أخبار وتقاريرمقالاتومضات

كلام حول فيلم “إخوان إسرائيل.. فرع الجماعة في تل أبيب”

ساهر غزاوي

في الحقيقة، كنت أحتفظ بهذه الجملة لسياق آخر، لكن بعدما شاهدت الفيلم الوثائقي المصري “إخوان إسرائيل.. فرع الجماعة في تل أبيب”، وجدت أنه لا بد من استحضارها. فقد قرأت قبل وقت قصير لأحد الباحثين في الفكر السياسي والحركات الإسلامية، مقولة بدت لي على قدر من الموضوعية والإنصاف، يقول فيها: “تبدو العديد من المقاربات في النظر إلى الإسلاميين وكأنهم كائنات فضائية أو مخلوقات غريبة تقتحم الدول والمجتمعات العربية، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا، فالإسلاميون كثيرًا ما ينتصرون في الانتخابات إذا ما كان هناك مناخ من الحريات السياسية، ويعكسون عادة المزاج الاجتماعي المحافظ، بغض النظر عن مدى تأييده لهذا الفصيل من الإسلام السياسي أو ذاك”.

ومع تحفظي على مصطلح “الإسلام السياسي”، فإن أهمية هذه المقولة لا تكمن في الدفاع عن الإسلاميين أو إعفائهم من النقد، وإنما في رفض التعامل معهم كجسم غريب عن مجتمعاتهم، لا يُفسر وجوده إلا بالمؤامرة والتنظيم السري والاختراق.

وهذه تحديدًا إحدى آفات الخطاب الرسمي والإعلامي تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وخصوصًا في مصر بعد الانقلاب العسكري عام 2013. فمنذ ذلك الوقت، لم يعد الخلاف معها يُقدم باعتباره خلافًا سياسيًا قابلًا للنقاش والنقد، بل تحولت، في جانب واسع من هذا الخطاب، إلى “عدو” دائم ومتهم سلفًا، حتى بات التعاطف مع ضحاياها، أو رفض القمع الذي تعرضت له، أو الاعتراض على الانقلاب، كافيًا أحيانًا لإدخال صاحبه في دائرة الشبهة والاتهام.

وبذلك لم تعد المسألة نقدًا لتجربة سياسية أو لجماعة بعينها، بل تحولت إلى عملية أوسع من الشيطنة ونزع الشرعية، إذ يجري اختزال ملايين الناس ومواقفهم وتجاربهم المختلفة في صورة واحدة جاهزة، ثم تُبنى الأحكام على أساسها.

وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي “إخوان إسرائيل.. فرع الجماعة في تل أبيب”، شعرت أن المنهج نفسه انتقل، مع اختلاف المكان والسياق، إلى التعامل مع الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني. فمنذ العنوان، لا يدخل الفيلم إلى الموضوع بسؤال مفتوح عن نشأة الحركة وتحولاتها وانقساماتها ودورها الديني والاجتماعي والسياسي، وإنما يدخل إليه وهو يحمل النتيجة مسبقًا، وهي أن هناك “إخوان إسرائيل” و “فرعًا للجماعة في تل أبيب”.

ومن هذه النقطة يبدأ تركيب الرواية. فيركز الفيلم بصورة أساسية على الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، أي الجناح الذي اختار منذ عام 1996 المشاركة في انتخابات الكنيست، ويستعرض مسيرته السياسية والبرلمانية على امتداد سنوات طويلة، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة بقيادة منصور عباس. كما يمنح مساحة واسعة لتصريحاته ومواقفه، ولا سيّما حديثه عن يهودية الدولة، ثم تجربة القائمة العربية الموحدة في الانضمام إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي عام 2021، ليقدم هذا المسار وكأنه المحصلة الطبيعية لتاريخ طويل من الاندماج المتدرج في المنظومة السياسية الإسرائيلية.

وبطبيعة الحال، يمكن مناقشة هذه التجربة ونقدها، بل وتوجيه نقد شديد إليها. فمواقف منصور عباس، وتجربة الدخول في الائتلاف الحكومي، والخطاب السياسي الذي رافقها، كلها قضايا أثارت، ولا تزال تثير، جدلًا واسعًا داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، ولم تكن الحركة الإسلامية، ولا القائمة العربية الموحدة، يومًا فوق النقد أو المساءلة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُقدم هذا المسار وكأنه تاريخ الحركة الإسلامية كلها. فالفيلم يعرف، ولا يمكن لمن يتناول تاريخ الحركة الإسلامية ألا يعرف، أنها انقسمت عام 1996 بسبب الخلاف حول المشاركة في انتخابات الكنيست. ومنذ ذلك الحين نشأ مساران مختلفان، بل ومتعارضان في قضايا مركزية، جناح اختار المشاركة البرلمانية وواصل تطوير تجربته حتى وصل إلى المشاركة في ائتلاف حكومي إسرائيلي، وجناح آخر رفض أصلًا دخول الكنيست، وركز جزءًا كبيرًا من نشاطه على العمل الدعوي والجماهيري وقضايا القدس والمسجد الأقصى، قبل أن تحظره إسرائيل عام 2015.

ومع ذلك، لا يمنح الفيلم هذا المسار الثاني ما يستحقه من حضور مستقل يفسر رؤيته وتطوره وموقعه في المجتمع الفلسطيني، ولا يتوقف بما يكفي عند دوره الطويل في قضية القدس والأقصى، وهي واحدة من أبرز القضايا التي ارتبط بها الجناح الشمالي وقياداته طوال عقود. لكنه يستحضره عندما يصبح وجوده مفيدًا للرواية التي يريد بناءها، فيعود الجناحان، رغم اختلاف مساريهما، إلى الظهور تحت المظلة نفسها، وهي “إخوان إسرائيل”.

وتظهر هذه الانتقائية بوضوح أكبر عندما يعرج الفيلم، في نهايته، على المظاهرة التي دعا إليها اتحاد أئمة المساجد في الداخل الفلسطيني أمام السفارة المصرية في تل أبيب، وشارك فيها عدد من قيادات التيار الإسلامي المحظور منذ عام 2015، احتجاجًا على حرب التجويع في غزة، واستمرار إغلاق معبر رفح، والمطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية وإخراج الجرحى والمرضى. لكن الفيلم يستحضر هذه المظاهرة ضمن سياقه الخاص حول علاقة “الإخوان” بمصر، فينقل مركز السؤال من مضمون الاحتجاج، وهو لماذا يُغلق معبر رفح أمام غزة، إلى هوية المحتجين أمام السفارة، وهم “الإخوان”.

وأكاد أجزم أن هذه المظاهرة كانت أصلًا أحد الدوافع الأساسية لإنتاج الفيلم. فهو يفتتح بلقطة سريعة منها، ثم يعود إليها في نهايته بشيء من التفصيل، وكأن ما بين البداية والنهاية بُني لتهيئة المشاهد للوصول إلى هذه اللحظة. فالمظاهرة، التي أُقيمت في 31/7/2025، فجرت يومها حملة إعلامية واسعة قادها إعلام النظام المصري، وساندتها وسائل إعلام خليجية، وحسابات إلكترونية، ومؤسسات وشخصيات دينية وأكاديمية، ومستويات سياسية متعددة.

وقد كتبت يومها مقالًا بعنوان “الدعاية السوداء لسَحَرة الإعلام: فِرية العلم الإسرائيلي نموذجًا”، تناولت فيه كيف لم يعد “سَحَرة الإعلام المصري” مجرد مروجين لرواية النظام، بل تحولوا إلى صناع سرديات مضللة تُفصل على مقاس احتياجات السلطة، عبر اجتزاء الوقائع، وإعادة تركيبها، وشيطنة كل صوت يخرج عن الرواية الرسمية. ومن يريد فهم الخلفية الإعلامية التي سبقت هذا الفيلم يمكنه العودة إلى ذلك المقال.

ومن هنا يصعب فصل الفيلم عن تلك الحملة، فهو يبدو امتدادًا إعلاميًا لها، ولكن بثوب “وثائقي”. فبدل أن يبحث في الأسباب التي دفعت فلسطينيين إلى الاحتجاج أمام السفارة المصرية خلال حرب التجويع على غزة، يعيد تركيب تاريخ الحركة الإسلامية بما يخدم رواية واحدة، تنزع عن الاحتجاج طابعه الفلسطيني والإنساني، وتختزله في فعل تنظمه “الإخوان”. وهكذا لا يعود السؤال: لماذا خرج المحتجون للمطالبة بفتح معبر رفح وإدخال المساعدات الإنسانية؟ بل يصبح: من هم هؤلاء المحتجون؟ والإجابة التي يعمل الفيلم على ترسيخها أنهم “إخوان إسرائيل”، كما يوحي عنوانه، لا فلسطينيون خرجوا احتجاجًا على حرب التجويع والحصار.

والمفارقة الأكبر أن هذا الخطاب يلتقي، في نهاية المطاف، مع خطاب الإعلام الإسرائيلي. فإذا كان الفيلم المصري يبني إدانته للحركة الإسلامية من خلال تجربة جناحها الجنوبي، مركزًا على المشاركة في الكنيست والانضمام إلى الائتلاف الحكومي، فإن الخطاب الإسرائيلي يحرض على الحركة، ولا سيّما جناحها الشمالي المحظور، لأنها تمسكت بالقدس والأقصى والهوية الفلسطينية، ورفضت الاندماج في الرواية الإسرائيلية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى