أخبار عاجلةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتومضات

أحداث “تل”.. تحالف الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين لابتلاع الضفة

لم يكن ما جرى في بلدة تل جنوب غربي مدينة نابلس في شمال الضفة الغربية من هجوم للمستوطنين والجيش الإسرائيلي أسفر عن استشهاد 4 فلسطينيين مجرد حادث أمني عابر، بل كشف مسارا متصاعدا في هجمات المستوطنين ودعمهم من قبل الحكومة الإسرائيلية.

والجمعة الماضي، ارتقى أربعة فلسطينيين وأصيب أربعة آخرون خلال تصديهم لهجوم شنه مستوطنون إسرائيليون بحماية الجيش على بلدة تل، أعقبه تنفيذ اقتحامات إسرائيلية واعتقالات في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة.

وقُتل إسرائيليان في إطلاق نار وقع أثناء تصدي الأهالي للهجوم، وفق مصادر فلسطينية وإسرائيلية.

ويرى خبراء أن التطورات الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، خصوصا عبر إقامة البؤر الاستيطانية واستغلال الأحداث الأمنية لتسريع مشاريع الاستيطان.

تسارع استيطاني
ويقول مسؤول وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية أمير داود، إن ما يجري في الضفة “مرتبط بالعقلية الإسرائيلية التي تستغل كل الظروف لصالح المشروع الاستيطاني”.

ويضيف أن هذه السياسة “ليست جديدة”، موضحا أنه كتب عنها قبل 3 سنوات وسمّاها “الاستيطان بدوافع انتقامية”.

ويوضح داود أن الفكرة تقوم على “استغلال كل ظرف أمني وتطبيعه وتجييره لصالح المشروع الاستيطاني”، مشيرا إلى أن إسرائيل تستخدم مختلف الظروف لتحقيق هذا الهدف.

وعزا التسارع في المشاريع الاستيطانية إلى عاملين؛ أولهما عقائدي يرتبط بتوجهات الحكومة، والثاني سياسي يتمثل في التمهيد للانتخابات المقبلة عبر استرضاء جمهور اليمين وتسريع التوسع الاستيطاني وفرض مزيد من الوقائع على الأرض الفلسطينية.

ويشير داود إلى أن الضفة الغربية المحتلة “تشهد توسعا في إقامة البؤر الاستيطانية، حتى في المناطق المصنفة (ب) وفق اتفاق أوسلو”.

وبموجب “اتفاقية أوسلو 2” الموقعة عام 1995، تقسم الضفة الغربية المحتلة إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”. وتخضع “أ” للسيطرة الفلسطينية الكاملة، و”ب” لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، بينما تقع “ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة.

وقال داود إن عدد البؤر في مناطق “ب” وصل إلى قرابة 20، وجميعها أقيمت بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، معتبرا أن ذلك يدل على “عدم وجود حواجز أمام الحكومة الإسرائيلية أو المستوطنين”.

ويضيف أن المستوطنين “يسعون إلى السيطرة على المناطق المفتوحة وإغلاقها ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها”.

استثمار الأحداث
من جهته، يرى رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية حسن أيوب، أن خطورة أحداث تل “لا تكمن في الهجوم ذاته فقط، بل في الطريقة التي تستثمر بها إسرائيل هذه الأحداث لفرض مزيد من الإجراءات على الأرض”.

ويقول أيوب في تصريحات صحفية، إن الرسالة الإسرائيلية للفلسطينيين “مفادها أن كل محاولة للدفاع عن الوجود أو الذات أو رد اعتداءات المستوطنين سيترتب عليها مزيد من مصادرة الأرض والحصار والخنق الاقتصادي والتنكيل”.

ويضيف أن هذه السياسة تمثل “استثمارا لحالة الإرهاب والعنف من أجل الاستيلاء على أراض فلسطينية”، لافتا إلى أن الجديد هو “التبني الرسمي” من الحكومة الإسرائيلية لإجراءات السيطرة على الأراضي.

ويشير أيوب إلى أن “الأخطر في أحداث تل هو تصريحات وزراء إسرائيليين عن إمكانية تنفيذ عمليات تهجير في بلدات فلسطينية، مشابهة لما حدث في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس (شمال الضفة)”.

ويوضح أن الحركة الاستيطانية “كانت منذ عام 1967 إحدى أهم أدوات فرض الوقائع على الأرض، وأنها تحولت من موقع هامشي في الحياة السياسية الإسرائيلية إلى قلب المشهد”.

ويقول أيوب، إن اليمين الإسرائيلي “بات يتحكم في المشهد بالكامل، ويتبنى أدوات الحركات الاستيطانية، ويمنح المستوطنين دورا متقدما مع غطاء سياسي وقانوني وإعلامي”.

ويلفت إلى أن هذه الحركات، التي برزت منذ إنشاء حركة “غوش أمونيم” عام 1974، أدت دورا في الاستيلاء على الأراضي وإقامة المستوطنات وترهيب الفلسطينيين، قبل أن تنتقل من هامش السياسة الإسرائيلية إلى مركزها.

تجاوز أوسلو
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية رائد نعيرات، فيرى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية “لم تعد تتعامل مع تقسيمات الضفة الغربية المحتلة وفق اتفاق أوسلو باعتبارها قيودا سياسية”.

ويقول نعيرات في حديث معه إن الحكومة “تعمل جهارا على تجاوز هذا التصنيف، وإن خطواتها تقود إلى فرض أمر واقع جديد، سواء عبر مصادرة الأراضي أو التدخل في شؤون المناطق المختلفة”.

ويوضح أن استراتيجية المستوطنين “تقوم على هدفين؛ أولهما التضييق على الفلسطينيين بهدف ترحيلهم واقتلاعهم من أرضهم، والثاني إحداث إبادة اقتصادية تجعل الفلسطيني عاجزا عن إيجاد مقومات البقاء”.

ويضيف نعيرات أن “ما يجري في تل وغيرها من المناطق يندرج ضمن هذا المسار، وأن الحكومة الإسرائيلية تقدم للمستوطنين دعما سياسيا وعسكريا وماليا، وتعوضهم بإقامة مزيد من المستوطنات بدلا من التخلي عن ممارساتهم”.

ويؤكد أن المستوطنين “يقومون بهذه الأعمال نيابة عن الحكومة وبدعم كامل منها، بهدف دفع مشروع تحويل الضفة الغربية إلى يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية)”.

ويقول إن النتيجة المستهدفة هي تحويل الفلسطينيين إلى “كانتونات أو تجمعات معزولة” لا تمتلك مقومات تأثير كبيرة، عبر مصادرة أسس البقاء الاقتصادية والحياتية داخل المدن والقرى والمخيمات.

الاستيطان بعد تل
وبعد أيام من أحداث تل قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن مستوطنين أقاموا 8 بؤر استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، بينها بؤر في مناطق مصنفة “ب” و “ج”، ومعظمها على أراض فلسطينية.

ويقيم نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، وفق معطيات فلسطينية.

وفي النصف الأول من العام الجاري، ارتكب المستوطنون 3 آلاف و488 اعتداء بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفق تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (حكومية) في 6 يوليو/ تموز الجاري.

وتشمل اعتداءات الجيش والمستوطنين على الفلسطينيين: القتل والاعتقال، وهدم منازل ومنشآت، وإحراق مساجد، وتجريف أراضٍ زراعية، ومنع مزارعين من الوصول إلى مزارعهم، وتهجير فلسطينيين، والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى