الثابت.

فالثابت هنا ليس مجرد إحياء مناسبة، وإنما حق الشعب في معرفة تاريخه، وحفظ ذاكرته، ورواية قصته، ونقلها إلى أبنائه.

ثالثًا: القدس والمسجد الأقصى

ومن أوضح الثوابت القدس والمسجد الأقصى. فالقدس ليست مجرد عنوان سياسي، والمسجد الأقصى ليس مجرد موقع جغرافي، وإنما يرتبطان في التصور الذي يعرضه كتاب “معركة الثوابت” بالأبعاد الإسلامية والعربية والفلسطينية، وبالتاريخ، والهوية، والمقدسات.

والحديث عن المسجد الأقصى لا يتعلق بالمبنى الذي تقام فيه الصلاة فقط، وإنما بالمسجد بكامل مساحته، التي تبلغ نحو 144 دونمًا، بما في ذلك حائط البراق غربي المسجد الأقصى، الذي هو جزء لا يتجزأ منه. ومن ثم، فإن الحفاظ على هويته ومكانته وحدوده ومقدساته يدخل في صميم هذا الثابت.

وهنا تظهر مسألة مهمة: الثوابت لا تُمس بالفعل فقط، وإنما قد تُمس أيضًا بالكلمة والمصطلح والتصريح. فعندما تُستخدم تسمية “حائط المبكى” بدل “حائط البراق”، أو يُمنح في تصريح سياسي أو إعلامي حق في جزء من المسجد الأقصى لغير المسلمين، فإن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف في التعبير، لأن اللغة والموقف قد يسهمان في إعادة تعريف الثابت أو التنازل عنه.

ومن هنا، فإن الموقف من الأقصى لا يُقاس فقط بما نفعله على الأرض، وإنما أيضًا بما نقوله عنه، وكيف نصفه، وما نعترف به وما نرفضه.

رابعًا: الأسرى ونصرة المظلوم

ومن الثوابت البارزة نصرة المظلوم، والوقوف مع الأسير، ورفض الظلم والعدوان. فالأسير، في الوعي الفلسطيني، ليس مجرد ملف تفاوضي، وإنما قضية ترتبط بالكرامة والحرية والانتماء.

ومن هنا يمكن النظر إلى بعض التشريعات باعتبارها اختبارًا لهذا الثابت. ففي 30 آذار 2026 أقرّت الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة قانونًا بشأن عقوبة الإعدام في قضايا الإرهاب.

ولا نقصد هنا الدخول في تفاصيل القانون، وإنما النظر إليه من زاوية الثوابت: فإذا كان من ثوابتنا الوقوف مع الأسرى، ورفض الظلم، والدفاع عن كرامة الإنسان وحريته، فإن مثل هذه التشريعات تصبح مثالًا لاختبار مدى انسجام الأداة السياسية مع هذه الثوابت.

ومن هنا يستحضر الشيخ رائد صلاح في كتابه “حلف الفضول” ومبدأ “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، بما يعني نصرة المظلوم، وردع الظالم عن ظلمه، وربط العمل السياسي بالقيم الأخلاقية.

وبذلك يصبح الثابت السياسي مرتبطًا بالثابت الأخلاقي، فلا تنفصل السياسة عن العدل والكرامة، ونصرة المظلوم، وحماية الإنسان، وحقوقه. ومن هنا، فإن أي أداة أو مسار سياسي ينبغي أن يُنظر إليه أيضًا من هذه الزاوية: هل يحفظ هذه القيم والثوابت، أم يمس بها أو يضعفها؟

خاتمة: ما هي الثوابت؟ وكيف نحاكم المسارات إليها؟

وبعد هذا العرض، نؤكد أن الثوابت ليست شعارات، ولا مواقف سياسية ظرفية، ولا أدوات نتمسك بها مهما تغيرت الظروف، وإنما هي القضايا الأساسية المتصلة بوجودنا وهويتنا وانتمائنا وحقوقنا وأرضنا ومقدساتنا وذاكرتنا وكرامتنا، والتي لا يجوز التفريط بها بتغير الأدوات والمسارات. ومن هنا فإن الثابت هو الأصل، أما المشروع والمسار والأداة والخطاب السياسي فهي وسائل قابلة للنقاش والمراجعة والتغيير. ولذلك ينبغي أن يوضع كل مشروع وكل مسار وكل خطاب وكل موقف سياسي تحت مجهر الثوابت، بغض النظر عن عنوانه أو شكله، أكان مسارًا انتخابيًا، أو مشاركة سياسية، أو مقاطعة، أو اندماجًا، أو خدمة مدنية، أو عسكرية، أو عملًا في الشرطة، أو غير ذلك. والسؤال ليس فقط: ماذا يحقق هذا المسار؟ وإنما: ماذا يحمي من ثوابتنا؟ وماذا قد يمس أو يضعف؟ وما أبعاده وتداعياته وإسقاطاته على وجودنا وهويتنا وانتمائنا، وأرضنا، ومقدساتنا، وذاكرتنا؟ فقد تحقق الأداة منفعة آنية، لكنها قد تترك آثارًا أعمق على الهوية والوعي والانتماء. ومن هنا لا نحاكم الأداة باسمها أو منفعتها المباشرة، وإنما نفحص مضمونها وآثارها القريبة والبعيدة، المباشرة وغير المباشرة، لنعرف: هل تحمي ثوابتنا أم تمس بها وتضعفها؟

وإذا أردنا تطبيق هذا المعيار على مسار المشاركة العربية في الكنيست، تبرز مسألة أساسية: هناك من يرى في دخول الكنيست والمشاركة فيه وسيلة لحماية وجودنا وثوابتنا والدفاع عن حقوقنا. لكن هذا الطرح يقوم، في جوهره، على منطق المحاولة والتجربة، لا على منطق اليقين والمصلحة المحققة، أي على افتراض أن هذه الأداة قد تحقق تلك الغاية، لا على حقيقة محسومة بأنها تحققها. أي أن المشاركة تُطرح باعتبارها أداة يُؤمَل أن تحقق هذه الغاية. وهذه الفرضية رافقتنا، بأشكال مختلفة، في جولات انتخابية متعاقبة على مدى أكثر من سبعة عقود. ولذلك فإن السؤال المشروع، وفق معيار الثوابت، ليس فقط: ماذا نريد أن تحقق المشاركة؟ وإنما: ماذا حققت فعلًا؟ ماذا حمت؟ ماذا عجزت عن حمايته؟ وما آثارها على هويتنا وانتمائنا ووعينا وثوابتنا؟ فإذا كان المطلوب اليوم إعادة طرحها كوسيلة لحماية هذه الثوابت، فإن ذلك يعني العودة مرة أخرى إلى منطق التجربة والمحاولة: لعلها تنجح هذه المرة في تحقيق ما لم تستطع تحقيقه خلال العقود الماضية. وهنا تحديدًا ينبغي أن توضع المشاركة، كما توضع سائر المسارات، تحت مجهر الثوابت، بعيدًا عن التسليم المسبق بأن الأداة قادرة على حمايتها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى