أخبار وتقاريردين ودنيامرئياتمقالات

مع الشهيد سيد قطب في قصيدته (هُبل)

الشيخ رائد صلاح

(هُبل) هو عنوان قصيدة نظمها عملاق الفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب وراء القضبان. ومتى أصبح وراء القضبان؟ لم يصبح وراء القضبان على عهد الملك فاروق وطغاة الإقطاعيين، بل أصبح وراء القضبان على عهد الضباط الأحرار، بعد سنوات قليلة من ثورة 1952، بعد أن قام هؤلاء الضباط الأحرار بتكريمه بعد الثورة بقليل، وبعد أن نظروا إليه كمرجع فكري وموجّه سياسي وقامة أدبية، وبعد أن أوفدوه مبعوثًا باسم مصر المحروسة إلى أمريكا لدراسة تجربة التربية والتعليم فيها، وبعد أن كان وسيط الصلح الذي أخذ على عاتقه حل أي إشكال طارئ كان يقع بين الضباط الأحرار والإخوان المسلمين، وبعد أن كان الضباط الأحرار قد سجنوه لأول مرة، ثم أطلقوا سراحه بناء على طلب من الرئيس العراقي في حينه عبد السلام عارف، ثم سجنوه للمرة الثانية وظل رهين السجن، ثم ضاق عليه كيدُ الضباط الأحرار وواصلوا حصاره وحصار فكره وقلمه وصوته الحر رهين السجن في “ليمان طُرَة” وأشباهه، ورهين ظُلمة الليل وظُلمة الزنازين، محرومًا من شعاع الشمس ونور القمر، ورهين المرض والتعذيب والحرمان!

وخلال مسيرة هذا القهر والظلم والتنكيل التي عاشها الشهيد سيد قطب، خاب ظنُّه في الضباط الأحرار، وخاب ظنُّه في جمال عبد الناصر الذي انقلب على الرئيس محمد نجيب وأخضعه لإقامة جبرية طوال حياته، علمًا أن الرئيس محمد نجيب كان رئيس مصر الأول بعد ثورة 1952. وبعد أن عاش الشهيد سيد قطب تلك التجربة المريرة مع الضباط الأحرار بعامّة وجمال عبد الناصر بخاصّة، وجد نفسه بين خياريْن لا ثالث لهما: إما أن يكسر قلمه ويطَلّق فكره ويبيع حريته ويسير مُكبًا على وجهه، طائعًا خاضعًا وراء جمال عبد الناصر الذي كان يتفرعن يومًا بعد يوم، وإما أن يبقى على العهد مع ثوابته الإسلامية العروبية المصرية التي كانت مرجعيته عندما انتصر لمصر وصعيدها وفلاحيها ونيلها ومدنها ورجالها ونسائها وعمالها واستقلالها وكرامتها ونهضتها، ولو قاده ذلك إلى اعتقال أو سجن أو إعدام، فاختار عهد الوفاء مع مصر، وأبى لمصر بعد أن ثارت على الاحتلال الإنجليزي، وبعد أن تخلصت من سطوة الملك فاروق وبطانة الإقطاعيين التي كانت تسبّح بحمده، أبى لها بعد أن تطهرت من كل هذا الرجس والخبائث، أن تركع لغير الله تعالى، وأن ترضى بطغيان جديد قد يوازي طغيان الملك فاروق وزبانيته أو قد يفوقه.

وأبى لها، بعد أن أبت أن تطوف حول الملك فاروق مغمضة العينين ومعطلة الفكر ومشلولة الإرادة، أن تطوف حول من يخلفه، مهما تزين هذا الخلَف بالأوسمة والنياشين والألقاب، ومهما أضفى عليه الإعلام لقب الخالد والمارد والقائد والرمز والملهم والمعصوم!

