أخبار وتقاريرمرئياتمقالاتومضات

من منزلقات الفتن

الشيخ رائد صلاح

الفتن جمع كلمة فتنة، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعوذ بالله من الفتن. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». رواه مسلم.

وما هي الفتنة؟ جوابًا على ذلك قال النووي: (قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان، قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء).

قال أبو زيد: (فُتن الرجل يُفتن فتونًا: إذا وقع في الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة).

إضافة إلى ذلك، قال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري”: (وتطلق الفتنة على… الغلو في التأويل البعيد… وعلى التحول من الحسن إلى القبيح، والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.

ولا يقع الناس في الفتن دفعة واحدة، بل يقعون فيها بالتدريج، فعن ميمون بن أبي شبيب قال: (قيل لحذيفة رضي الله عنه: أكفرت بنو إسرائيل في يوم واحد؟ قال: لا، ولكن كانت تُعرض عليهم الفتنة فيأبونها، فيُكرهون عليها، ثم تعرض عليهم فيأبونها، حتى ضُربوا عليها بالسياط والسيوف حتى خاضوا خاضة الماء، حتى لم يعرفوا معروفًا ولم ينكروا منكرًا). رواه ابن أبي شيبة.

وهل هناك علامات تدل أن الناس قد وقعوا في الفتن من حيث يعلمون أو لا يعلمون؟ جوابًا على ذلك يقول حذيفة رضي الله عنه: (إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا، فلينظر، فإن كان رأى حلالًا كان يراه حرامًا فقد أصابته الفتنة، وإن كان يرى حرامًا كان يراه حلالًا فقد أصابته). رواه الحاكم في مستدركه.

وهذا يعني أن الفتن تقلب الموازين، لدرجة أن الواحد المصاب بالفتنة، وبعد أن تنقلب الموازين في فهمه وسلوكه، يرى أن الحرام الذي كان يراه حرامًا قبل الفتنة يراه حلالًا، والعكس كذلك، فقد يرى الحلال الذي كان يراه حلالًا قبل الفتنة، يراه حرامًا، وهكذا قد يحسّن القبيح بعد الفتنة بعد أن كان يراه قبيحًا قبلها، وقد يرى الانحراف استقامة بعد الفتنة، بعد أن كان يراه انحرافًا قبلها. وهكذا تختلط عليه الأمور ويفقد البوصلة ويدخل في تيه قد يهدد دينه وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، وقد يعطي لنفسه حق الاجتهاد، كما ثبت ذلك لأئمة المذاهب الأربعة، وقد يستسهل على نفسه أن يحلل وأن يحرم وكأنه ملك شروط الاجتهاد، ولم يبق إلا أن يقول عن أئمة المذاهب الأربعة، هم رجال ونحن رجال!! ولذلك فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ناصحًا عند وقوع الفتنة: «كف لسانك، وأخفِ مكانك، وعليك بما تعرف ولا تدع ما تعرف لما تنكر». رواه ابن أبي شيبة.

فهي الفتن التي قد يكون هدف من يقف من ورائها هو تزيين المنكر لبسطاء الناس ودفعهم للتخلي عن عدد من الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية، ومسخ قناعاتهم، وتمييع هويتهم، وخلخلة انتمائهم وتسفيه قيمهم، وكأن المطلوب هو صناعة جيل منقطع عن ثوابته الإسلامية العروبية الفلسطينية، ولا تربطه صلة بتاريخه الإسلامي العروبي الفلسطيني، ولا بحاضرِه الإسلامي العروبي الفلسطيني، حتى يصبح هذا الجيل المصنوع جيلًا لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا رائحة ولا شخصية، وكأن المطلوب لهذا الجيل أن يكون سريع الذوبان، وراكضًا خلف كل شعار، ومستبيحًا التبعية والتقليد والطاعة العمياء، كحال المضبوع الذي كان يحدثنا عنه أجدادنا في آدابنا الشعبية.

وإن الفتن قد تستحكم وتطوق الأعناق وتتحكم بالأبصار والأسماع، فيرى الناس في الفتنة كما خطط لهم أن يروا صانعو الفتن، ويسمع الناس في الفتنة كما خطط لهم أن يسمعوا صانعو الفتن. وقد لفت انتباهنا إلى ذلك حذيفة رضي الله عنه حيث قال: «إياكم والفتن، إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل: هذه سنة».

فهي انتخابات الكنيست على سبيل المثال، يسعى بعض دعاة التصويت فيها إلى إلغاء وجود مقاطعي هذه الانتخابات لدرجة اتهامهم بتهم سوقية!! يا للخجل، ولذلك يكفي في مثل هذه الأجواء المفتونة أن يتزود الطالب للنجاة من هذه الفتن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأمسك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»، صحيح الإسناد.

ولماذا كانت ولا تزال الفتن تحمل كل هذه المنزلقات منذ قرون حتى الآن؟ جوابًا على ذلك قال حذيفة رضي الله عنه: «وما الخمر صرفًا بأذهب بعقول الرجال من الفتن».

فالفتن تذهب العقول، وقد تفتل العقول، وماذا ينتج عن العقل المغيب أو العقل المفتول؟ لا ينتج عنه إلا كل عجب عجاب، يملأ القلب حزنًا على هذا المفتون، سواء كان فردًا أو أكثر، وهي الفتن التي تميت القلوب، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «أخاف عليكم فتنًا كأنها الليل، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه». رواه نعيم بن حماد في الفتن، فيا لهذا الانهيار الذي لا حدود له إذا مات قلب الرجل في الفتن، لدرجة أن المحيطين به والمشفقين عليه والراجين له النجاة يواصلون التساؤل: ما باله؟ انتقل من تصريح صادم إلى تصريح صادم أشد، ومن موقف مستهجن إلى موقف مستهجن أشد، ومن عثرة شاذة إلى عثرة شاذة أشد!! ولأن هذا الخطر محدق بكل واحد منا، ولا يعين على النجاة منه إلا الله، ولأن الواحد منا لا يأمن على نفسه من منزلقات الفتن ما دام في هذه الدنيا، ولأن الحالة التي نعيشها قد تشابهت فيها الفتن ما بين فتن سياسية وفتن أسرية وفتن سلوكية وفتن إعلامية وفتن اقتصادية وفتن اجتماعية، فما أحوجنا أن نقف عند حديث رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتغشين أمتي بعدي فتن يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه». رواه نعيم بن حماد في “الفتن”.

فماذا بقي من الإنسان إذا مات قلبه في الفتن، سيما إذا تدبرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

ولذلك فإن الذي يقلقني الآن ليس هذا السؤال: هل ستصوت جماهيرنا في انتخابات الكنيست بتاريخ 27/10/2026 أم ستقاطع، بل الذي يقلقني هذا السؤال: كيف سيكون حال عقل وقلب كل واحد منها قبل هذه الانتخابات وفي يوم التصويت لهذه الانتخابات، وبعد هذا اليوم إلى ما شاء الله.

وإن أخشى ما أخشاه أن ما نراه الآن أو نسمعه، هو أمر هيّن لما هو قادم، ولذلك لا أستبعد أن يكون حالنا بعد انتخابات هذه الكنيست كما قال حذيفة رضي الله عنه عندما سُئل: أي الفتن أشد؟ قال: «أن يُعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تركب». ذكره أبو عمر بن عبد البر في “الاستيعاب”، أو كما قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: «الفتنة أن تكون في أرض يُعمل فيها بالمعاصي وتريد أن تخرج منها إلى أرض لا يُعمل فيها بالمعاصي فلا تجدها». رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.

ولماذا لا أستبعد ذلك؟ لأنني بت في حال يعيشه غيري وهم كثير، بت لا أستطيع أن أقوم بأي دور لخدمة مجتمعي ولو على مستوى إقامة لجنة نظافة، لأنني سأتعرض للمطاردة، وحظر لجان إفشاء السلام، إحدى لجان المتابعة، مثال على ذلك.

وقد قالت لي بعض الأذرع الرسمية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية مرتين على الأقل: لا تستطيع أن تخدم مجتمعك إلا من خلال معبر الكنيست، ولكن هي الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية أولاً، وهو الدوران معها والتمسك بها والاسترشاد بها أولًا، وإلا فإن خلاف ذلك هو الوقوع في الفتن، وهو ما يأباه علي ديني وهويتي وانتمائي، وهي ثوابت ليست طارئة، بل هي ثوابت مستوحاة من القرآن والسنة ومن تاريخنا الإسلامي العروبي الفلسطيني، وقد كتبت حول ذلك مقالة بعنوان: «المطلوب أولًا الثبات على الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية».

وهذه الثوابت ليست مجانية، بل هي سلعة غالية ولها تبعاتها، قد دفعها كل من سبقني من الأجيال الأوفياء والوفيِّات لهذه الثوابت، فثباتًا على هذه الثوابت أُعدمت سمية، وأُعدم زوجها ياسر، ووُضعت الصخرة على صدر بلال، وأحرق ظهره خباب، وهاجر من هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر من هاجر إلى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

وثباتًا على هذه الثوابت، مات في سجنه ابن تيمية، وسُلخ جلد النابلسي عن لحمه وهو حي، وقُتل في المحراب الفاروق عمر رضي الله عنه، وقُتل محاصرًا في بيته ذو النورين عثمان رضي الله عنه، واغتيل عند صلاة الفجر أبو تراب علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وثباتًا على هذه الثوابت، قُتل الإمام الحسين، وُقتل الإمام حسن البنا، وأُعدم الأستاذ سيد قطب، وطورد الإمام النورسي حتى مات، ولحقت بهم قوافل صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

ولذلك، فإن الالتزام بهذه الثوابت هو النجاة من الفتن، وما أكثر هذه الفتن، وما أكثر أحوالها، وما أكثر مسمياتها، ولذلك جاءت هذه الشهادة النبوية الغالية لكل متمسك بهذه الثوابت وسط حيصات الفتن: «… المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر»، وفي رواية أخرى: «كالقابض على الشوك»، رواه الإمام أحمد.

فحال المتمسك بالثوابت وسط حيصات الفتن، هو كحال القابض على الجمر أو كحال القابض على الشوك، ويا له من حر الجمر الذي ينضج الجلد، ويا لها من إبر الشوك التي تدمي الأصابع، ولكن الثوابت أولًا والتمسك بها أولًا والالتزام بها أولًا.

ولذلك فإن من خير الزاد عند الفتن هو الصبر، فعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: أيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن السعيد لمن جُنّب الفتن، إن السعيد لمن جُنّب الفتن، إن السعيد لمن جُنّب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر فواهًا»، إسناده صحيح.

فهو الصبر نصف الإيمان، وهو الصبر أوتاد الثوابت، وهو الصبر طارد الهوى عند وقوع الفتن، ومن رحمة الله تعالى بنا أن يُوكّل الصبر بالهوى عند وقوع الفتن، فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الفتنة تُرسل ويرسل معها الهوى والصبر…) فمن غلب صبره هواه في الفتنة فقد نجا، ومن غلب هواه صبره في الفتنة فهو في خطر، ولذلك فقد أوصى حذيفة رضي الله عنه بالصبر عند وقوع الفتن فقال: «تعودوا الصبر قبل أن ينزل بكم البلاء، مع أنه لن يصيبكم أشد مما أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه نعيم بن حماد في “الفتن” والبيهقي وابن عساكر في تاريخه.

ولأن المحفوظ في الفتن هو من حفظه الله تعالى، فنحن مطالبون أن نتزود بالدعاء الخالص عند وقوع الفتن، ففي حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «أسعد الناس في الفتن كل خفي تقي، إن ظهر لم يُعرف، وإن غاب لم يُفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع، لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغرق في البحر». رواه نعيم بن حماد في “الفتن”.

فالخلاص من الفتن، بالله تعالى، مهما كانت قدرات الإنسان، حتى لو كان سياسيًا محنكًا وخطيبًا مفوهًا وقلمًا بارعًا، وكم صدق الصحابي عبد الله بن رواحة عندما قال:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

وهو العلم المطلوب الأساس عند وقوع الفتن، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا إلا من أحياه الله بالعلم». رواه ابن ماجه والطبراني والآجري في كتاب الشريعة.

وما هو هذا العلم؟ ليس هو العلم الذي يبتغي صاحبه من ورائه أن يباهي به العلماء، ولا أن يتخير به المجالس، ولا أن يماري به السفهاء، بل هو علم أحيته الخشية، كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، ولذلك هو علم يحيي صاحبه بإذن الله تعالى بعيدًا عن تتبع رضا السلطان، أو تحقيق مكسب دنيوي سطحي زائل، أو المحاشرة على المناصب وأضواء الإعلام وتصفيق الجماهير، وهو الذي يُكسب صاحبه تواضع العلماء وأدب العلماء وسمت العلماء.

وكم عجبت قبل أيام عندما مررت على حوار بين اثنين، ففهمت من أحدهما أنه لا يؤخذ من الحسن البصري، فقلت: سبحان الله، وأخيرًا ظهر فينا من هو أعلم من الإمام الحسن البصري، وأفهم منه وأدرى منه في فقه المقاصد، علمًا أن التابعين قالوا عن الإمام الحسن البصري إن كلامه يكاد يشبه كلام الأنبياء.

فهو العلم الذي يجمع بين الوقوف على الدليل الشرعي ثبوتًا ودلالة وبين الخشية، وهو العلم الذي يعين صاحبه أن يتأدب بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إنها ستكون فتنة»، فقالوا: فكيف لنا يا رسول الله وكيف نصنع؟ قال: «ترجعون إلى أمركم الأول». رواه الطبراني في “الكبير” و”الأوسط”.

ثم في المقالة القادمة سأتحدث عن فضائح الفتن، أعاذنا الله تعالى منها جميعًا.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى