وقفات مع كتاب “معركة الثوابت” للشيخ رائد صلاح
ساهر غزاوي
ما أحوجنا في هذه الأيام، خاصة في ظل كثرة النقاشات المحتدمة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى العودة إلى مفهوم الثوابت ومعانيها وإسقاطاتها على واقعنا. فهذه النقاشات تصل في أحيان كثيرة إلى سجالات كيدية، وتنحرف عن مسارها الطبيعي، فتأخذ البُعد الشخصي والحزبي والفكري إلى مكان لا يرضي أحدًا. ومع أن هناك من يسأل عن الثوابت ومعانيها وإسقاطاتها من باب الاستفسار والمعرفة، فهذا حقهم طبعًا أن يسألوا، ومن حقهم أيضًا أن يجدوا أجوبة واضحة ومقنعة، إلا أن هناك، في المقابل، من يتعامل مع هذه الثوابت بالاستهزاء والسخرية، ويحوّلها إلى مادة للمناكفات والسجالات الانتخابية. وبين هذا وذاك، يبقى من الواجب أن يجد كل طرف الجواب والتفسير، وأن يكون النقاش حول الثوابت قائمًا على الفهم والمعرفة، لا على التهكم أو التوظيف الحزبي أو الشخصي.
لكن قبل الخوض في معنى الثوابت، لا بد أولًا من أن نعرف من نحن، وماذا نريد، وإلى أين نريد أن نصل، وما هو المطلوب منا. فالثوابت لا يمكن أن تكون منفصلة عن هويتنا وانتمائنا، ولا يمكن أن نفهمها بمعزل عن واقعنا وتاريخنا وموقعنا في هذه البلاد. فإذا حددنا، رغم الواقع الذي فُرض علينا نتيجة النكبة وتداعياتها، ورغم المواطنة المشروطة والمنقوصة، ورغم التمييز وعدم المساواة في الحقوق، أننا شعب فلسطيني أصلاني، له امتداد وجذور تلتقي مع دائرة عروبية وإسلامية، فإن الحديث عن الثوابت يصبح أكثر وضوحًا. وهذا الامتداد العروبي والإسلامي يتسع لأبناء هذه المنطقة بمختلف انتماءاتهم الدينية، فقد كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من نسيج شعوبها، ومن فضائها الحضاري والثقافي.
ومن هنا، يصبح البحث في الثوابت بحثًا عن هويتنا وانتمائنا ومشروعنا. فالثوابت، ببساطة، هي القضايا والمبادئ والقيم التي نراها أساسية في هويتنا ووجودنا، والتي لا يجوز أن تكون محل مساومة أو تفريط، لأنها تمثل الأساس الذي نبني عليه مواقفنا وخياراتنا. أما في مقابل الثوابت، فهناك المتغيرات، وهي الأدوات والوسائل والمواقف والاجتهادات التي يمكن أن تتبدل وتتطور وفق الظروف والمستجدات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الثوابت. والخلط بين الثابت والمتغير قد يقود إلى إشكالية كبيرة، حين تتحول الوسيلة إلى غاية، أو يصبح التمسك بأداة معينة أهم من الحفاظ على المبدأ الذي من أجله اختُيرت تلك الأداة.
ومن هنا، تصبح الثوابت معيارًا نقيس عليه مواقفنا وأدواتنا ومساراتنا المختلفة. فليس المهم فقط أن نسأل: ماذا تحقق لنا هذه الأداة أو ذاك المسار من مكاسب آنية أو مصالح سياسية؟ وإنما الأهم أن نسأل: ماذا تحمي لنا من ثوابت؟ وماذا يمكن أن تخسرنا؟ وهل تساعدنا على الحفاظ على هويتنا وانتمائنا وأرضنا وبيوتنا ومقدساتنا، أم أنها، تحت عناوين مختلفة، تقودنا إلى التفريط بها أو إضعافها أو فصلنا عنها؟
وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نقيم مختلف الأدوات والمسارات السياسية، لا من خلال نتائجها الآنية فقط، وإنما من خلال قدرتها على خدمة ثوابتنا والحفاظ عليها. فإذا كانت هذه الأدوات والمسارات تحقق مصالحنا من دون أن تمسّ ثوابتنا أو تنتقص منها، فكان بها ونِعمَت، أما إذا تحولت هذه الأدوات إلى غاية بحد ذاتها، أو أصبحت نتائجها تتناقض مع ثوابتنا، أو تؤدي إلى التفريط بها وتضييعها، فعندها يصبح من واجبنا أن نتوقف، وأن نراجع، وأن ننكر ما نراه خطأً، وأن نرفضه، مهما كانت الجهة التي تتبناه أو العنوان الذي يرفع باسمه.
وعلى هذا الأساس، تأتي هذه الوقفة مع كتاب فضيلة الشيخ رائد صلاح بعنوان “معركة الثوابت”، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبها الشيخ وجُمعت في كتاب واحد، ينطلق فيها من فكرة مركزية مفادها أن “الثوابت الإسلامية والعروبية والفلسطينية هي التي تحفظ هوية الفرد والمجتمع والشعب والأمة، وأن التفريط بها يؤدي إلى التفكك، وفقدان الأرض، والبيت، والمقدسات. فالإنسان بلا ثوابت يفقد هويته وانتماءه، والمجتمع بلا ثوابت يتحول إلى مجرد تجمع أفراد لا يجمعهم مشروع أو مصير مشترك”.
ومن هنا، فإن قراءة الكتاب لا تأتي فقط في سياق التعريف بمضمونه أو استعراض ما ورد فيه، وإنما هي محاولة للعودة إلى أصل المفهوم، والوقوف عند معنى الثوابت كما يطرحها المؤلف، وهو صاحب باع طويل في العمل السياسي والاجتماعي والدعوي، وصاحب رؤية واعية وملمّة بواقع فلسطيني الداخل، والشعب الفلسطيني، والأمتين العربية، والإسلامية. هذا، عدا عن أنه شخصيًا لا يزال يتعرض، منذ نحو نصف قرن، للملاحقات السياسية من قبل المؤسسة الإسرائيلية، التي شملت الاعتقالات والإبعادات والحبس المنزلي والحظر المتواصل، لمنعه من القيام بدوره كقيادي بارز يسعى إلى الحفاظ على هذه الثوابت.
ولذلك، لا عجب أن يكون العنوان الفرعي للكتاب: “على هذه الثوابت أحاكم”، فهو عنوان يلخّص، إلى حد كبير، العلاقة التي يقيمها المؤلف بين الثوابت وبين الموقف والممارسة. فالثوابت، وفق هذا المنظور، ليست شعارات نرفعها في المناسبات، ولا عناوين نستخدمها في السجالات السياسية، وإنما هي ميزان نحاكم إليه مواقفنا، وخياراتنا، وأدواتنا، ومساراتنا.
ولعل من المفيد هنا أن نعود إلى ما يقوله الشيخ رائد صلاح نفسه عن كتابه “معركة الثوابت”، إذ يوضح أنه لا يدّعي أنه أحصى فيه كل الثوابت، وإنما اجتهد في الوقوف على أصولها المعلومة بالضرورة، وفق ميزان الانتماء الإسلامي العروبي الفلسطيني. ويؤكد أن الثوابت، بحكم كونها ثوابت، لا تتغير بتغير الواقع، وإنما هي الأصل الذي يحفظ للإنسان هويته وانتماءه.
وفي مقاله “مقدمة لا بد منها”، يشدد الشيخ على أن “الثوابت هي صمام أمان لوجودنا على صعيد الفرد، أو المجتمع، أو الشعب، أو الأمة”، ويرى أن قيمة الفرد والمجتمع والشعب والأمة تعلو بقدر التمسك بالثوابت.
ومن هذا المنطلق، يربط الشيخ بين الدفاع عن الأرض والبيت والمقدسات وبين الدفاع عن الثوابت، ويرى أن الفصل بينهما غير ممكن، فـ “الدفاع عن الأرض والبيت والمقدسات هو في جوهره دفاع عن الثوابت، كما أن الحفاظ على الثوابت هو جزء من الحفاظ على الأرض والبيت والمقدسات”. ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن الثوابت هي الأصل الذي نبني عليه مواقفنا وخياراتنا، وأن “الإنسان لا يصنع الثوابت، بل هي التي تصنعه وتبنينا، ثم تجعل منا الفرد المنشود، والمجتمع المنشود، والشعب المنشود، والأمة المنشودة”.
وهنا تكمن أهمية الفكرة، فإذا كانت الثوابت هي الأصل، وكانت هي الميزان الذي نحاكم إليه مواقفنا وخياراتنا، فإن السؤال يصبح: ما هي هذه الثوابت تحديدًا؟ وما حدودها؟ وما أبعادها؟ وما الذي يدخل فيها وما الذي يخرج عنها؟ وهل كل ما نختلف عليه أو نتمسك به يمكن أن نضعه في خانة الثوابت، أم أن هناك فرقًا بين الثابت والمتغير، وبين المبدأ والوسيلة، وبين الغاية والأداة؟
هذه أسئلة تستحق أن نتوقف عندها بتأنٍ، وأن نحاول مقاربتها وفهم أبعادها، وفق ما يطرحه الكتاب وما تقودنا إليه قراءته. ولذلك سنكمل في المقال القادم الحديث عن ماهية الثوابت، وما أبعادها، وكيف تنعكس على واقعنا ومواقفنا وخياراتنا.