وبدافع هذا الحب لمصر، وغيرة عليها، ورغم المعاناة التي كانت تطوّق الشهيد سيد قطب، وتصفّد يديه وتُوثِق رجليه في سجنه، إلا أنه تعالى على كل تلك الجراح والآلام، ونظم قصيدته التي غذّاها أنينُ أمراضه وأوجاعُ حصاره، والتي كانت بعنوان (هُبل)، وكأني به يقول فيها: يا شعب مصر العظيم، إياكم أن تتخذوا من جمال عبد الناصر أو من غيره هُبل الزعامة وهُبل الحكم وهُبل الاستبداد، فجمال عبد الناصر غير معصوم، ولأنه غير معصوم فهو يصيب ويخطئ، فإذا صفقتم له إذا أصاب فقولوا له “لا” إذا أخطأ، فهي مصر أم الدنيا، وهي مصر جامعة الأزهر، وهي مصر فتوحات عمرو بن العاص، ومُنطلَق موسى بن نصير لفتح الأندلس، وبوابةُ عقبة بن نافع لفتح أفريقيا، وهي مصر الخير التي أوصى بها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (سورة يوسف: 99)، والتي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (أوصيكم بقِبطها خيرًا). وبدافع هذا الأساس الصافي الصفيّ، افتتح الشهيد سيد قطب قصيدته (هُبل)، محذرًا الشعب المصري ألّا يسكت عن أي صنم جديد، نصّب نفسه في الساحات، وقام يخطب الجماهير، وراح يقود الجموع نحو مزيد من الضلال والضياع والمذلة. إنه هُبل، حفيد الصنم الأكبر الذي كانت تقدسه الجاهلية الأولى عند الكعبة.

هُبلٌ هبل… رمزُ السخافة والدجل

من بعد ما اندثرت على أيدي الأُباة

عادت إلينا اليوم في ثوب الطغاة

تتنشق البخور تحرقه أساطير النفاق

من قُيدت بالأسر في قيد الخنا والارتزاق

وثنٌ يقود جموعهم… يا للخجل

ثم يمضي الشهيد سيد قطب في قصيدته (هُبل)، ويتمنى على الشعب المصري ألا يسكت عن إقامة أي صنم في مصر، سواء كان صنمًا من حجر أو شجر أو بشر، لأن الأصنام هي الأصنام وإن اختلفت مادة صناعتها، ولأن هُبل هو هُبل، سواء أقاموه حول الكعبة ذات يوم، أو أقاموه في ميدان التحرير، أو في ميدان رابعة العدوية، أو على ضفاف النيل، أو في بوابة القناة، فهو الصنم، وهو هُبل الذي رضي عنه العم سام، وأضفى عليه ثيابًا من التوقير، فاللطيمة اللطيمة إن خنعت له الجموع وقبّلت يده التي تحمل سكين الجزار في مشهد ذبح الثوابت وإذلال الأحرار. وفي ذلك يقول الشهيد سيد قطب عصيّ الدمع ومكبوت الأحزان خلف القضبان:

هُبلٌ… هُبل

رمز السخافة والجهالة والدجل

لا تسألنْ يا صاحبي تلك الجموع

لمن التعبّدُ والمثوبةُ… والخضوع

دعها فما هي غير خرفان القطيع

معبودها صنمٌ يراه… العم سام

وتكفّل الدولار كي يضفي عليه الاحترام

وسعى القطيع غباوةً… يا للبطل

وكأن هذه القصيدةَ (هُبل) كانت وصيةَّ موَدِّعٍ نظمها الشهيد سيد قطب قبل أن يتدلى على أعواد المشانق! نظمها وكأني به ينظر نظرة وداع إلى مصر التي لم يسكت المتآمرون عن التآمر عليها، منذُ كيد الصليبيين، ووحشية التتار، وجشع الاحتلال الفرنسي، وغرور الاستعمار الإنجليزي، وتفاهة الساقطين في مصيدة دوركايم وتلميذه طه حسين وصحبه التائهين الذين أتقنوا حصاد الغرور! فها هو الشهيد سيد قطب يصرخ صرخة شاعر ثائر امتد صداها ما بين شرق مصر وغربها، وما بين صحرائها وخصبها، وما بين صعيدها ومدنها، مصارحًا شعب مصر ومحذّرًا إياه ألا يرضى إقامة صنم في مسيرة حياته، لأن من شأن ذلك أن يبلّد أحاسيس الشعب، ويجد نفسه مغلوبًا يضفي من حيث لا يريد على هذا الصنم هالة العبادة، كهالة العبادة التي أضفتها عرب الجاهلية على هُبل الأول، ثم قد يجد هذا الشعب المغلوب نفسه مضطرًا أن يُضفي على هذا الصنم الوافد المستعار صفات الأنبياء وخصال الملائكة، وهكذا يغرق الشعب في بحر من الجاهلية، وفي ذلك يقول الشهيد سيد قطب:

هُبلٌ… هُبل

رمز الخيانة والجهالة والسخافة والدجل

هتّافةُ التهريج، ما ملّوا الثناء

زعموا له ما ليس… عند الأنبياء

مَلَك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء

هو فاتحٌ… هو عبقري ملهم

هو مرسلٌ… هو عالِمٌ ومعلم

ومن الجهالة ما قتل

ولكن سيد قطب لا يترك شعب مصر عند هذا المشهد العبثي، بل يمضي في قصيدته ويؤكد أنه ليس متشائمًا، ولا هو شاعرُ تشاؤم، بل هي مصر الولود الودود التي كانت ولا تزال تنجب الأحرار الذين كانوا ولا يزالون يقولون للظالم: “كفاية”، ولا يزالون يقولون للطاغية: “ارحل”، ولا يزالون يقولون لكل صنم: الله أعلى وأجل.

وكأني بالشهيد سيد قطب يختم قصيدته (هُبل) بتوجيه وصيّته إلى أحرار مصر الذين وُلدوا في زمانه وقبعوا معه في غياهب السجون، وإلى الذين سيولدون بعد أن يلقى الشهادة مبتسمًا، كأني به يخُصُّهم ويقول لهم:

هُبلٌ… هُبل

رمز الخيانة والعمالة والدجل

صيغت له الأمجاد زائفةً فصدّقها الغبي

واستنكر الكذبَ الصراح، وردّه الحرُ الأبي

لكنما الأحرار في هذا الزمان همُ القليل

فليدخلوا السجن الرهيب ويصبروا الصبر الجميل

وليشهدوا أقسى رواية… فلكل طاغية نهاية

ولكل مخلوق أجل…هُبلٌ… هُبل

هكذا يلخص الشهيد سيد قطب تجربته التي حاول البعض فيها انتزاع قلمه من يده، وإطفاء جذوة فكره، وتكميم فمه، وسلْب حريته، وتطويع أدبه لمدح من هو أولى بالنقد، ثم التوجيه، ثم التصحيح. فثبتت قدما الشهيد سيد قطب في الوقت الذي زلت فيه أقدام الآخرين، ونظم هذه القصيدة تذكيرًا لشعب مصر، وتذكيرًا لشعوب الأمة المسلمة وعالمنا العربي، وتذكيرًا لشعبنا الفلسطيني كيما يصمدوا ويصبروا ويتمسكوا بثوابتهم الإسلامية العروبية الفلسطينية، وكيما يقطعوا الطريق على كل زعيم مسلم أو عربي أو فلسطيني خدعته نفسه فسعى لتنصيب ذاته رمزًا معصومًا لا تأخذه غفلة ولا هفوة ولا زلة ولا عثرة ولا خطأ، وهو المستحيل المرفوض الذي يجب أن ينبذه وأن يرفضه كل مسلم وعربي وفلسطيني، مهما كان طول الزعيم وعرضه ووزنه ولونه ونسبه وحسبه، فهي الشعوب المسلمة والعربية والفلسطينية قد ولدتها أمهاتها أحرارًا! وحرام ثم حرام، على كل زعيم أن يسعى إلى استرقاقها واسترقاق عقولها وبطونها، مدّعيًا أن الصواب ما رآه صوابًا، وعلى الشعب أن يقول: “نعم”، وأن الخطأ ما رآه خطأ، وعلى الشعب أن يقول: “نعم”، ومدعيًا أنه الرزاق الذي يُطعم ويُجوّع، وهي الأشجار والأنهار ملك يديه، وهي المناصب والمكاسب حقه الخالص، يتصرف فيها كيف يشاء، وهي الأشغال والأعمال والوظائف والتعيينات، ميراثه الشرعي يمنحها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء. فالويل لكل مسلم وعربي وفلسطيني من هذا الوباء المدمر للأمم والمجتمعات والشعوب والأفراد والبيوت والعائلات، لا سيما وأن ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية جاءت لتُخرجنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

وحاشا وكلا أن ترضى لنا هذه الثوابت في يوم من الأيام أن نخرج من عبادة بعض العباد إلى عبادة بعض آخر من العباد. أو أن نتحرر من تقديس بعض الزعماء إلى تقديس بعض آخر من الزعماء، أو أن نرفض تعظيم بعض القيادات والطواف حولها، في مقابل تبرير القبول بتعظيم بعض القيادات الأخرى والطواف حولها، متوهمين أنها تعطي وتمنع، وهي ليست كذلك! وأنها تخفض وترفع، وهي ليست كذلك! وأنها هي الثوابت، والثوابت هي، وهي ليست كذلك! وما أجمل مقولة سلفنا الصالح الحرة: (كل إنسان يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر)، والمقصود بصاحب هذا القبر هو الرسول صلى الله عليه وسلم. وما أروع مقولة سلفنا الراشد: (يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال). فالأصل هو الحق، والرجال تبَعٌ للحق، فهم على حق ما داموا يتوافقون مع الحق، وإلا فهم على باطل.

والأصل هي الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية، والقيادة والشعب تبَعٌ لها، فهم على هُدًى ما داموا يدورون مع هذه الثوابت حيث دارت، وإلا إذا انسلخوا عنها وصادموها فهم على ضلال. وهي الوصية الغالية التي قال لنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن القرآن والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا القرآن). فهو القرآن صمام الأمان الذي يجب أن نلوذ به دائمًا حتى لا نتيه ونحن نظن أننا قد أحسنَّا صنعًا. فلو عرضنا الأحقية في المسجد الأقصى على القرآن الكريم، لقال لنا هي حق إسلامي عروبي فلسطيني خالص، ومَن قال بغير ذلك فقوله مردود عليه! ولو عرضنا أحقيّة وجودنا في أرضنا المباركة على القرآن الكريم، لقال لنا هي حقكم الأبدي وأنتم لستم ضيوفًا عليها ولا غرباء ولا عابري سبيل ولا غاصبين، ومن قال بغير ذلك فقوله باطل كائنًا من كان! ولو عرضنا مظلومية شعبنا الفلسطيني على القرآن الكريم، لقال لنا هو شعب مظلوم منذ قرن من الزمان، وهو شعب طريد وشريد وأسير منذ قرن من الزمان، وهو شعب صبور غارق في نكباته وويلاته ومِحَنه منذ قرن من الزمان، وهو شعب له مطلبه الشرعي الأبدي بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس المباركة، ومن قال بغير ذلك فقد زاغ وتاه وباع هذا الشعب في لعبة المصالح والمضاربات الدنيوية والمكتسبات الوهمية. والبهلوانيات السياسية وهكذا المسائل الجذرية التي لا اجتهاد عليها من البشر كثيرة وواضحة. وقد قال فيها القرآن الكريم قولًا لا ريب فيه، وما هو بالهزل، ولا يحتمل الاجتهاد عليه من أي كان، ولذلك أطلق عليها أهل العلم والدراية مصطلح (الثوابت)، وهي فوق أي اجتهاد.

وقد منَّ الله تعالى عليَّ ذات يوم، فأصدرت كتابًا بعنوان (معركة الثوابت)، ولا أدّعي أنني قد أحصيت فيه كل الثوابت، ولكن اجتهدت أن أقف على أصولها المعلومة بالضرورة وفق ميزان انتمائنا الإسلامي العروبي الفلسطيني. ولأنها ثوابت، فهي لا تتغير بتغير الواقع، بل هي الأصل الذي لا يتغير، الذي يحفظ لي هويتي الإسلامية العروبية الفلسطينية، وبدونها يتحول الإنسان إلى إنسان بلا هوية. ومن كان كذلك فحاله يستدر الشفقة، لأنه بات لا يعرف من هو، وبات كشجرة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وبات رهينة لواقعٍ يغيره هذا الواقع حتى النخاع، ولا يغير هو الواقع، وإن ظن أنه يغير الواقع، وبات في خطوات تتباعد بالتدريج عن الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية حتى يصبح فيما بعد في واد، والثوابت في واد آخر! وحتى يصبح غريبًا عنها وغريبًا عن الانتماء إليها إلا بالأسماء! وحتى يصطنع، من حيث لا يشعر، ثوابتَ طارئة بديلة عن ثوابته الأصل، والفرق بينهما كبير من حيث المظهر والجوهر.

لكل ذلك فقد حذّر الشهيد سيد قطب من هذه المنزلقات في قصيدته (هُبل)، وكأني به قد قال بعد أن نظمها: اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى