أخبار وتقاريرمقالاتومضات

عبادة المراغمة: العبادة المغيّبة

الشيخ كمال خطيب

اعتاد الناس على حصر مصطلح ومفهوم العبادة بأنه لا يكون إلا في ركن الصلاة والصوم والزكاة والحج. ولكن مفهوم العبادة هو أوسع وأرحب، إذ إنه يشمل كل فعل وقول يحبه الله ويرضاه، وسواء كان في الظاهر أو الباطن، وأنه يتجاوز الفرائض والأركان إلى النوافل والمعاملات والأخلاق، بل وكل كيان الإنسان وجوارحه وحواسه. والعبادة هي الغاية التي لأجلها خلق الله الإنسان: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [56 سورة الذاريات].

وإنها عبادة، لكنها ليست صلاة ولا زكاة ولا حجًا، وإنما هي عبادة المراغمة وإغاظة الكفار وأعداء الإسلام، وقد قال ابن القيم: “الله يحب من وليّه مراغمة عدوّه وإغاظته، فمغايظة الكفّار غاية محبوبة للربّ مطلوبة له، وهي من كمال العبودية”.

وما دام الصراع بين الحقّ وبين الباطل، وبين الخير والشرّ، وبين الهدى والضلال، وبين الإسلام وبين أعدائه، فما دام هذا الصراع قائمًا ومستمرًا، وأن له وسائل تستخدم، فإن من وسائله إغاظة شياطين الإنس من أهل الباطل ومراغمتهم، تمامًا مثلما أن المسلم يراغم ويغيظ الشيطان حين يقوم للصلاة وهو يريد له أن لا يصلّي وأن يكسل عنها ويؤخرها. وأن المسلم يراغم ويغيظ الشيطان حين يصوم لله وهو يريد له أن يفطر، فإن المسلم كذلك يراغم ويغيظ شياطين الإنس والجن بأقوال وأفعال يقوم بها، وهي عبادة لله تعالى.

ولقد تحدّث القرآن الكريم في عديد من الآيات عن عبادة المراغمة والإغاظة للكافرين، فقال سبحانه: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [100 سورة النساء]، أي أن المسلم الذي كان يهاجر من مكة حيث الظلم والقهر والتعذيب والإكراه على الكفر، فإنه سيجد في الأرض مكانًا به يرغم أنوف جلّاديه وظالميه، يكون منطلقه لتحديهم ومواجهتهم ومحاربتهم وإرغام أنوفهم، فإذا مات وهو في طريق الهجرة فإن الله سيكتب له الأجر، {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [100 سورة النساء].

وإذا كانت الهجرة يومها هي مراغمة لأهل الباطل، فإننا في زمان المراغمة فيه من أبناء شعبنا هي الثبات والتجذّر في أوطاننا بعكس ما يريده الظالم، فهو يريد لأبناء شعبنا التهجير لتسهيل استيلائه على أرضنا ووطننا، وهذا ما أدركه أهلنا وأبناء شعبنا في غزة يوم كان القتل والتدمير والمجازر وسيلة لتهجيرهم إلى سيناء وغيرها، فراغموه بالصمود والبقاء والثبات رغم القتل والجوع والمرض والتدمير، وهذا ما يجب أن ندركه نحن أبناء الداخل الفلسطيني، حيث مشاريع التهجير والترانسفير قائمة، وحيث هدم البيوت وانتشار العنف والجريمة هي مشاريع كذلك لتهجيرنا، فلا يكون مواجهة ذلك إلا بعبادة المراغمة بالترسّخ والثبات والصمود على أرضنا وفي وطننا، أرض ووطن الآباء والأجداد.

قال سبحانه: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [120 سورة التوبة]، فقد سمّى الله تعالى كل عمل يقوم به المسلم، يغيظ ويراغم أعداء الإسلام، أنه عمل صالح يؤجر عليه ولا يضيع الله له أجرًا.

وقال سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [29 سورة الفتح]. فقد قال المفسّرون: إن سلوك أصحاب رسول الله ﷺ والسائرين على دربه حين يكونون على خُلقه ونهجه، وهم أقوياء رحماء بينهم أشداء على عدوّهم، فإن هذا يغيظ الكفار أعداء الإسلام ويرضي الله ورسوله ﷺ، وإذا حصل العكس كما في زماننا، يوم أصبح المسلمون رحماء على الكفار أشداء على بعضهم، ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، فإن هذا مما يفرح ويسعد أعداء الإسلام ولا يغيظهم.

أساتذة الحرب النفسية

وخلال جولات الصراع بين الحق والباطل، بين الإسلام وأعدائه، فقد يكون المسلمون في بعض الجولات أضعف عددًا وعدّة من عددهم، لكن إيمانهم واعتزازهم بدينهم، فإنهم لا يضعفون ولا ينكسرون ولا يطأطئون الرأس، وإنما يتحدّون أعداء الله بشموخ وعزة المسلم، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [8 سورة المنافقون].

وما أكثر أمثلة التاريخ التي كان فيها المسلمون يراغمون ويغيظون أعداء الله في مواقفهم، وكانوا بذلك يتعبّدون إلى الله بهذه المراغمة. ولعلّ أعظم مثال في تاريخ هذه الأمّة هو بلال بن رباح رضي الله عنه، وهو يعذّب على يدي أبي جهل وأميّة بن خلف حتى يسيل الدم من جلده الذي انسلخ من حرّ الشمس وحرّ السياط، وكان يقول: “أحدٌ أحد”. إنها كلمات كانت تغيظ أميّة بن خلف وترفع الضغط عند أبي جهل وتجعل الدمّ يغلي في عروقه. وكان بلال بعدها يقول: “لو أعلم كلمة تغيظكم أكثر لقلتها”.

ويوم معركة أحد، وقد نال من المسلمين ما نالهم من القتل والجراح التي أصابت رسول الله ﷺ، ووقف أبو سفيان يناكف رسول الله وأصحابه ويعايرهم بما وقع بهم، فكان يرفع صوته ويقول: “أعلُ هُبل”. وكان الصحابة يقولون: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: “قولوا: الله أعلى وأجلّ”. فيقول أبو سفيان: “لنا العزّى ولا عزّى لكم”. فقال النبي ﷺ للصحابة: “قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم”. إنه موقف إغاظة ومناكفة ومراغمة ومقارعة ومجاقرة لأبي سفيان، الذي ظنّ بأن المسلمين وإن كانوا قد هزموا عسكريًا فإنهم كذلك قد هزموا معنويًا، فكان الردّ عليه مراغمة وإغاظة بأنهم لم يهزموا، وإن معنوياتهم ما زالت عالية.

ويوم فتح المسلمون مكة رغمًا عن أنوف المشركين، فقد سبق ذلك أن جاء العباس عم رسول الله ﷺ بأبي سفيان زعيم قريش، وأوقفه في مكان ستمرّ منه جيوش المسلمين، وكانت كل قبيلة لها رايتها، فكان المشهد كأنه استعراض عسكري، فكان كلّما مرّت قبيلة سأل أبو سفيان العباس: من هذه؟ فقال العباس: هذه قبيلة سُليم. فقال أبو سفيان: مالي ولسُليم. يا عباس، من هذه؟ قال: هذه مُزينة. فيقول أبو سفيان: مالي ولمزينة. وهكذا، فما مرّت قبيلة إلا سأل عنها، حتى مرّت أخيرًا كتيبة يلبس فرسانها الحديد، ولا ترى من داخل خوذة الرأس إلا عيونهم، وفيهم رسول الله ﷺ، وكانت تسمى الكتيبة الخضراء، فقال أبو سفيان: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هؤلاء المهاجرون والأنصار، فيهم رسول الله ﷺ. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء طاقة. ورجع أبو سفيان ينادي في قومه: “يا معشر قريش، لقد جاءكم محمد فيما لا قبل لكم به”. إنه موقف إغاظة ومراغمة وحرب نفسية جعلت أبا سفيان يُهزم من داخله ويعلم علم اليقين أنها النهاية.

ويوم دخلت جموع المسلمين إلى مكة والمسجد الحرام، فقد بقي من بين المشركين من ظنّوا أن بإمكانهم التحدي والقتال، وأشاعوا بأن المسلمين ضعفاء ومهازيل، وقال بعضهم: “إن محمدًا يقدم عليكم وقد وهنتهم حمّى يثرب”، أي أنهم مصابون بأمراض الحمّى. فكان أن أمر رسول الله ﷺ أصحابه بإغاظتهم والظهور بمظهر القوّة، فسنّ لهم في الطواف أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى، وهو الهرولة والمشي السريع إشارة إلى العزيمة، وأظهروا الكتف الأيمن من لباس الإحرام دلالة على الصلابة والقوّة، وقال لهم: “لا يرى القوم فيكم غميزة”، أي ضعفًا، وهي السنّة التي يؤديها المسلمون اليوم عند طوافهم بالكعبة المشرفة. إنه ﷺ أراد أن يغيظهم ويراغمهم ويحطّم معنوياتهم، وهي عبادة لله تعالى.

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يتعمّد الخروج إلى الكعبة الشريفة، وبأعلى صوته وأمام جميع الكفار، فقد كان يقرأ سورة الرحمن، فينهالوا عليه ضربًا وركلًا حتى يسيل الدم من رأسه وجسده، فكان الصحابة يشفقون عليه لأنه كان ضعيف الجسم وليس له عزوة ولا عشيرة تحميه، فكان يقول: “والله ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم مثلها”، أي لأرجعنّ مرة أخرى. فقال له الصحابة: “لقد أسمعتهم ما يكرهون”. فكان موقف إغاظة ومراغمة ومجاقرة، وهي عبادة لله تعالى.

وهذا الصحابي الجليل البطل أبو دجانة رضي الله عنه، وقد سمع النبي ﷺ يوم أحد يقول: “من يأخذ هذا السيف بحقّه؟”. فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله. لكن رسول الله أعطاه لأبي دجانة، الذي سأله: ما حقّه يا رسول الله؟ قال: “أن تضرب به العدوّ حتى ينحني”. فقال: أنا آخذه يا رسول الله. فأخذه وعصب على رأسه العصابة الحمراء، وجعل يتبختر بين الصفّين، أي بين صفّ المسلمين وصفّ المشركين، في مشهد تحدٍّ وإغاظة ومراغمة ومجاقرة. فقال النبي ﷺ: “إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذه المواطن”. فكان موقف تحدّي وتبختر أبي دجانة مراغمة، بل عبادة لله تعالى، وهو يغيظ الكفار بذلك المشهد.

وإنه الصحابي الجليل حذافة بن عبد الله السهمي، وكان في جيش عمر الذي خرج لملاقاة الروم، ولكنه وقع أسيرًا في تلك المعركة، ولما جيء به إلى ملك الروم مصفّدًا بالأغلال، قال له ملك الروم: “هل لك أن تتنصّر وأعطيك نصف ملكي؟”. فقال له حذافة: “والله لو أعطيتني كل ملكك وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد ﷺ طرفة عين”، في موقف إغاظة لهم. قال: إذن أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر بتعذيبه، فصبر على أنواع من العذاب كثيرة. فما كان من ملك الروم إلا أن أمر بحبس حذافة في غرفة ليس فيها طعام إلا لحم الخنزير ولا شراب إلا الخمر. وبعد ثلاثة أيام، وقد أنهكه الجوع والعطش، فقد أخرجوه دون أن يمسّ لحم الخنزير أو الخمر، فقال له ملك الروم: وما منعك أن تأكل وتشرب؟ فقال: “أما وأن الضرورة في شريعتنا قد أحلّتها لي، «الضرورات تبيح المحظورات»، ولكنني أردت أن لا أشمّتك بالإسلام وأنت تراني آكل الخنزير وأشرب الخمر”. إنه عزم على أن لا يدخل السرور إلى قلبه والشماتة، وهو يرى مسلمًا يشرب الخمر، في موقف إغاظة ومراغمة ومجاقمة وتحدٍّ منه رضي الله عنه.

راغم تؤجر

ولأننا في هذه المرحلة من الزمان، وهذه الجولة من جولات الصراع والتدافع بين الحق والباطل وبين الإسلام وأعدائه، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [251 سورة البقرة]، ولأن أعداء الإسلام يملكون من المقدّرات العسكرية والاقتصادية والعلمية والنفوذ السياسي والإعلامي أكثر مما نملك، فإنهم يشيعون بيننا أن هذا حال لن يتغيّر، وأن الغلبة ستظل لأعداء الإسلام، وليس لنا إلا أن نجتهد في تحسين ظروف عبوديتنا لهم.

إنهم يريدون أن يزجّوا بنا في خانة اليأس والإحباط والسوداوية، واستحالة تغيير الظروف، واستحالة نهضة الأمّة، واستحالة أن نعود أمّة هي خير أمّة أخرجت للناس. وهنا تأتي عبادة المراغمة والإغاظة، وهي باللهجة الشعبية المجاقرة والمجاقمة لأهل الباطل ومن سار في ركبهم ووقع في شباكهم من المظبوعين والمهزوزين والمنبطحين من المسلمين.

هنا يأتي دورنا لنؤدي العبادة المغيّبة ونحييها، إنها عبادة المراغمة.

هم يشيعون بيننا اليأس، ونحن نراغمهم ونغيظهم بالأمل.

هم يشيعون بيننا الإحباط، ونحن نراغمهم ونغيظهم بالتفاؤل.

هم يشيعون بيننا التخذيل، ونحن نراغمهم ونغيظهم بالعزم والإباء.

هم يشيعون بيننا الحروب والكروب، ونحن نراغمهم ونغيظهم بالفرج، وأن المستقبل لنا ولأمتنا.

إننا نراغمهم ونجاقرهم ونجاقمهم بالاعتزاز بإسلامنا مصدر فخرنا وعزّنا، ونحن نقول:

أنا مسلم ولي الفخار فأكرمي
يا هذه الدنيا بدين المسلم

وأنا البريء من المذاهب كلها
وبغير دين الله لن أترنم

فلتشهد الأيام ما طال المدى
أو ضم قبري بعد موتي أعظمي

إني لغير الله لست بعابد
ولغير دستور السماء لن أنتمي

فراغم أهل الباطل ومن نعق معهم من المظبوعين اليائسين المحبطين، وأنت مستبشر واثق وموقن بقرب فرج الله لأمتنا.

راغم تؤجر.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى