حامد اغبارية
1)
في انتخابات 1999، التي فاز فيها سفاح انتفاضة الأقصى وهبّة القدس والأقصى، إيهود براك، على بنيامين نتنياهو، شاركت ثلاث قوائم عربية: الجبهة والموحدة والتجمع، وفازت مجتمعة (متفرقة) بـ 10 مقاعد. وخلال الفترة القصيرة من عمر تلك الحكومة الفاشلة (أقل من ثلاث سنوات) لم يتمكن أعضاء الكنيست العرب من تحقيق أي إنجاز، من تلك التي صدّعوا بها رؤوسنا، مثل العمل من أجل تحقيق السلام الشامل والعادل، والمواطنة الكاملة، وإنقاذ الأوقاف الإسلامية والمسيحية، والحق بالمسكن، وتحقيق الأمن والأمان للمواطن الفلسطيني في الداخل، ووقف الاستيطان في الضفة الغربية، ووقف هدم البيوت ومصادرة الأراضي، وتوسيع مناطق النفوذ في البلدات العربية، ودحر العنصرية والتطرف، وتحسين مستوى التعليم في المدارس العربية، وقائمة طويلة أخرى من القضايا التي أوهموا بها الجمهور.
2)
بعد سنة ونصف السنة، من تشكيل حكومة براك، الذي كان في نظر الأحزاب العربية يساريا، وأخف الضررين، وأقل سوءا من الأسوأ (الذي هو نتنياهو)، باعتباره خليفة لرابين (اليساري!!)، الذي اشتهر بـ “بيساريّته” المفرطة في الانتفاضة الأولى!! وقعت أحداث الأقصى التي أعقبت اقتحام رئيس المعارضة أريئيل شارون للمسجد الأقصى، بإذن من رئيس الحكومة براك اليساري جدا!! لتتفجر الانتفاضة الثانية وتقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع.
3)
في هبّة القدس والأقصى في الداخل الفلسطيني، الذي عبر عن غضبه، المشروع والعفوي، من تدنيس شارون وزبانيته للأقصى في مشهد استفزازي، ومِن سفك الدماء في باحات المسجد الأقصى الأسير، وفي القدس ثم في الضفة الغربية وغزة، ظهرت “يساريّة براك”، ووزير الأمن الداخلي في حكومته، الأكثر “يسارية ولُطفا، الأكاديمي دائم الابتسام”، شلومو بن عامي، في أبشع صورها، حين سفكوا دماء المئات، بينهم 13 شهيدا ما زالت دماؤهم لعنة تلاحقهم إلى الآن. وأمام هذه المشهد الدامي ضاعت الأوهام والأحلام، فلا خضراء أظلت ولا غبراء أقلت. وأُسقط في أيدي الذين صفّقوا للتغيير!!
4)
لم يتوقف الاستيطان، ولم يتحقق السلام العادل الشامل، رغم أن أحدا منهم لم يشرح للجمهور ما المقصود بالعادل والشامل، ولا كيف يكون عادلا وشاملا، وما هو العدل في حالة قضية شعبنا؟! أوسلو؟! 21% من الأرض؟!! دولة بحجم السوبرماركت ممزقة الأشلاء؟!
لم يُنقذ سنتمتر واحد ولا حجر واحد من الأوقاف، ولم تتحقق المواطنة الكاملة (علما أنهم لم يشرحوا لنا ما معنى المواطنة الكاملة، وما هي مواصفاتها، واستحقاقاتها)، ولم يُنجز شيء من الحق في المسكن، ولم يتحقق أمن ولا أمان، ولم يتوقف هدم البيوت، وتصاعد فحيح العنصرية حتى بلغ عنان السماء، وأصبح مستوى التعليم والبنية التحتية للمدارس في قاع القاع. هذه القائمة من “الأهداف” والمطالب كانت يومها خطوطا حمراء!!
5)
جراء الجريمة التي ارتكبتها حكومة براك ضد أبناء شعبنا في الضفة والقطاع والداخل، تقرر مقاطعة الانتخابات الخاصة برئاسة الحكومة (سنة 2001)، والتي كانت المنافسة فيها بين براك وشارون.
بطبيعة الحال لم تكن المقاطعة مبدئية، وإنما كانت عقوبةً لبراك الذي ارتكب جريمة سفك دماء أبناء مجتمعنا في الداخل. وكانت النتيجة أن نحو 80% من المصوتين قاطعوا تلك الانتخابات، وسقط براك، وفاز برئاسة الحكومة أريئيل شارون، الذي كان اقتحامُه للأقصى بإذنٍ من براك سببا في سفك دمائنا ودماء أبناء شعبنا!
6)
ما الدرس الذي يمكن أن نأخذه من تلك المقاطعة العقابية غير المبدئية، للانتخابات؟
درس بليغ، لو أن الأحزاب العربية أحسنت استخدامه منذ ذلك الوقت، ومارسته على أساس المبدأ لا أساس المصلحة، لتحقق من الإنجازات أضعاف أضعاف ما توهَّمت وأوهمت الجمهور بتحقيقه من خلال الزعيق الاحتجاجي تحت قبة الكنيست! ذلك الزعيق الذي يمكنك أن تتخيل أن كل الدنيا تسمعه إلا المؤسسة الإسرائيلية وحكوماتها ووزاراتها ومؤسساتها.
درس يقول: نحن نستطيع! ويمكننا أن نحقق الكثير من خارج الكنيست، والأدوات لتحقيق ذلك كثيرة جدا، ليست المقاطعة سوى واحدة منها. لكن الاستطاعة لا تكفي إلا بتوفر الإرادة، وهذه لا تملكها الأحزاب العربية، ولو توفرت تبقى ثالثة الأثافي: اتخاذ القرار لإنفاذ الإرادة! وهذا لم يحدث، ولا أظنه سيتحقق يوما ما. ذلك أنه كي يتحقق فإن الأمر يحتاج إلى زلزال يغير أدوات اللعبة وإلى رجال مخلصين، لديهم هوية وانتماء. ومنذ ذلك الوقت، ولغاية اليوم، وقعت زلازل وبلابل وأمور عظام، لكن الأحزاب العربية ضيّعت كل الفرص؛ بدءا من هبة القدس والأقصى، مرورا بحرب حكومة أولمرط على غزة عام 2008/2009، ثم حربي نتنياهو على غزة عام 2012، وعام 2014، ثم حظر الحركة الإسلامية عام 2015، ثم حرب حكومة بينيت- لبيد على غزة عام 2021، ثم قانون القومية، وقائمة طويلة من المحطات الفارقة التي كانت الواحدة منها كافية ليقولوا: لتذهب الكنيست إلى الجحيم! لكنهم لم يفعلوا، ولم يتحقق شيء من هذا، ذلك أن مَن يُفترض فيهم أن يحققوه غير معنيّين بحدوثه، لأن الكنيست بالنسبة لهم إكسير حياة، لا يمكنهم العيش بدونه.
7)
ليس فقط أن الأحزاب العربية لم تستثمر الظروف، ولم تغتنم الفرصة، ولم تعِ الدرس، وإنما عادت حليمة، بعد مقاطعة انتخابات رئاسة الحكومة، لتتوسل للجمهور أن يخرج للانتخابات بالمكسورة والعرجاء والمتردية والنطيحة، زحوفا زحوفا، لأن تلك الانتخابات (2003) “مصيرية، حاسمة، قاصمة، فارقة، وإلا فإن مستقبلنا ومستقبل أبنائنا على كف عفريت”!! حتى أنهم عمدوا إلى استخدام بيوت الله ومآذنها التي رُفعت من أجل شأن عظيم، تنادي المؤمنين للصلوات وتذكرّهم بالله، فحطّوا من قدرها وداسوا على قدسيتها من أجل أمر حقير، بينما عمد غيرهم إلى استجداء المصوتين باستخدام عاطفي مقيت للدين والقرآن، وهم أبعد ما يكونون عنهما، حتى لكأنك وأنت تسمعهم أو تقرأ لهم أو تشاهدهم تظن أنك تجلس في حضرة علماء!!
8)
مع مرور الوقت، وإجراء انتخابات وراء انتخابات، ومعارك دونكيشوتية حامية الوطيس، وعرق يتصبب، ولهاث وشدّ عصب، وأصوات بُحَّت، بدأت الأوهام تتبدد واحدا تلو الآخر، وتقلصت المطالب، حتى غاب منها كل شيء له علاقة بأهلنا في الضفة، فلا حديث عن دولة، ولا شبه دولة كشرط لتوصية أو دخول في ائتلاف، ولا كلام عن وقف الاستيطان كشرط يشكل خطا أحمر من أجل توصية برئيس حكومة أو دخول في ائتلاف! واستمر تقلّص المطالب والبرامج وانكماشها حتى استقر الأمر على قضية واحدة: العنف والجريمة المنظمة!! فهي اللعبة المناوِبة التي سيدغدغون بها المشاعر ويتفزون ويستدرون الدموع. فيا لهول مصيبتا بهؤلاء.
9)
حتى أن الزلزال الأكبر (حتى الآن)، زلزال غزة المنكوبة التي لم تجف دماء أبنائها، وما زالت تجري تحت الأنقاض كالأنهار، لم تحرك فيهم انتماءً، ولا حتى نخوة جاهلية!! فلم يصدر عنهم موقف سوى ضريبة كلام لم يتغير نصُّها، تقريبا، منذ عقود. فماذا سيقولون غدا، عندما يتكرر المشهد في الضفة ونحن نرى بداياته منذ أشهر؟ وبأي وجه سيواجهون جمهورهم عندما تكون مشاهد هبة القدس والأقصى التي تحمل بصمتَي براك (اليساري) وشارون (اليميني)، مجرد بروفة، مقارنة مع ما يمكن أن يحدث لنا في الداخل؟!
10)
يُحكى أن بيضة نسر كاسِر سقطت من عشها ووقعت في قن دجاج. فقست البيضة وخرج منها فرخ نسر صغير. تربى الفرخ مع الدجاج، وصار يأكل مثلها، ويشرب مثلها، ويمشي مثلها، وينقنق مثلها، ويلتقط الفتات من القمامة مثلها، ويتصرف مثلها بكل شيء، حتى استقر في نفسه أنه دجاجة. وذات يوم رأى نسورا تحلق فوقه وقد نشرت أجنحتها بعزة وإباء، معلنة الحرية والانطلاق، فتمنى لو أنه يستطيع أن يطير مثلها، ويحلق في عنان السماء، لكن “شقيقاته” الدجاجات سخِرن منه، وقلن له: أنت تحلم، فما أنت سوى دجاجة مثلنا، فكيف يمكنك أن تصل إلى عالم النسور؟ اقتنع النسر الدجاجيّ، ورضخ للواقع وتعايش معه. لقد وُلد هذا المسكين نَسرا متباعدٌ ما بين جناحيه، لكنه عاش دجاجة ومات دجاجة يوم قبِل أن يستسلم للواقع ويتعايش معه ويبحث له عن مكانة بين الدجاج، بدلا من أن ينظر في أعماق نفسه، كي يعلم إلى مَن ينتمي، وما هي هويته الحقيقية!