مخاوف من استمرار الحصار.. نازحو غزة يطالبون ببيوت مؤقتة بدل الخيام

بعد أشهر طويلة من الحرب والنزوح القسري، يعيش أهالي قطاع غزة تحت وطأة انتهاكات الاحتلال المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، مخلفة وراءها معاناة كبيرة وسط مطالبات بوقف القصف وجرائم الإبادة الإسرائيلية، والبدء في إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وبينما تتطلع عائلات فقدت منازلها إلى العودة إلى مناطق سكنهم والحصول على “كرفانات” مؤقتة تؤويها إلى حين بدء عملية شاملة للإعمار، يطالب آخرون بفتح المعابر وإدخال الغذاء والدواء ورفع القيود التي تعرقل الحياة في القطاع الساحلي.
لكن آمال المواطنين تصطدم بمخاوف كبيرة من جراء استمرار العدوان العسكري، وتهديدات رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وقادة جيشه المستمرة بشأن إمكانية تجدد الحرب بشكل أوسع، في ظل الخلافات المحيطة بتنفيذ المرحلة المقبلة من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يجعل الهدنة بالنسبة إلى النازحين فرصة للنجاة، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون ضمانًا لحياة مستقرة.
في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، تبدأ أحلام العائلات النازحة من أبسط الأشياء: سقف لا تمزقه الرياح، وجدران تحمي الأطفال، ومكان يمكن أن يغلقوا بابه ليلًا لمنع الجرذان من اقتحامه.
وتؤكد عائلات دمر جيش الاحتلال منازلها خلال الحرب، أنها بقدر حاجتها إلى منازل كاملة، يكفيها الآن كرفان يحفظ لها خصوصيتها، ومياه صالحة للشرب، وكهرباء، ودورة مياه، ومكان آمن للنوم، في حين تأمل أن تبدأ عملية الإعمار قريبًا.
وتقول مريم ديب التي فقدت منزلها في الحرب في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، في تصريحات صحفية: إننا “نريد وقف إطلاق نار حقيقي يكون بداية فعلية للعودة إلى الحياة، لا مجرد فترة هدوء قصيرة”.
وتعيش مريم البالغة (50 عامًا) وعائلتها المكونة من 7 أفراد، تحت سقف خيمة على لسان ميناء الصيادين غرب مدينة غزة، حيث استقرت هناك بعد نزوح متكرر أجبرها على التنقل بين مدن ومحافظات القطاع منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وتضيف، أن الحياة في الخيمة تحولت إلى عبء يومي لا تستطيع الأسرة الاستمرار في تحمله، وهذا يتطلب وضع حد لمعاناة النازحين وبدء عملية الإعمار.
حياة وسط المأساة
وفي مركز إيواء آخر لا يصلح للحياة الآدمية، تعيش رنا صابر (24 عامًا) وأفراد أسرتها تجربة مؤلمة، بعدما دمرت الحرب منزلها في بلدة بيت لاهيا، شمالاً، وتركتها وزوجها وأطفالها يواجهون مأساة النزوح في مساحة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
ولم تجد هذه الأسرة مكانًا للإيواء، سوى خيمة مثبتة بجوار مكب نفايات اليرموك، وسط مدينة غزة.
وبالنسبة لأفرادها، تبدو فكرة الكرفانات المتنقلة خطوة ضرورية في هذه المرحلة، خصوصًا للعائلات التي لم يعدّ لديها منزل يمكن العودة إليه، في الوقت الذي تحتاج عملية إعادة الإعمار إلى وقت طويل وإمكانات كبيرة.
وتتطلع العائلة كذلك إلى دخول مواد البناء والآليات اللازمة لإزالة الركام، إلى جانب المواد الغذائية والأدوية ومستلزمات النظافة والمياه وغيرها من الاحتياجات اليومية.
أما علاء الشرباصي، الذي كان يملك منزلًا ودمر في خضمّ الحرب، يختصر تطلعاته في أن تتحول الهدنة إلى مسار طويل يقود إلى الاستقرار وانسحاب الاحتلال من غزة.
ومنذ أن فقد الشرباصي منزله في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، أمضى وعائلته فترة طويلة في النزوح، ولم يعدّ تنظر إلى عملية إعادة الإعمار باعتبارها مشروعًا مستقبليًا فقط، بل بوصفها شرطًا أساسيًا لعودة الأسرة إلى حياتها الطبيعية.
وقال في تصريحات صحفية: إن أطفالي يحتاجون قبل أي شيء إلى الشعور بالأمان، والعودة إلى التعليم، والحصول على الرعاية الصحية، فيما تحتاج الأسرة إلى بيت يستعيد شيئًا من الحياة التي فقدتها خلال الحرب.
لكن الآمال التي تحملها هذه العائلات لا تنفصل عن مخاوفها لاسيما بعد رفض نتنياهو للخطة المنبثقة عن لقاءات القاهرة، والمكونة من 15 بندًا، حيث أبدت حركة حماس مرونة عالية في المفاوضات مع مجلس السلام والوسطاء في اتفاق وقف النار ووافقت على بند تخزين السلاح الثقيل في غزة بأيد فلسطينية.
ويسيطر جيش الاحتلال على مساحات واسعة من القطاع، تُقدر مساحتها بنحو 70 بالمائة، خلف ما يسمى “الخط الأصفر”، وعلاوة على إطلاق النار المستمر تجاه من يحاول الاقتراب، يواصل الجيش تنفيذ عمليات نسف وتدمير لما تبقى من منازل سكنية في تلك المناطق.
ومقابل ذلك، لم يعد النازحون يؤمنون بوقف إطلاق النار ما لم يترافق مع ضمانات تمنع عودة الحرب، وتجبر جيش الاحتلال على الانسحاب، وتتيح إدخال المساعدات والاحتياجات الأساسية لسكان القطاع، وتفتح الطريق أمام إزالة الركام وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية
