لا تُغلق جسرًا قد تعود إليه
د. نواعم شبلي جبارين
في الحياة جسورٌ لا تُبنى بالحجارة والحديد، بل تُشيَّد بالكلمة الطيبة، والاحترام، وحسن الظن، والوفاء، وجميل المعاملة. هذه الجسور قد لا نراها بأعيننا، لكنها تحمل أثقال أعمارنا، وتختصر علينا مسافاتٍ طويلة من العناء. ومن الحكمة أن نحافظ عليها، لأن الحياة لا تسير في خط مستقيم، بل تدور دوراتها، وتعيد إلينا أشخاصًا وأماكن ومواقف ظننا أنها أصبحت من الماضي.
كم من إنسانٍ أغلق بابًا بعنف، ثم اكتشف بعد سنوات أن ذلك الباب كان منفذًا للخير! وكم من كلمةٍ قاسية أنهت علاقة، بينما كانت كلمةٌ لطيفة كفيلة بأن تُبقي جسرًا قائمًا، ولو من بعيد.
إن النضج الحقيقي لا يظهر عندما ننتصر في جدال، بل عندما نُحسن إنهاء الخلاف دون أن نهدم كل ما بُني قبله. فليس كل اختلاف يستوجب القطيعة، وليس كل عثرة تعني نهاية الطريق. قد تختلف القلوب، لكن الأخلاق الرفيعة تظل قادرة على حفظ الود، حتى وإن تغيّرت الاتجاهات.
ومن أعظم صور القوة أن يرحل الإنسان دون أن يترك خلفه خرابًا، وأن يغلق صفحةً دون أن يمزق الكتاب كله. فالعلاقات الإنسانية ليست معادلات رياضية تُمحى نتائجها بضغطة زر، وإنما هي ذاكرة، وتجارب، ومواقف، وأثر يبقى في النفوس طويلًا.
ولأن الأيام دول، فإن من كان اليوم في غنى عن غيره، قد يحتاج إليه غدًا. وليس المقصود بالحاجة دائمًا المال أو المنصب، بل قد تكون كلمة نصح، أو شهادة حق، أو دعاءً صادقًا، أو حتى ابتسامةً في وقت ضيق. لذلك كان الحفاظ على جسور الاحترام استثمارًا أخلاقيًا قبل أن يكون مصلحةً اجتماعية.
إن أكثر الناس حكمة هم الذين يفصلون بين الموقف وصاحبه، فيرفضون الخطأ دون أن يدفنوا الإنسان، ويختلفون بأدب دون أن يهينوا الكرامة، وينسحبون بهدوء دون أن يزرعوا الأشواك في الطريق. هؤلاء يدركون أن الأخلاق ليست مرتبطة بالمزاج، بل هي مبدأ ثابت لا يتغير بتغيّر الظروف.
ولعل من أكثر ما يؤلم في هذا العصر سرعةُ القطيعة، وسهولةُ الهدم، وصعوبةُ الاعتذار. فقد أصبح البعض يقطع سنواتٍ من المعروف بسبب لحظة غضب، أو سوء فهم، أو كلمة نُقلت بغير أمانة. بينما الحكيم يمنح نفسه فرصة للتأمل، ويمنح الآخرين فرصة للتوضيح، لأن الحقيقة لا تُرى دائمًا من الزاوية الأولى.
إن التسامح لا يعني ضعف الشخصية، كما أن المحافظة على العلاقات لا تعني التنازل عن الكرامة. بل تعني أن يكون الإنسان أكبر من الإساءة، وأوسع أفقًا من الانفعال، وأرقى خلقًا من الانتقام. فالنفوس الكبيرة لا تُقاس بما تكسبه من خصومات، بل بما تحافظ عليه من قيم.
ومن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله سيرةٌ عطرة، وقلوبٌ تدعو له، وجسورٌ ما زالت قائمة بينه وبين الناس، لأن الاحترام الذي يُزرع اليوم قد يثمر غدًا مواقف لا تُنسى.
فلنحرص جميعًا على ألا نهدم جسورًا تعبنا في بنائها، وألا نحرق المراكب التي قد نحتاجها يومًا لعبور نهر الحياة. فالدنيا تتبدل، والظروف تتغير، والقلوب التي أحسنّا إليها قد تكون يومًا سببًا في نجاتنا، بعد توفيق الله تعالى.
لا تُغلق جسرًا قد تعود إليه… فقد يأتي يومٌ لا يكون فيه الطريق إلى المستقبل إلا عبر ذلك الجسر الذي أبقيته عامرًا بالمودة والاحترام، وتلك هي الحكمة التي لا يشيخ نورها مهما تعاقبت الأيام.
