التربية الإسلامية والأمن النفسي في بناء الهوية الوطنية
د. إيهاب الشيخ خليل (الناصرة)
إنَّ الحديث عن التربية في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي عام 1948 لم يعد مقتصرًا على تنمية التحصيل الدراسي أو تنمية المهارات المعرفية بقدر ما أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة ببناء الإنسان القادر على المحافظة على هويته الوطنية، والمتزن نفسيًا في ظل بيئة اجتماعية، وثقافية، وسياسية صعبة، فالطالب العربي في الداخل الفلسطيني يعيش حالةً من التفاعل المستمر بين انتمائه الديني والقومي والثقافي وبين واقع يفرض عليه تحديات متشابكة قد تؤثر في شعوره بالأمن النفسي والانتماء و حتى الاتزان الانفعالي، وهذا بالتأكيد يبرز أهمية التكامل بين التربية الإسلامية وعلم النفس التربوي بوصفه نموذجًا تربويًا متوازنًا يجمع بين بناء القيم والهوية من جهة وتحقيق الصحة النفسية والنمو السليم من جهة أخرى.
وتنظر التربية الإسلامية إلى الانسان نظرة شمولية فهي لا تفصل بين العقل والروح أو المعرفة والسلوك، إنما تجعل التربية عملية بناء متكاملة للإنسان في أبعاده العقائدية، والأخلاقية، والنفسية، والاجتماعية.
وأكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ “الرعد: 11″، وهي آية تؤسس لمبدأ المسؤولية الذاتية والتغيير الداخلي، وهو من المبادئ التي يقوم عليها علم النفس التربوي الحديث في تفسير السلوك الإنساني ودافعية التعلم، وكما أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ “الرعد: 28” حيث يبرز البعد النفسي للإيمان ويجعل الطمأنينة النفسية ثمرةً من ثمار الارتباط بالله، وهو ما ينسجم مع الدراسات الحديثة التي تؤكد العلاقة بين المعنى الروحي والصحة النفسية.
ويؤكد علم النفس التربوي أن الأمن النفسي يمثل أحد الشروط الأساسية للتعلم الفعال، فقد بيّن أبراهام ماسلو في هرم الحاجات أن الحاجة إلى الأمن تأتي مباشرة بعد الحاجات الفسيولوجية، وأن غيابها ينعكس سلبًا على التعلم والدافعية وتحقيق الذات.
ويرى أيضًا “كارل روجرز” أن البيئة التعليمية القائمة على الاحترام والتقبل غير المشروط تعزز النمو النفسي والشعور بقيمة الذات، بينما يؤكد إريك إريكسون أن بناء الهوية في مرحلة المراهقة يمثل المهمة النمائية الأبرز خاصة أن اضطراب الهوية يقود إلى القلق والتشتت النفسي، وتشير دراسات حديثة إلى أن دمج هذه الرؤى النفسية مع التربية الإسلامية ينتج نموذجًا أكثر شمولية في بناء شخصية الطالب المتعلم وهذا الجيل الذي يحتاج للاهتمام والمتابعة والرعاية معًا.
إن التربية الإسلامية تلتقي مع مبادئ علم النفس التربوي وكما بينا ذلك أعلاه في كثير من المرتكزات فهي تؤكد: احترام الفطرة الإنسانية، وتنمية الدافعية الداخلية، وإشباع الحاجات النفسية بصورة متوازنة، وبناء الضمير الأخلاقي، وإيجاد معنى للحياة، وهذه مواضيع مركزية في المدارس النفسية الإنسانية! فالقرآن الكريم يخاطب العقل والوجدان معًا ويوازن بين الترغيب والترهيب، وبين المسؤولية والرحمة، وبين الفرد والمجتمع، وهو ما يجعل العملية التربوية أكثر قدرة على إحداث التغيير السلوكي الحقيقي.
