رفض خافت لإرهاب المستوطنين وإدانة قوية لحكومة نتنياهو

رغم تعدد القضايا التي تتناولها وسائل الإعلام العبرية، برز تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة كملف يحظى باهتمام متزايد داخل المؤسسة الإسرائيلية منذ أشهر، مع ارتفاع أصوات تطالب بوقف ما تصفه بـ”إرهاب المستوطنين” ومحاسبة مرتكبيه، إلا أن هذه الدعوات بدت كأنها “صرخة في واد”.
وتأتي هذه المواقف بالتزامن مع تصاعد إرهاب المستوطنين باعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم في مناطق مختلفة من الضفة الغربية المحتلة، منذ بدء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويقيم نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي في 194 مستوطنة و400 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس المحتلة.
وخلال أغسطس/ آب الماضي، نفذ المستوطنون 628 اعتداء، تركزت في محافظة رام الله والبيرة بـ157 اعتداءً، ونابلس بـ137، والخليل بـ120، وبيت لحم بـ73، وطوباس بـ40، وجنين بـ36، والقدس بـ31 اعتداءً، وفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية (حكومية).
وعاد إرهاب المستوطنين إلى الواجهة الأسبوع الماضي، بعد أن أعلنت بريطانيا وكندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، اعتزامها فرض قيود على تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي المحتلة.
وقالت الدول الـ12 في بيان مشترك، إن تصرفات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تقوض إمكانية حل الدولتين، وإن الوضع يتدهور بسرعة وسط مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات.
وعدّت المعارضة الإسرائيلية هذه التحركات الغربية ضد المستوطنين، “انتكاسة دبلوماسية وفشلا ذريعا” لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
أرقام متصاعدة
في 20 يناير/ كانون الثاني 2026، قال تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إن تصاعد عنف المستوطنين أدى إلى “تآكل مكانة إسرائيل الدولية”.
ونقلت صحيفة “يسرائيل زمان” العبرية أن عدد حوادث ما وصفته بـ”الجرائم القومية” التي ارتكبها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وأحيانا ضد قوات الأمن، بلغ 399 حادثة عام 2019.
وأضافت الصحيفة أن العدد ارتفع إلى 446 عام 2021، ثم إلى 922 عام 2022، قبل أن يصل إلى 1,045 عام 2023.
وأشارت إلى أن العدد بلغ 682 عام 2024، قبل أن يرتفع مجددا إلى 867 عام 2025.
وبحسب معهد دراسات الأمن القومي، سجل عام 2024 نحو 1,420 هجوما ضد الفلسطينيين، بزيادة 16 بالمئة مقارنة بعام 2023، فيما ارتفع العدد في 2025 إلى أكثر من 1,770 هجوما.
تهديد أمني
وصف معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية بأنه “تهديد أمني واستراتيجي على الأمن القومي الإسرائيلي”.
وقال المعهد إن الاعتداءات تشمل “رمي الحجارة ومهاجمة المزارعين، وإشعال النار في الحقول، واقتلاع أشجار الزيتون، وحرق المنازل والمركبات، وأحيانا حتى إطلاق النار الحي”.
وأضاف أن هذه الأعمال وقعت أحيانا “دون سبب محدد، بهدف جعل من الصعب على الفلسطينيين التواجد على الأرض وتهجيرهم، خاصة أولئك الذين يعيشون في المنطقة ج”.
واعتبر المعهد أن هذه الظاهرة “اختارت حكومة نتنياهو عدم التعامل معها بشكل حاسم”، محذرا من تداعياتها على الأمن الإسرائيلي.
وقال الباحث في المعهد رام كوهين إن اعتداءات المستوطنين “تحولت من أحداث هامشية ومحلية إلى ظاهرة واسعة الانتشار تقع كجزء من الصراع للسيطرة الإسرائيلية على المنطقة والجهود المتزايدة لاقتلاع وجود فلسطيني، خاصة من المنطقة ج”.
وأضاف أن “عدد ونطاق الهجمات العنيفة ارتفع في السنوات الأخيرة، وازداد بشكل أقوى منذ 7 أكتوبر 2023″، منتقدا ما وصفه بعدم حزم الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية في مواجهة الظاهرة.
عرائض واحتجاجات
في 23 مارس 2026، وقّع آلاف المحاضرين والأخصائيين الاجتماعيين والشخصيات الثقافية والمعلمين وأولياء أمور الطلاب الإسرائيليين على عرائض ضد “الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية”.
كما عبّر أكثر من 150 أستاذا في جامعة بن غوريون عن “صدمة واشمئزاز عميقين” من استمرار ما وصفوه بتغاضي الحكومة والمؤسسة الأمنية عن اعتداءات المستوطنين.
وفي 16 أبريل/ نيسان 2026، تظاهر أكثر من 400 شخص في ساحة “هبيما” بمدينة تل أبيب احتجاجا على “إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية”، وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية.
ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بوقف ما وصفوه بـ”الإرهاب والكراهية المدعومة من الدولة”، فيما قالت مصادر إسرائيلية إن الشرطة اعتقلت 8 متظاهرين في يوليو/ تموز الماضي خلال احتجاجات مرتبطة بالملف.
انتقادات سياسية
وفي أحدث التصريحات، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن استمرار عنف المستوطنين يشكل “عارا على إسرائيل كديمقراطية”، داعيا إلى مواجهته بحزم.
وأضاف في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” في 2 سبتمبر/ أيلول الجاري أن السلطات الإسرائيلية كثفت تحركاتها ضد المجموعات المتورطة في الاعتداءات، واصفا العنف بأنه “ظاهرة سرطانية”.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، السبت، إن العقوبات البريطانية المفروضة على تجارة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تمثل المرحلة الأولى من “نضال دولي ضد الإرهاب اليهودي”، محذرا من أن ذلك سيقود إلى عزل إسرائيل بشكل غير مسبوق منذ تأسيسها.
وقبل أسبوع، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إنه “يجب التعامل بقسوة شديدة مع الإرهاب اليهودي”.
كما دعا عضو الكنيست عن حزب “الديمقراطيين” جلعاد كريف إلى محاكمة مرتكبي اعتداءات المستوطنين وإعادة الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من منازلهم.
وتوصف الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها الأشد رعاية لإرهاب المستوطنين والأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ويرأسها نتنياهو منذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2022، وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب في قطاع غزة.
