أخبار رئيسيةعرب ودوليومضات

انتخابات التجديد النصفي الأميركية… التقدميون يهزمون إسرائيل

مع اقتراب العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لتجديد مقاعد مجلس النواب الـ435 وثلث مقاعد مجلس الشيوخ (35 مقعدًا من أصل 100)، حسم الحزبان الجمهوري والديمقراطي مرشحيهم في 36 ولاية عبر الانتخابات التمهيدية، فيما تبقت 14 ولاية فقط تمثل نحو 94 مقعدًا في مجلس النواب و11 مقعدًا في مجلس الشيوخ.

وتمثل انتخابات التجديد النصفي أهمية كبيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا أن ولايته الأولى (2017-2021) شهدت محاولات لعزله من قبل الكونغرس. وقد يعود شبح العزل بعد انتخابات التجديد النصفي إذ ما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسيَ النواب والشيوخ. فحاليًا يسيطر الجمهوريون على مجلس النواب بأغلبية 218 عضوًا مقابل 212، وكذلك على مجلس الشيوخ بـ53 مقعدًا مقابل 47.

وتُجرى انتخابات مجلس النواب بأكمله كل عامين، بينما يُختار ثلث أعضاء مجلس الشيوخ كل دورة انتخابية، إذ إن ولاية كل عضو تمتد لست سنوات. وعكست الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري النفوذ شبه الكامل لترامب داخل الحزب، أما على الجانب الآخر، فتحولت الانتخابات التمهيدية الديمقراطية إلى صراع داخلي بين التيارين التقدمي الاشتراكي من جهة والمؤسسة التقليدية من جهة أخرى. وحضرت خلال الانتخابات التمهيدية قضايا التضخم وتكلفة المعيشة باعتبارها أول العوامل المؤثرة على اتجاهات الناخبين في ظل ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الأميركية على إيران، إلى جانب قضايا السياسة الخارجية تجاه إسرائيل والعدوان على قطاع غزة بوصفها عاملًا مؤثرًا في بعض الدوائر الانتخابية حيث يرفع بعض المرشحين شعارات تغازل الناخب الرافض هذه الحروب.

سيطرة كاملة لترامب على حزبه
وأظهر الرئيس الجمهوري سيطرته شبه المطلقة داخل حزبه في الانتخابات التمهيدية، حيث نجح جميع المرشحين الذين دعمهم لانتخابات مجلس النواب باستثناء اثنين. الأول أمير حسن بولاية ميشيغن، بسبب اسمه الذي يعتبر “إسلاميًا”، إذ أعلن أنصار ترامب من حركة اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى (ماغا) رفضهم التصويت له، والثاني النائب الحالي آندي أوغلز من ولاية تينيسي المعروف بتحريضه على المسلمين ودعوته إلى طردهم خارج البلاد بمن فيهم الذين يحملون الجنسية الأميركية، والذي سبق أن دعا في تصريح إلى قتل جميع الفلسطينيين. من جهة أخرى، خسر عدد من مرشحي ترامب في بعض السباقات الانتخابية التي جرت بالتوازي، من بينها في يونيو/حزيران الماضي منصبا حاكم جورجيا (خسر بيرت جونز أمام ريك جاكسون) وأيوا (خسر راندي فينسترا أمام زاك لان).

وتشمل الانتخابات التمهيدية قبيل انتخابات التجديد النصفي المقبلة هذا العام سبعة مقاعد في مجلس النواب عن ولاية ألاباما، وخمسة لكل من ولاية كونيتيكت وأوكلاهوما، وثمانية في كل من مينيسوتا وويسكونسن، إلى جانب مقعد واحد لكل من فيرمونت وألاسكا ووايومنغ وديلاوير، بالإضافة إلى مقعدين لكل من ولايتَي نيوهامبشير ورود آيلاند، كذلك 28 مقعدًا في فلوريدا، و14 مقعدًا في جورجيا، وتسعة في ماساتشوستس، بالتزامن مع جولة إعادة لمقعدين اثنين في جورجيا وساوث داكوتا. ويراهن الجمهوريون على ميزة إضافية منحتها لهم خطة ترامب لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية (في منتصف العقد، إذ عادة تجرى العملية كل 10 سنوات بناء على التعداد السكاني) في تجاوز الظاهرة التاريخية بأن حزب الرئيس غالبًا يخسر انتخابات التجديد النصفي.

ويتوقعون بذلك أن يمنحهم ذلك نحو 16 مقعدًا إضافيًا في مجلس النواب، من بينها خمسة في تكساس وأربعة في فلوريدا ومقعدين في أوهايو ومقعد واحد في ولايات ميسوري وكارولينا الشمالية وتينيسي ولويزيانا وألاباما، بينما يتوقع الديمقراطيون الحصول على ستة مقاعد إضافية من بينها خمسة في كاليفورنيا نتيجة إعادة رسم الخرائط ردًا على الجمهوريين، ومقعد إضافي في يوتا. وتاريخيًا لم ينجح حزب الرئيس في آخر 19 انتخابات نصفية في الفوز بمجلس النواب إلا مرتين، الأولى عام 1992 خلال فترة بيل كلينتون والثانية عام 2002 خلال فترة جورج بوش.

وتحوّلت الانتخابات التمهيدية الديمقراطية إلى ساحة للحرب الأيديولوجية بين التيار اليساري الذي نجح خلال الأشهر الماضية في تحقيق انتصارات كبيرة في عدد من الولايات، والتيار التقليدي للحزب الذي لا يزال يفرض سيطرته. ورغم ذلك يمثل فوز ثلاثة مرشحين تقدميين في ولاية ميشيغن المتأرجحة، هم وليام لورانس عن الدائرة السابعة ودونافان ماكيني عن الدائرة 13 الذي أطاح النائب الحالي شري ثانيدار وعبد الرحمن محمد السيد لانتخابات مجلس الشيوخ تحديًا واختبارًا صعبًا لمدى قدرة هذا التيار على المنافسة في ما يطلق عليه “ساحات المعارك” (Battleground States أو الولايات المتأرجحة)، خصوصًا أن الفوز بهذه المقاعد قد يكون حاسمًا في الفوز بأغلبية المجلسين.

فوز مضمون لتقدميين ضد إسرائيل
كشفت نتائج الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي حتى الآن عن فوز أكثر من 40 وجهًا جديدًا من التقدميين والاشتراكيين الذين يعارضون الإبادة في غزة ويطالبون بوقف تسليح إسرائيل. وينقسم هؤلاء إلى عدة مجموعات أولها مرشحون في دوائر انتخابية آمنة للديمقراطيين، وبالتالي من المضمون فوزهم في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. على رأس هؤلاء المرشحين لمجلس النواب الأميركي من أصل مصري آدم حماوي عن الدائرة الـ12 بولاية نيوجيرسي، وميلات كيروس، التي سبق أن شكّكت في الحق بنشأة دولة إسرائيل، عن الدائرة الأولى بولاية كولورادو، والأميركي اليهودي براد لاندر عن الدائرة العاشرة بنيويورك، واللاتينية الأميركية رياليزا أفيلا شوفالييه عن الدائرة الـ13 بنيويورك، والاشتراكية كلير فالديز عن الدائرة السابعة في نيويورك. يعني ذلك أن هناك على الأقل خمسة تقدميين جدد في المجلس، إلى جانب عشرات التقدميين الحاليين وعلى رأسهم ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وسمر لي وإلهان عمر ورشيدة طليب ورو خان وآخرون.

تقدميون في دوائر تنافسية
من جهة أخرى، تبرز أسماء تقدميين ضد مرشحين ونواب حاليين في الحزب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا في مقاعد بعضها مضمون للديمقراطيين وبعضها قد يشهد منافسة مع مرشح جمهوري. فنظام الانتخابات التمهيدية ينص على ترشح جميع المرشحين (من الحزبين) في ورقة واحدة واختيار أول فائزيَن للانتخابات العامة بغض النظر عن انتمائهم الحزبي. من بين هذه الأسماء الأميركية من أصول لاتينية أنجيلا غونزاليس توريس التي تواجه النائب الحالي الديمقراطي جيمي غوميز على الدائرة الـ34 في كاليفورنيا، والتقدمية ماي فانغ التي ستواجه النائبة الديمقراطية الحالية دوريس ماتسوي لتمثيل الدائرة السابعة في كاليفورنيا، والتقدمي راندي فيلغاس الذي يواجه النائب الجمهوري الحالي ديفيد فالاداو لتمثيل الدائرة الـ22 في كاليفورنيا. علمًا أنه تم تغيير حدود هذه الدائرة الانتخابية، ما حوّل المقعد الحالي إلى متكافئ (حظوظ متكافئة) طبقًا لتقرير كوك السياسي (المستقل والمتخصص لنتائج وتوقعات الانتخابات الأميركية). كما يمثل فوز التقدميين بمقعدين في مجلس النواب عن ولاية ميشيغن المتأرجحة تحديًا لاختبار مدى قدرة التيار على تحقيق مكاسب في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

على صعيد آخر، يتنافس المرشح الديمقراطي التقدمي بول نولي في انتخابات نوفمبر المقبل مع الأميركي من أصول لبنانية وعضو المجلس الحالي دارين لحود، الذي يدعم إسرائيل، لتمثيل الدائرة الـ16 في ولاية إلينوي، التي تعد دائرة مضمونة للجمهوريين. كما تسعى الطبيبة التقدمية آشلي بيل إلى قلب مقعد مجلس النواب عن الدائرة العاشرة في ولاية ساوث كارولينا، والذي يشغله حاليًا النائب بات هاريغان الذي يتبنى سياسة الدعم المطلق لإسرائيل، غير أن هذا المقعد يصنف أنه آمن للجمهوريين. كذلك، ينافس القس التقدمي روب وايرس النائب الجمهوري الحالي ستيف ووماك على تمثيل الدائرة الثالثة بولاية أركنساس في مجلس النواب، والتي تعد أيضًا آمنة للجمهوريين. وفي الدائرة الرابعة بولاية إنديانا، يخوض المعلم والموسيقي التقدمي درو كوكس، الذي خدم سابقًا في قوات مشاة البحرية الأميركية (المارينز)، انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل بمواجهة النائب الحالي جيم بيرد المدعوم من اللوبي الصهيوني، وهي دائرة جمهورية آمنة.

آمال الحزبين قبل انتخابات التجديد النصفي
أما في مجلس الشيوخ، فيجرى الاقتراع هذا العام على 33 مقعدًا، إضافة إلى مقعدين خاصين في ولايتي أوهايو وفلوريدا. ويدافع الديمقراطيون عن 13 مقعدًا، بينما يدافع الجمهوريون عن 22 مقعدًا. ويحتاج الحزب الديمقراطي للفوز بأربعة مقاعد إضافية لانتزاع الأغلبية (50+1) ما يمنحهم السيطرة على تعيينات ترامب القضائية واختياراته المسؤولين في الحكومة والمناصب التي تحتاج تثبيتًا، إضافة إلى سيطرتهم على اللجان والتشريعات التي تُطرح للمناقشة داخل المجلس. في الأثناء، يستهدف الجمهوريون عددًا من المقاعد من بينها مقعدان شاغران أحدهما في ميشيغن بعد تقاعد غاري بيترز، والثاني في نيوهامبشير بعد تقاعد جين شاهين، إلى جانب محاولة انتزاع مقعد السيناتور الحالي جون أوسوف في جورجيا. بالمقابل، يستهدف الديمقراطيون مقاعد السيناتورات الجمهوريين سوزان كولينز عن ولاية ماين وجون هوستيد عن ولاية أوهايو ودان سوليفان عن ولاية ألاسكا، كما يأملون فوز مرشحهم جيمس تالاريكو على المدعي العام كيم باكستون المدعوم من ترامب والذي تلاحقه فضائح رشوة وفساد، ما يعني أن طريق الديمقراطيين لقلب مجلس الشيوخ يجب أن يمر عبر ولايات تكساس وأوهايو وألاسكا المحسوبة على الجمهوريين.

ويظهر متوسط استطلاعات الرأي قبل انتخابات التجديد النصفي (تنشرها وسائل إعلام أميركية) تفوّق الديمقراطيين بين خمس وسبع نقاط، وإمكانية قلب مجلس النواب بمكاسب تتراوح بين 10 و25 مقعدًا، بينما تشير إلى أن الجمهوريين مرشحين للاحتفاظ بالأغلبية بعد عدة أسابيع كانت قد رجحت وجود فرص للديمقراطيين لقلب الغرفتين. وتعد الحرب على إيران إلى جانب ميل الشباب والنساء بقوة للديمقراطيين من العوامل التي حدّت من تأثير إعادة رسم الدوائر الذي جاء لصالح الجمهوريين. وتشكل قضية الاقتصاد الذي تأثر بالحرب على إيران، ووصول شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها بعدما هبطت نسبة التأييد لأداء ترامب الرئاسي إلى 35%، وفق “رويترز/إبسوس” في الثالث من أغسطس/ آب الماضي، العبء الأكبر على الحزب الجمهوري في هذه الحرب. من جهة أخرى، يتوقع أن يكون لقضية غزة تأثير كبير على عدد من الدوائر، خصوصًا تلك التي فاز فيها اشتراكيون، كما تختبر مدى قدرة التقدميين والاشتراكيين (في الوصول) الذين يبنون جزءًا رئيسيًا من أجندتهم على رفض تمويل الحروب الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

في هذا الصدد، أشار أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة شيكاغو روبرت غولوتي إلى أن الموقف حول إسرائيل يمثل بالفعل صراعًا رئيسيًا حول مستقبل الحزب. وقال في تصريحات صحفية إن “إسرائيل فقدت بالفعل الكثير من الدعم داخل الحزب الديمقراطي”، عازيًا ذلك إلى أنها “على الأقل وفقًا للمنظور التاريخي الأميركي كانت تعتبر لفترة طويلة مشروعًا يتبناه اليسار”. وفي رأيه، “من الطبيعي بشكل ما، خصوصًا مع تولي اليمين السلطة، أن ينظر الأميركيون ذوو الميول اليسارية إليها (إسرائيل) نظرة أقل إيجابية”. وأضاف أن هذه النظرة ازدادت “بسبب العنف المروع الذي تمارسه ومارسته حكومة إسرائيل ضد سكان غزة والضفة الغربية، والسلوك الفوضوي الذي يتجاهل النظام مع جيرانها”.

وأشار غولوتي إلى أن “قادة الحزب الديمقراطي الحاليين ينتمون إلى الحرس القديم، ويمثلون ذلك الجيل الأقدم الذي كان ينظر إلى إسرائيل على أنها حليف وثيق للمصالح الأميركية في مواجهة السوفييت والمصالح السوفييتية، وكانوا يرونها أيضًا مشروعًا يساريًا”. هؤلاء الأشخاص، وفق رأيه، لا يزالون موجودين و”يتمسكون بمواقفهم، ورأينا ذلك بوضوح في ظل إدارة (الرئيس السابق جو) بايدن”. واعتبر أن “مصداقيتهم قد تضررت بشكل كبير في ما يتعلق بقضية غزة داخل الحزب الديمقراطي، في حين لا يوجد تأييد داخل الطبقة السياسية الديمقراطية لمواصلة دعم إسرائيل، ما لم تحدث تغييرات جوهرية داخل إسرائيل نفسها”. ورجّح أن هذا التغيير لن يحدث، ما يعني أن “إسرائيل ستتحول إلى مشروع حزبي (حزب واحد في الولايات المتحدة يؤيدها)، وهذا أمر لن يصب في مصلحة إسرائيل”.

بالمقابل، لفت إلى أمر قد يعطّل تراجع التأييد السياسي لإسرائيل، وهو انخراط الولايات المتحدة بشدة مع إسرائيل من الناحية الجيوسياسية، حيث ترتبط بإسرائيل “أموال طائلة من دافعي الضرائب، موارد مادية، وثروات كبيرة، ولذلك من الصعب تحدي فكرة عدم وجود هذا التحالف والدعم داخل الحزبين”. وفي ما يخص الموجة التقدمية والاشتراكية داخل الحزب الديمقراطي، ذكر غولوتي أن مجرد فوزهم في الانتخابات التمهيدية داخل معاقل الحزب “لا يعني بالضرورة أنهم يمثلون خيارًا قويًا أو فعالًا في الانتخابات العامة”. وأشار إلى أن “الانقلاب ضد إسرائيل في الحزب الديمقراطي ليس فقط داخل الموجة التقدمية، وإنما داخل الفئة الليبرالية والمتعلمة والثرية والتي لا تعارض الرأسمالية في صورتها الحالية، وذلك من منظور حقوق الإنسان والمبادئ الليبرالية”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى