أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرمنوعات

زهرة النيل.. قاتل ليلكي جذاب يخنق الأنهار

نبات مائي ينحدر من الأمازون في أمريكا الجنوبية، ويعد نباتا غازيا في أكثر من 50 دولة في أمريكا الوسطى والشمالية وآسيا وأوروبا وأفريقيا. يشتهر بآثاره البيئية الواسعة، ولا سيما استهلاكه كميات كبيرة من المياه، واستنزاف الأكسجين، والإضرار بالنظم البيئية والكائنات المائية الأخرى.

اسمه العلمي “إيكهورنيا كراسِيبِس” (Eichhornia crassipes)، وبدأ انتشاره خارج موطنه الأصلي بعد إدخاله إلى مناطق مختلفة حول العالم كنبات للزينة، قبل أن يتسرب إلى البيئات الطبيعية ويستعمرها، مستفيدا من قدرته العالية على التكاثر والانتشار، ومن الظروف المناخية والبيئية الملائمة، ولا سيما في المناطق القريبة من خط الاستواء.

استمد “زهر النيل” اسمه من كثافة انتشاره فوق نهر النيل، وأكسبته طبيعته الغازية ألقابًا عدة في المجتمعات التي اجتاحها؛ فيُعرف بـ”العدو الأخضر” في العراق، و”لص النيل” في مصر، و”رعب البنغال” في الهند، كما يُطلق عليه أيضا اسم “الشيطان الليلكي”، في مفارقة تعكس لون أزهاره الجذاب وأضراره البيئية الواسعة.

الخصائص
يتميز زهر النيل بأوراق دائرية إلى بيضاوية تتجمع في مجموعات محمولة على أعناق إسفنجية، تنبثق من جذور ريشية ذات لون أرجواني داكن. وترتبط هذه المجموعات غالبا بسيقان أفقية تُعرف بالمدادات (Stolons)، تكوّن بساطات نباتية كثيفة على سطح الماء والطين، وتحمل أزهارًا تتدرج ألوانها من الليلكي إلى الأزرق.

وينمو زهر النيل في صورتين رئيسيتين: إما متجذرًا في قاع المسطح المائي، أو طافيًا على سطحه، وهي الصورة الأكثر شيوعًا، إذ تتشابك النباتات لتكوّن كتلًا كثيفة ومتراصة، قادرة على تغطية مساحات واسعة من سطح الماء خلال فترة قصيرة، حتى تبدو كأنها سجادة نباتية سميكة وثقيلة. وقد تزداد كثافة هذه الكتل إلى حد يسمح بتحمل وزن الإنسان ليسير فوقها.

وفي بحيرة إنلي في ميانمار، يستفيد السكان من هذه الخاصية بتحويل كتل زهر النيل إلى جزر عائمة تُزرع عليها الخضروات والزهور.

ويمكن لزهر النيل التكاثر عن طريق البذور أو التكاثر الخضري، الذي يعتمد عليه انتشاره بشكل رئيسي. فعبر مداداته الأفقية، ينشئ نباتات جديدة مستقلة، تكرر بدورها العملية، مما يمنحه قدرة استثنائية على الانتشار السريع وتكوين مستعمرات واسعة. أما بذوره، فتتمتع بقدرة ملحوظة على البقاء؛ إذ يمكن أن تظل صالحة للإنبات لمدة تصل إلى 20 عامًا، وفقا لدراسة منشورة في مجلة “بلانتس” (Plants) بعنوان “زهر النيل الغازي: علم البيئة والآثار وآفاق الاقتصاد الريفي”.

التاريخ والانتشار
ينحدر زهر النيل من منطقة الأمازون في أمريكا الجنوبية، ولا سيما البرازيل والأرجنتين. وانتقل إلى مناطق مختلفة حول العالم في البداية بوصفه نباتًا للزينة، أو في صورة هدايا، قبل أن يغزو البيئة الطبيعية في مناطق بأفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا الوسطى وأمريكا الشمالية ومنطقة الكاريبي.

وفي موطنه الأصلي بأمريكا الجنوبية، يحدّ من قدرته على الانتشار وجود مفترسات طبيعية مثل بعض أنواع السوس والعث. أما خارج نطاقه الأصلي، فيمكنه الانتشار بسرعة وغزو المسطحات المائية عندما تتوافر الظروف الملائمة، ولا سيما درجات الحرارة المناسبة ووفرة العناصر الغذائية في المياه.

إذ تشير الدراسات إلى أن درجة الحرارة المثلى لنموه تبلغ في المتوسط نحو 30 درجة مئوية، وفي ظل هذه الظروف يمكن للنبات أن يحقق انتشارًا سريعًا للغاية، وقد يصل معدل توسعه إلى نحو 10 كيلومترات مربعة خلال 50 يومًا.

وتفسر هذه الخصائص جزئيًا تركّز انتشار زهر النيل في المناطق الاستوائية القريبة من خط الاستواء، حيث ترتفع درجات الحرارة وتتوافر مسطحات مائية غنية بالمغذيات. كما تُعد الأنهار والأراضي الرطبة من البيئات الأكثر عرضة لغزوه.

المخاطر
يُعد زهر النيل من أخطر النباتات الغازية على النظم البيئية للمياه العذبة، إذ يمكنه الانتشار بكثافة على سطح المسطحات المائية، مزاحمًا الأنواع المحلية ومسببًا تراجع التنوع البيولوجي وتدهور جودة المياه.

وتشكل أوراقه المتراصة غطاءً كثيفًا يحجب ضوء الشمس عن المياه، ويستنزف الأكسجين، مما يؤدي إلى تراجع أعداد الأسماك وغيرها من الكائنات المائية، التي لا تعود البيئة ملائمة لها، في حين تهيئ كتل زهر النيل بيئة ملائمة لتكاثر نواقل الأمراض، ومنها البعوض والقواقع.

ولا تقتصر آثاره على البيئة، بل تمتد إلى حياة السكان، ولا سيما في المناطق الريفية التي تعتمد المجتمعات فيها على المسطحات المائية في معيشتها. فيتضرر الصيادون وسكان ضفاف الأنهار بصورة خاصة، إذ يمكن للكتل الكثيفة من زهر النيل أن تعيق حركة القوارب الصغيرة، فتحد من الوصول إلى مناطق الصيد والتنقل عبر المجاري المائية، وتؤثر في مصادر الدخل وسبل كسب العيش.

كما يمكن للكثافة العالية للنبات أن تعرقل تدفق المياه في الأنهار والقنوات، فتعمل بمثابة حاجز طبيعي يضيّق مجرى المياه ويزيد من تراكم الرواسب.

أما الخطورة الأكبر فتكمن في استهلاكه المرتفع للمياه؛ إذ قد يستهلك نحو لتر واحد من الماء يوميا لكل زهرة، فيما تشير تقديرات في بعض البلدان إلى لترين أو ثلاثة.

المزايا
على الرغم من السمعة السيئة التي اكتسبها والقلق الذي يثيره في البيئات التي يغزوها، فإن زهر النيل يمكن أن يتحول إلى مورد ذي قيمة إذا أُحسن استغلاله، إذ تتعدد استخداماته المحتملة، ومنها:

– علف للحيوانات: يمكن الاستفادة من زهر النيل في إنتاج الأعلاف للماشية والدواجن والأسماك، وقد استُخدم بالفعل في تغذية مجموعة واسعة من الحيوانات، من بينها الأبقار والماعز والأغنام والخنازير والبط والأرانب والأسماك.
– سماد حيوي: يمكن الاستفادة من زهر النيل في إنتاج الأسمدة الحيوية بعدة طرق، منها فرمه واستخدامه كغطاء عضوي، وتحويله إلى سماد عضوي، وإنتاج السماد باستخدام ديدان الأرض، أو معالجته بالهضم اللاهوائي.
– أعمال يدوية: يمكن الاستفادة من النبات المجفف وأليافه في تصنيع الحقائب والمحافظ والإكسسوارات والحصائر، إلى جانب العديد من المنتجات الأخرى.
إنتاج الطاقة الحيوية: يمكن استغلاله كمواد أولية لإنتاج الطاقة، نظرًا إلى كثافة انتشاره وسرعة نموه.

سبل المكافحة
تشير دراسة منشورة في مجلة آسيا للعلوم والتكنولوجيا بعنوان “زهر النيل: نظرة عامة” إلى ثلاث طرق رئيسة تستخدم للحد من انتشار زهرة النيل، وهي:

– المكافحة الميكانيكية واليدوية: إزالة النبات باستخدام الحصادات والقوارب والمجارف والمعدات الميكانيكية، أو اقتلاعه يدويًا. وهي مناسبة للمسطحات المائية الصغيرة، لكنها مكلفة وبطيئة وتتطلب جهدًا كبيرًا، كما أن النبات قد يعاود الانتشار سريعًا بعد إزالته.
– المكافحة الكيميائية: استخدام مبيدات الأعشاب، مثل الباراكوات والغليفوسات، للقضاء على النبات بسرعة وفعالية. إلا أن استخدامها يتطلب الحذر لتجنب التأثير في الكائنات غير المستهدفة والبيئة المائية.
– المكافحة البيولوجية: الاستعانة بالأعداء الطبيعيين لزهر النيل، مثل بعض أنواع السوس والعث والذباب، إلى جانب بعض الفطريات، للحد من نموه وانتشاره. وتُعد هذه الطريقة أكثر أمانًا من الناحية البيئية، لكنها بطيئة في إحداث النتائج وتتطلب وقتًا لبدء فعاليتها.

زهر النيل في الأنهار العربية

مصر
دخل زهر النيل إلى مصر في عهد محمد علي باشا كنبات للزينة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الموارد المائية والزراعة. وتشير تقديرات إلى أن النبتة الواحدة تستهلك نحو لتر من المياه يوميًا، مما قد يهدر قرابة 3 مليارات متر مكعب سنويًا، وهو ما أكسبه لقب “لص النيل”.

ويشكل بحر مويس، أحد فروع الرياح التوفيقي المتشعبة من نهر النيل، أحد بؤر انتشار النبات. وقد ساهم غياب الفيضانات وارتفاع مستويات التلوث وبطء حركة المياه في تسارع انتشاره، مهددًا مياه الري في ظل شح الموارد المائية.

وتزداد صعوبة مكافحته بسبب سرعة تكاثره وقدرته على النمو حتى بعد إزالته؛ إذ يمكن أن تعاود النباتات الظهور خلال أسبوعين بفعل بقاء بذورها في قاع الترع. ويهدد انتشاره سبل عيش أكثر من مليون مزارع ونحو 200 ألف صياد، إذ يمكن لعقلة واحدة أن تغطي فدانًا من المسطح المائي خلال شهر.

وفي محاولة لتحويل المشكلة إلى فرصة اقتصادية، تتجه وزارة الموارد المائية والري إلى الاستفادة من النبات بدلًا من اعتباره مجرد آفة بيئية، من خلال التوسع في تصنيع المشغولات اليدوية منه، إلى جانب دراسة استخدامه في إنتاج الأسمدة الطبيعية، بما يسهم في الحد من انتشاره وخلق فرص عمل وتقليص كلفة مكافحته.

سوريا
وفقا لوزارة الزراعة السورية، فإن ظهور زهرة النيل يعود إلى عام 2005، حيث شوهدت للمرة الأولى في منطقة سهل الغاب بريف حماة. ومن هناك، انتشرت الآفة تدريجيا لتطال أنهار الأبرش والعروس والكبير الجنوبي في محافظة طرطوس، قبل أن تستقر في نهر العاصي بريفَي إدلب وحماة.

وفي عام 2009 أدى انتشارها إلى انسداد المصب المؤدي إلى النهر الكبير الجنوبي وإلى انسداد نهر الأبرش والعروس وألحقت إصابات كثيفة وأضراراً أعاقت المياه.

وكشف المهندس الزراعي موسى البكر أن النبتة دخلت إلى سوريا في إطار تجارب زراعية، حيث زُرعت في نهري العاصي والفرات.

ويواجه نهر العاصي والمسطحات والأقنية المائية المتفرعة منه في محافظة حماة تداعيات انتشار زهر النيل، الذي يستنزف كميات كبيرة من المياه المخصصة للري في ريف المحافظة، فضلًا عن امتداد أضراره إلى البنية التحتية المرتبطة بالمجاري المائية.

العراق
دخلت زهرة النيل إلى العراق مطلع الألفية، وغرقت جذورها عميقا في نهر الفرات، وصولا إلى المسطحات المائية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومخلفًة تداعيات على الثروة السمكية والصيادين والمزارعين، وصولًا إلى مصادر مياه الشرب.

وفي عام 2026، وصفت الجهات الرسمية في محافظة ذي قار جهودها لمكافحة النبات بأنها “حرب استنزاف”، في محاولة للحد من انتشاره وحصره في مناطق محددة، والحيلولة دون وصوله إلى نهر الفرات الذي يغذي مناطق الأهوار.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى