حتى لا يُقال لنا يومًا: “لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟”
ساهر غزاوي
لم يكن سؤال غسان كنفاني في خاتمة رواية “رجال في الشمس” سؤالًا أدبيًا عابرًا، بل تحول إلى واحد من أكثر الأسئلة حضورًا في الوعي الفلسطيني: “لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟”. لم يكن اللوم موجهًا إلى ثلاثة رجال اختنقوا داخل خزان شاحنة يقودها أبو الخيزران، الذي تحوّل في الرواية إلى رمز للقيادة التي قادت أصحابها إلى الوهم والمأزق، بقدر ما كان موجهًا إلى كل صمت يفضي إلى الهلاك، وكل استسلام يُلبس العجز ثوب الحكمة، وكل خوف يمنع صاحبه من إطلاق صرخة في اللحظة التي كان يمكن أن تغيّر المصير.
اليوم لم يعد الخزان مجرد خزان، بل قد يكون فكرة سياسية يُراد لها أن تصبح الحقيقة الوحيدة، أو خيارًا يُقال لنا إنه لا بديل عنه، أو حالة يخاف فيها الناس من الاعتراض. لذلك لن نكتفي باستحضار رواية كنفاني، بل سنمارس رسالتها، وسنبقى نقرع جدار الخزان كلما حاول أحد أن يجعل الصمت فضيلة، أو يحوّل النقد إلى تهمة، حتى لا يُقال لنا يومًا: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟
سنبقى نقرع جدار الخزان حتى نقول: إن المشاركة في الكنيست انحرف مسارها، في الخطاب السياسي السائد، من كونها أحد مسارات العمل السياسي، نتفق معه أو نختلف، إلى أن أصبحت المعيار الذي تُقاس به السياسة كلها، حتى غدا الكنيست هو السياسة، والسياسة هي الكنيست، وكل ما عداه يُهمش أو يُصور على أنه خروج عن العقلانية.
سنبقى نقرع جدار الخزان حتى نقول: إن المجتمع الفلسطيني في الداخل ليس كتلة سياسية واحدة، ولا يسير في مسار سياسي واحد. فهناك القائمة العربية الموحدة التي جعلت من المشاركة في الائتلافات الحكومية خيارًا استراتيجيًا، وأعلنت استعدادها للانضمام إلى أي حكومة تقبل بها شريكًا. وهناك أحزاب عربية أخرى تتبنى مسارًا سياسيًا مختلفًا، ويُتوقع أن تخوض الانتخابات في إطار قائمة مشتركة. كما توجد قوائم ترفع شعار “الشراكة العربية–اليهودية”، إلى جانب من يصوت من أبناء مجتمعنا للأحزاب الصهيونية، بما فيها أحزاب الائتلاف الحاكم، وفي مقدمتها الليكود. وفي المقابل، هناك أيضًا مسار المقاطعة بمختلف مدارسه ومنطلقاته الفكرية والسياسية. فإذا كانت كل هذه الخيارات تُعد مسارات سياسية مشروعة وقابلة للنقاش، فلماذا يُستثنى مسار المقاطعة وحده، ويُصور على أنه موقف غير عقلاني أو خارج عن الإجماع؟ مع أن الأصل، لشعب أصلاني تعرض للنكبة والاقتلاع والتطهير العرقي، ألا تكون المشاركة في الكنيست، باعتبارها إحدى ركائز المشروع الصهيوني، هي القاعدة، بل الاستثناء، وأن تكون المقاطعة هي الموقف الأصلي، بينما تبقى المشاركة “اجتهادًا سياسيًا” قابلًا للنقاش، لا معيارًا تُقاس به الوطنية أو العقلانية.
سنبقى نقرع جدار الخزان حتى نقول: إن ازدياد عدد النواب العرب في الكنيست لم يمنع إقرار أخطر القوانين التي استهدفت حقوقنا وثوابتنا الوطنية، من قانون النكبة، وقانون القومية، وقانون أساس: القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، إلى قانون خصم مخصصات الأسرى والشهداء، وقانون احتجاز جثامين الشهداء، وقوانين سحب الإقامة الدائمة من أهالي القدس، وسحب الجنسية من فلسطينيي الداخل، ومشاريع قوانين إعدام الأسرى، فضلًا عن محاولات تقييد رفع الأذان وغيرها من التشريعات. وإذا كانت هذه القوانين قد أُقرت أو دُفعت في سنوات كان فيها التمثيل العربي في الكنيست في أعلى مستوياته العددية، فمن حقنا أن نسأل: هل يكفي التعويل على الكنيست وحده لحماية ثوابتنا الوطنية؟ وإذا كانت هذه القضايا لا تُعد ثوابت وطنية فلسطينية تحظى بإجماع واسع، فما هي إذن الثوابت الوطنية التي يُفترض أن نجتمع عليها؟
سنبقى نقرع جدار الخزان حتى نقول: إن مسار التنازلات السياسية داخل الكنيست لم يبدأ اليوم، بل تراكم على امتداد عقود. فمنذ عام 1992، حين شكلت الأحزاب العربية كتلة مانعة دعمت حكومة إسحق رابين من الخارج مقابل وعود بتحسين أوضاع المواطنين العرب، وهي مكاسب تراجعت عن جزء كبير منها الحكومات الإسرائيلية لاحقًا مع عودة اليمين إلى الحكم، مرورًا بترشح عزمي بشارة لرئاسة الحكومة عام 1999، في خطوة كسرت أحد المحرمات السياسية رغم إدراك الجميع أنها غير قابلة للتحقق، ثم التوصية على بيني غانتس الذي انتهى به الأمر متحالفًا مع بنيامين نتنياهو، والتوصية على يائير لبيد، وصولًا إلى دخول القائمة العربية الموحدة الائتلاف الحكومي لأول مرة في تاريخ الأحزاب العربية. ورغم هذا المسار المتدرج من التوصيات والتنازلات السياسية، بقيت الحصيلة أقل بكثير من حجم الوعود، وبقيت الإنجازات محدودة ومؤقتة، بينما استمر التراجع في القضايا والثوابت الوطنية. وبعد عقود، لم تكن الحصيلة سوى توصيات كثيرة، وتنازلات أكبر، ونتائج أقل مما وُعد به الناس.
سنبقى نقرع جدار الخزان حتى نقول: إن غالبية القوى السياسية الإسرائيلية، سواء في الائتلاف الحاكم أو في صفوف المعارضة، أعلنت مرارًا رفضها المسبق لإقامة شراكة سياسية حقيقية مع الأحزاب العربية، وجعلت أي تعاون مشروطًا بقبول مواقف تنسجم مع الإجماع الصهيوني. وهكذا وجد العمل البرلماني نفسه يدور في حلقة مفرغة، مكانك سر، ندور حول أنفسنا، وحول صندوق الانتخابات، حتى بدا وكأن التفكير خارج هذا الصندوق أصبح أمرًا مستحيلًا أو محرمًا.
سنبقى نقرع جدار الخزان حتى نقول: إن السياسة ليست صندوق اقتراع يُفتح كل عدة أعوام ثم يُغلق، بل هي حضور يومي في قضايا شعبنا المصيرية. فواجبنا أن نعيد إحياء العمل السياسي والمجتمعي، وأن نبقى إلى جانب المسجد الأقصى، والنقب الذي يواجه سياسات الهدم والاقتلاع، والضفة الغربية التي تتعرض لاعتداءات متواصلة، وغزة التي ما تزال تواجه حرب إبادة، وأن نحافظ على وعينا الوطني وهويتنا الفلسطينية. فالأمم لا تذوب فجأة، وإنما تذوب عندما تنفصل عن قضاياها، وتختزل مشروعها الوطني في صندوق اقتراع، وتتحول إلى رهينة لمسارات الأسرلة التي تسعى إلى إعادة تشكيل وعيها وانتمائها.
وها نحن نقرع جدار الخزان في هذه المرحلة الحرجة والدقيقة، مدركين أن الزمن لن يتوقف عندنا، كما لم يتوقف عند من سبقنا، ولن يتوقف عند من سيأتي بعدنا، حتى لا يأتي يوم تسألنا فيه الأجيال الحاضرة والقادمة: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟ ولماذا لم تُحذرونا من أبي الخيزران؟
